خطبة جمعة
(نعمة الأمن واجتماع الكلمة ووحدة الصف)

عبدالله فهد الواكد

جامع الواكد بحائل




الخطبة الأولى

إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا؛ وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا؛ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ؛ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : لِـنَحْـمَـدَ اللهَ سُبْحَانَهُ عَلَىٰ مَا مَنَّ بِهِ علىٰ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ مِنْ اجْتِمَاعِ كَـلِـمَتِهَا ، وَتَوَحُّدِ صَفِّهَا عَلَىٰ كِـتَـابِ اللهِ عَــزَ وَجَــلَّ ، وَسُنَّةِ رسولِ اللهِ ، في ظِـلِّ قِيَادَةٍ حَكِيمَةٍ ، لها بَيْعَتها الـشَّـرعِـيَّـة ، أَدَامَ اللهُ تَوْفِيقَهَا وَتَسْدِيدَهَا ، وَحَفِظَ اللهُ لَنَا هَـذِهِ النِّعمَة وَأَتَمَّهَا ، وَحَفِظَ اللهُ خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ : إِنَّ المُحَافَظَةَ عَلَىٰ الجَمَاعَةِ مِنْ أعْـظَـمِ أُصُولِ الإسلامِ ، وَهُوَ مِمَّا عَظُمَتْ وَصِيَّةُ اللهِ تَعَالَىٰ بِهِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ ، وَعَظُمَ ذَمُّ مَنْ تَرَكَهُ ، إِذْ يَقُولُ جَـلَّ وَعَـلَا :﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَىٰ اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾
وَهَذَا الأَصْلُ الَّـذِي هُـوَ المُحَافَظَةُ عَلَىٰ الجَمَاعَةِ مِمَّا عَظُمَتْ وَصِيَّة النَّبِيِّ بِهِ فِي مَوَاطِنَ عَـامَّـةٍ وَخَـاصَّـةٍ ، مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ :« يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ » رواه الترمذي .
وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ :« مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ؛ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ ،
وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ ؛ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً » رواه مسلم .
وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ :« إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَّاتٌ وَهَنَّاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ ؛ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ ، كَائِنًا مَنْ كَانَ » رواه مسلم .
وَمَا عَظُمَتْ الوَصِيَّةُ بِاجْتِمَاعِ الكَلِمَةِ وَوَحْـدَةِ الصَّفِّ ؛ إلَّا لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَىٰ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحَ كُـبْـرَىٰ ، وَفِي مُقَابِلِ ذَلِكَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَىٰ فَقْدِهَا مِنْ مَفَاسِدَ عُـظْـمَىٰ ، يَعْرِفُهَا العُقَلاءُ ، وَلَهَا شَوَاهِدُهَا فِي القَدِيمِ والحَدِيثِ .
أَيُّهَا النَّاسُ : لَقَدْ أَنْـعَـمَ اللهُ علىٰ أهْـلِ هَذِهِ البِلَادِ ؛ بِاجْتِمَاعِهِمْ حَوْلَ قَادَتِهِم عَلَىٰ هَـدْي الـكِـتَـابِ والسُّنَّةِ ، لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ ، أَوْ يُشَتِّتُ أَمْرَهُمْ تَيَّارَاتٌ وَافِدَةٌ ، أَوْ أحْـزَابٌ وَجَمَاعَاتٌ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : ﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ .
وَقَدْ حَافَظَتْ بِلَادُنَا عَلَىٰ هَذِهِ الهَوِيَّةِ ، فَمَعَ تقدُّمِهَا وَتَطَوُّرِهَا ، وأخْذِهَا بالأسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُبَاحَةِ ، فإنَّهَا لَـمْ تَسْمَحَ بِأَفْـكَـارٍ وَافِـدَةٍ من الـغَـربِ أو الـشَّـرقِ ؛ تَنْتَقِصُ مِنْ هَـذِهِ الهَوِيَّةِ ، أَو تُـفَـرِّقُ هَذِهِ الجَمَاعَةَ .
وَإِنَّ مِنْ نِـعَـمِ اللهِ عَــزَّ وَجَــلَّ عَلَىٰ أهْـلِ هَذِهِ البِلَادِ حُـكَّـامًـا وَمَحْكُومِينَ ؛ أَنْ شَـرَّفَـهُـمْ بِخِدْمَةِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ :﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّىٰ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ .
فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ نِعْمَةَ الأَمْنِ فَلْيَنْظُرْ لِمَا آلَتْ إِلَيْهِ بِلَادُ الأَحْزَابِ وَالجَمَاعَاتِ وَالمُظَاهَرَاتِ وَالمَسِيرَاتِ مِنْ الفَوْضَى وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَهَتْكِ الأَعْرَاضِ وَذَهَابِ الأَمْنِ وَالدَّمَارِ وَأَنْ نَسْتَشْعِـرَ نِـعْـمَـةَ اجْـتِـمَـاعِ الـكَـلِـمَـةِ ، عَلَىٰ هَـدْيٍ مِنْ الـكِـتَـابِ والسُّنَّةِ ، في ظِلِّ قِيَادَةٍ حَـكِـيمَـةٍ ، وَعَلَيْنَا أَنْ نَسْعَى إِلَىٰ بَـذْلِ كُـلِّ الأسْبَابِ الَّتِي تَـزِيـدُ مِنْ اللُّحْـمَـةِ ، وَتُوَثِّقُ الْأُلْـفَـةَ ، وَنـحَـذِّرَ مِنْ الأَسْبَابِ الَّتِي تُؤَدِّي إلىٰ ضِـدِّ ذَلِكَ ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا جَمِيعًا التَّنَاصُحُ وَالتَّعَاوُنُ عَلَىٰ الــبِــرِّ وَالـتَّـقْـوَىٰ ، والتَّنَاهِي عن الإِثْـمِ والـعُـدْوَانِ ، والجَـوْرِ والـبَــغْـي ، وَغَـمْـطِ الـحَـقِّ .
وَعَلَيْنَا أَنْ نَحْذَرَ مِنْ الجَمَاعَاتِ الـفِـكْـرِيَّةِ وَالـحِـزْبِـيَّـةِ المُـنْـحَـرِفَـةِ ، إِذِ الأُمَّةُ فِي هَذِهِ البِلادِ جَمَاعَةٌ وَاحِـدَةٌ ؛ مُتَمَسِّكَـةً بِـمَـا عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَتَابِعُوهُمْ ، مِنْ لُـزُومِ الجَمَاعَةِ ، والمُنَاصَحَةِ الصَّادِقَةِ ، وَعَـدَمِ اخْتِلَاق العُيُوبِ وَإِشَـاعَـتِـهَـا ، وَنَشْرِهَا عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ
فَالنَّصِيحَةُ لَهَا مَـقَـامٌ عَـالٍ فِي الـدِّيـنِ ، حَيْثُ قَـالَ النَّبِيُّ :« الدِّينُ النَّصِيحَةُ » قِيلَ : لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :« لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ » رواه مسلم .
فَهَذِهِ البِلَادُ وَلِلهِ الحَمْدُ ، قَـائِـمَـةٌ عَلىٰ الـكِـتَـابِ وَالسُّنَّةِ والبَيْعَةِ والطَّاعَةِ وَلُـزُومِ الجَمَاعَةِ ، وَالدُّعَاءِ لِوُلَاةِ الأَمْرِ ، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَحْفَظَ بِلَادَنَا وَوُلَاةَ أَمْرِنَا وَجُنْدَنَا وَأَنْ يَحفَظَكُمْ وَالمُسْلِمِينَ جَمِيعًا
بَاَرَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فَي القُرْآنِ العَظِيمِ .





الخطبة الثانية

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : نَحْمَدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ مَنَّ عَلَى هَذِهِ البِلَادِ قِيَادَةً وَشَعْبًا بِالأَمْنِ وَالأَمَانِ وَنَسْأَلُ اللهَ لِوُلَاةِ أَمْرِنَا التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ وَالسَّعْيَ فِي مَصَالِحِ العِبَادِ وَالبِلَادِ ، وَنَسْأَلَ اللهَ العَوْنَ وَالتَّوْفِيقَ لِلْقَائِمِينَ عَلَى أَمْنِ هَذِهِ البِلَادِ وَفَقَهُمْ اللهُ وَحَفِظَهُمْ ، وَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَحْفَظَ بِـلَادَنَـا وَبِـلَادَ المُسْلِمِينَ مِنْ كُـلِّ سُـوءٍ وَمَـكْـرُوهٍ ، وَأَنْ يَجْمَعَ كَلِمَتَنَا عَلَىٰ الـحَـقِّ ، وَأَنْ يُصْلِحَ ذَاتَ بَيْنِنَا ، وَيَـهْـدِيَـنَـا سُـبُـلَ السَّلَامِ ، وَأَنْ يُـرِيَـنَـا الحَـقَّ حَـقًّـا ، وَيَـرْزُقَـنَـا اتِّـبَـاعَـهُ ، وَيُـرِيَـنَـا الـبَـاطِـلَ بَـاطِـلًا ، وَيَـرْزُقَـنَـا اجْـتِـنَـابَـهُ ، وَأنْ يَـهْـدِيَ ضَـالَّ المُسْلِمِينَ ، وَهُـوَ المَسْؤُولُ سُبْحَانَهُ ؛ أنْ يُـوَفِّـقَ وُلَاةَ الأَمْــرِ لِـمَـا فِيهِ صَـلَاحُ الـعِـبَـادِ وَالـبِـلَادِ ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ ،
عباد الله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا