المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محبة الله



الشيخ/عبدالله السالم
06-03-2013, 11:11
الحمدُ للهِ ما انتظمتْ بتدبيرِهِ الأمُورْ ، وتوالتْ بحكمتِهِ السّنينُ والشهورْ ، وسبحتْ بفناءِ صنعتِهِ أسرابُ الطُيورْ، وسعَ المُقترفين بعفوِهِ وغُفرانِهْ ، وعمَّ المُفتقرين بفضلِهِ وإحسانِهْ ،خرتْ لعظمتِهِ جباهُ العابدينْ ، فطوبى لمن عبدْ ، واعترفتْ بوحدانيتِهِ قُلوبُ العارفينْ ، فويلٌ لمنْ جَحَدْ ، كم سُئلَ فأجزلْ ، وكم عُصي فأمْهلْ ، لا راتقَ لما فتقْ ، ولا فاتقَ لما رتقْ ، ولا رازقَ لمن حرمْ ، ولا حارمَ لمن رزقْ ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله ، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُهُ صلى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسلم تسليماً كثيراً : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) أمَّا بعدُ إيُّها الأحبةُ في الله ، فَإنَّ هذه الأجسادِ التي نحملُها، والأعضاءُ التي نُحركُها، لا يُمكنُ أن نُسيّرَها إلاَّ بِمشيئةِ اللهِ تعالى ، ثم بحسبِ مشاعرِها التي تُكِنُّها بين جَنَبَا تِها ، فهي للمشاعرِ تبعٌ ، ولا يمكنُ أن تعرفَ مُحبًا لشيءٍ ولا مُبغِضًا لهُ ، إلاَّ بفعلِهِ تِجَاهُهُ وموقفُهُ منهُ ، لا بكلامِهِ وإن كثّّرَهُ وزيّنَهُ وحَلَفَ عليهِ، والعملُ كثيراً ما تَلحقُهُ الآفاتُ والنَّقَائِصُ، أما إذا استجمعَ العبدُ في قلبِهِ محبةً صادقةً خالصةً دائمةً للهِ عزَّ وجلَّ ولِرسولِهِ e ، فإن ذلك يُعوضُ نُقصَانَ عملِهِ ،فابالْمحبةِ يزكو العملُ ، ويُبارَكُ في الْجُهدِ، والعملُ بُرهَانُ الْمَحَبَّةِ ودليلُ وجودِها . واسمعْ ـ يا رعاكَ اللهُ ـ إلى هذا الحديثِ الصحيحِ ، الذي أخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحِيهما، ورواهُ الصحابيُّ الجليلُ أنسُ بنُ مالكٍ y : أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ e عَنِ السَّاعَةِ: قَالَ مَتَى السَّاعَةُ؟ فَقَالَ e {وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟} قَالَ: لا شَيْءَ إِلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَe {أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ}، قَالَ أَنَسٌ t : فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ e : {أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ} فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ e وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ ،t عن أَنَسٍ ، فلماذا يا تُرى فَرِحَ الصحابةُ رضي اللهُ عنهُم بهذا الحديثِ من رسولِ اللهِ e لِمَاذا فَرِحوا كلَّ هذا الفرحِ ، بعد فرحِهم بدينِ الإسلامِ ؟ ذلك أنهم عرفوا بأن الصدقَ في محبةِ اللهِ تعالى ورسولِهِ e، يُدرِكُ بهِ المرءُ مَنزلةً عاليةً عندَ اللهِ ، قَلَّمَا تُوَصِِّلُ إليها الأعمالُ، فمحبةُ اللهِ عز وجل ، رأسُ كلِّ أمرٍ، وهي كما قالَ ابنُ القيمِ رحمه اللهُ : "قوتُ القلوبِ وغِذَاءُ الأرواحِ، وقرةُ العيونِ وهي الحياةُ التي مَنْ حُرِمَها ، فهو من جُملةِ الأمواتِ ، والنورُ الذي مَنْ فَقَدَهُ ، فهو في بِحارِ الظلماتِ "ولكن ينبغي لكَ ـ أيها المباركُ ـ أن تستيقِظَ وتنتبَّهَ ، وتعلمَ أنَّ هذه المحبةَ للهِ ، لا تنفصلُ عن العملِ، بل العملُ ثمرةٌ من ثِمَارِها، فالمحبُّ لا يستغني عن طاعةِ محبوبِهِ، فكما أَنَّ كلَّ عملٍ يُؤدَّى بلا محبةٍ لا روحَ فيهِ ، فكذلك كلُّ محبةٍ تُدَّعَى بغيرِ عملٍ لا صِدقَ فيها، بل كلُّ إيمانٍ يُزعَمُ بدونِ محبةٍ ولا عملٍ ، فلا حقيقةَ لهُ، قال ابنُ تيميةَ رحمه اللهُ: " محبةُ اللهِ ورسولِهِ ، من أعظمِ واجباتِ الإيمانِ والدينِ ،كما أن التصديقَ أصلُ كلِّ قولٍ من أقوالِ الإيمانِ والدينِ ، فجميعُ الأعمالِ الإيمانيةِ الدينيةِ ، لا تصدرُ إلا عن المحبةِ المحمودةِ، وأصلُ المحبةِ المحمودةِ هي محبةُ اللهِ ورسولِهِ". فإذا أردتَ أن تُبَرهنَ على صدقِ محبتِكَ للهِ، وأن تُحَصِّلَ أصلَ تلك المحبةِ، فلا بدَّ لكَ من العملِ، بل إذا أردتَ أن ترقى أعلى من منزلةِ المحبِّ للهِ، إلى منزلةِ المحبوبِ من اللهِ ، فعليكَ بالعملِ في طاعةِ اللهِ، فبدونِ العملِ لن يكونَ لديكَ كبيرُ أملٍ ،وكذلكَ دوامُ ذكرِ اللهِ تعالى على كلِّ حالٍ ، باللسانِ والقلبِ والعملِ ، وانظرْ في نفسِكَ ولله المثلُ الأعلا ، إذا أحببتَ إنساناً، أو طعاماً، أو مركوباً أو ملبوساً، فإنك تكثرُ من ذكرِهِ وطاعتِهِ واستعمالِهِ والتردُّدِ عليهِ، ودوامِ حضورِهِ على لسانِكَ وقلبِكَ، فكيفَ بمحبةِ اللهِ تعالى عندَكَ، فَنَصيبُكَ من المحبةِ ، على قدرِ نصيبُكَ من الذكرِ للهِ تباركَ وتعالى ، يقولُ أبو هُرَيْرَةَ t ، كما عند أحمد ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ e يَأْثُرُ عَنْ رَبِّهِ U أَنَّهُ قَالَ: {أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ}إذاً فعليكَ بما أمرَ اللهُ ... يحبُّكَ اللهُ ، فإن القولَ الذي لا يُصَدِّقُهُ عملٌ، قَولٌ مَردودٌ على صاحبِهِ ، وإن كنتَ ترى نفسَكَ غنيًا عن هذه المحبةِ ، فيا لبؤسِكَ وشقائِكَ في الدنيا والآخرةِ ، فعليكَ بالعملِ ، وتزودْ ما دُمتَ في دارِ العملِ ، وتَعَلّمْ واعملْ يُحبُّكَ اللهُ ، اللهم إنا نسألُكَ حبَّكَ وحبَّ من يحبُّكَ وحباً يبلغُنا حبَّكَ
باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ
ونفعني وإياكم بما فيهِ من الآياتِ والذكرِ الحكيمِ أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم من كلِّ ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم





الحمد للهِ ، حمداً يَلِيقُ بكريمِ وجهِهِ ، وبعظيمِ سلطانهِ ،وأشهدُ أن لا إله إلا هو سبحانه ، لا شريك له ولا ندَّ له ولا شبيه . وأَشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُهُ ، وصفيُهُ وخليلُهُ ، نبياً شرحَ اللهُ صدرَهُ ، ووضعَ عنه وزرَهُ ورفعَ ذكرَهُ . صلى اللهُ عليه وعلى آلهِ وأصحابِهِ ، الطيبينَ الطاهرينَ ، وعلى من سارَ على نهجِهِم إلى يومِ الدينِ ، وسلم تسليماً كثيراً ،أمَّا بعد :أيها الأحبةُ في الله ، يقولُ الرسولُ e في الحديثِ الصحيحِ: {ثلاثٌ من كنَّ فيهِ وَجَدَ حلاوةَ الإيمانِ: أن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليهِ مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبُّهُ إلا للهِ، وأن يكرهَ أن يعودَ في الكفرِ، كما يكرَهُ أن يُقذفَ في النارِ} البخاري، وهذه صفاتٌ عاليةُ المطلبِ، فمحبةُ اللهِ أسمى المنى وأغلى المطالبِ ،وإن تلك لمرتبةٌ عاليةٌ مُنيةٌ [وهي أن يَجدَ المرءُ حلاوةَ الإيمانِ باللهِ في قلبِهِ] إنه بقدرِ محبتِكَ للهِ ، تكونُ استجابتُكَ ومحبتُكَ لتنفيذِ ما أمرَ به اللهُ ، وَمَا تفريطُكَ في بعضِ ما أَمرَ اللهُ بهِ ، إلا لنقصٍ في محبتِكَ للهِ ، علمتَ ذلك أم لم تعلمْ. قال الشاعرُ:
تعصي الإلهَ وأنتَ تزعمُ حبَّهُ هذا لعمري في القيـاسِ بديـعُ
لو كان حبُّكَ صادقاً لأطعتَهُ إن المحـبَّ لمن يـحبُّ مطيـعُ
عبادَ اللهِ صلّوا على المعصومِ عليهِ أفضلُ الصلاةِ وأتمُ التسليمِ فقد قالَ بأبي هو وأمي { إن من أفضَلِ ِأيامِكُم يومَ الجمعةِ فيه خُلِقَ آدمُ وفيه قُبِضَ وفيهِ النفخةُ وفيهِ الصعقةُ فأكثروا علي من الصلاةِ فيه فإنَّ صلاتَكم معروضةٌ علي قالوا وكيفَ تعرضُ صلاتُنا عليكَ وقد أرمتَ فقالَ إن اللهَ عز وجل حَرّمَ على الأرضِ أن تأكلَ اجسادَ الأنبياءِ}اللهم صل وسلّم وأنعم وأكرم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمّد ، ورض اللهم عن أصحابه الأطهار ماتعاقب الليل والنهار أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائِرِ أصحابِ نبيّك أجمعين ، وعن التابعين ، وتابعيهم بِإحسانٍ إلى يومِ الدّين ، وعنّا معهم ، بمنك وفضلك ورحمتك ، يا أرحم الراحمين ، اللهم اجعل في قلوبِنا نوراً نهتدي به إليك ، وتولنا بِحُسنِ رعايتِك ، حتى نتوكلَ عليك ، وارزقنا حلاوةَ التذلُلِ بين يديكَ ، فالعزيزُ من لاذَ بعزِكَ ، والسعيدُ من التجأَ إلى حماكَ وجودِك ، والذليلُ من لم تُؤَيّدْهُ بعنايتِكَ ، والشقيُّ من رضيَ بالإعراضِ عن طاعتِكَ ، اللهم نَزِّه قلوبَنا عن التعلقِ بمن دونِك ، واجعلنا من قومٍ تحبُهم ويحبونَك ،وَأَعِزَّ الإِسْلاَمَ والمُسْلِمِينَ، وأَذِلَ الشِّرْكَ والمُشْرِكِينَ، وانْصُرْ عِبَادَكَ المُجاهدينَ المُوَحِدِّينَ ،اللهم سدد رميهم ، ووحِّد صفهم ، وثبِّت أقدامَهُم ، وانصرهم على عدوّك وعدوهم ، اللهم عليك باليهودِ والنصارى المعتدينَ الحاقدينَ ، ومن كرِهَ الإسلامَ والمسلميَن ، اللهم عليك بهم فانهم لا يعجزونَك ، اللهم زلزل الأرض من تحتهم ، وصُبَّ عليهم العذاب من فوقهم ، وقذف الرعب في قلوبهم ، وجعلهم عبرةً للمُعتَبرين ، اللهم شتتْ شملَهم وأوهنْ عزمَهُم ،وأَرِنا بهم عجائبَ قدرتِك ، وفجاءةَ نقمتِك ، وأليمَ عذابِك اللهم احفظْ بلادَنا وولاةَ أمرِنا وعلماءَنا ودُعاتَنا ، اللهم وحِّدْ كلمتَنا وقوي شوكتَنا ياربَّ العالمينَ ، واجعل هذا البلد رخاءً سخاءً آمِناً مُطمَئِناً ، وسائر بلاد المسلمين يا ربَّ العالمين ، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنيين والمؤمنات ، الأحياء منهم والأموات ، اللهم ربنا ( آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)