صفحة 1 من 6 1 2 3 4 5 6 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 56

الموضوع: %%مجـــــــــــــــــموع الفتاوى%%

  1. #1
    مراقب المضايف الاسلامية الصورة الرمزية ابو ضاري


    تاريخ التسجيل
    03 2007
    الدولة
    الجبي
    العمر
    38
    الاقامة:
    الجبي
    الجنس:
    ذكر
    المشاركات
    15,734
    مقالات المدونة
    1
    Thanks
    785
    شُكِر 518 في 160مشاركة

    معرض الأوسمه

    %%مجـــــــــــــــــموع الفتاوى%%



    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاه والسلام على اشرف الانبياء نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين

    هذه مجموع من فتاوى للشيخ ابن عثيمين غفر الله له

    في باب فتاوي العقيده

    وفتاوي الطهاره

    وفتاوي الصلاه

    وفتاوي الزكاه

    وفتاوي الصوم

    وفتاوي الحج

    سوف ناتي بااقسامها جميعادون التطرق الى وضع سؤال عن فتوى عن طريق الاعضاء ولهذا السببوضعنا هذه الفتاوي لكي تعم الفائده بيننا ونستفيد في امور ديننا وهذه الفتاوي ماخوذه من موقع الشيخ غفر الله له



    فتاوى العقيدة



    التوحيد والاعتقاد



    الغاية مِن خلق البشر

    السؤال (1) : فضيلة الشيخ، ما هي الغاية مِن خَلق البشر؟
    الجواب : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أما بعد : فإنه قبل أن أجيب على هذا السؤال ، أحب أن أنبه على قاعدة عامة فيما يخلقه الله عز وجل ، وفيما يشرعه ، وهذه القاعدة مأخوذة من قوله تباركوتعالى : ( وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)(التحريم: 2)، وقوله : ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)(الأحزاب: 1)، وغيرهما من الآيات الكثيرة الدالة على إثبات الحكمة لله عز وجل ، فيما يخلقه ، وفيما يشرعه ، أي في أحكامه الكونية والشرعية ، فإنه ما من شيء يخلقه الله عز وجل إلا وله حكمة ، وسواء كان ذلك في إيجاده أو إعدامه ، وما من شيء يشرعه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة ، سواء كان ذلك في إيجابه ، أو تحريمه ، أو إباحته.
    لكن هذه الحكم التي يتضمنها حكمه الكوني والشرعي ، قد تكون معلومة لنا ، وقد تكون مجهولة ، وقد تكون معلومة لبعض الناس دون بعض ، حسب ما يأتيهم الله سبحانه وتعالى من العلم والفهم إذا تقرر هذا فإننا نقول : إن الله سبحانه وتعالى خلق الجن والإنس لحكمة عظيمة ، وغاية حميدة، وهي عبادته تبارك وتعالى .
    كما قال الله سبحانه وتعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، وقال تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:115) ، وقال تعالى : (أَيَحْسَبُ الْإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (القيامة:36)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن لله تعالى حكمة بالغة في خلق الجن والإنس ، وهي عبادته.
    والعبادة هي التذلل لله عز وجل ، محبة ، وتعظيماً بفعل أوامره ، واجتناب نواهيه ، على الوجه الذي جاءت به شرائعه ، قال الله تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ )(البينة: 5) فهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس ، وعلى هذا فمن تمرد على ربه ، واستكبر عن عبادته ، فإنه يكون نابذاً لهذه الحكمة التي خلق العباد من أجلها ، وفعله يشهد بأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق عبثاً وسدى ، وهو وإن لم يصرح بذلك ، لكن هذا مقتضى تمرده واستكباره عن طاعة ربه.
    السؤال(2): فضيلة الشيخ ، لكن هل للعبادة مفهوم يمكن أن نعرفه ، وهل لها مفهوم عام ، ومفهوم خاص ؟
    الجواب : نعم مفهومها العام كما أشرت إليه آنفاً ، بأنها التذلل لله عز وجل محبة وتعظيماً ، بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، على الوجه الذي جاءت به شرائعه ، هذا المفهوم العام.
    والمفهوم الخاص - أعني تفصيلها - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هي " اسم جامع لكل ما يجبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، كالخوف ، والخشية ، والتوكل ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، وغير ذلك من شرائع الإسلام".
    ثم إن كنت تقصد بمعنى المفهوم الخاص والعام ما ذكره بعض العلماء من أن العبادة إما عبادة كونية ، أو عبادة شرعية ، بمعنى أن الإنسان قد يكون متذللاً لله سبحانه وتعالى تذللا كونيا وتذللاً شرعياً، فالعبادة الكونية عامة ، تشمل المؤمن والكافر ، والبر والفاجر، لقوله تعالى : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) (مريم:93) ، فكل ما في السموات والأرض فهو خاضع لله سبحانه وتعالى كوناً ، لا يمكن أبداً أن يضاد الله ، أو يعارضه فيما أراد - سبحانه وتعالى - بالإرادة الكونية.
    وأما العبادة الخاصة : وهي العبادة الشرعية ، وهل التذلل لله تعالى شرعاً، فهذه خاصة بالمؤمنين بالله سبحانه وتعالى ، القائمين بأمره ثم إن منها ما هو خاص أخص ، وخاص فوق ذلك .
    فالخاص الأخص كعبادة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، مثل قوله تعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ )(الفرقان: 1)، وقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا)(البقرة: 23) ، وقوله : (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) (ص:45)، وغير ذلك من وصف الرسل عليهم الصلاة والسلام بالعبودية.
    السؤال (3): فضيلة الشيخ ، هل يثاب من اختصوا بالعبادة الكونية عن هذه العبادة الشرعية؟
    الجواب : هؤلاء لا يثابون عليها ، لأنهم خاضعون لله تعالى شاؤوا أم أبوا فالإنسان يمرض ، ويفقر ، ويفقد محبوبه ، من غير أن يكون مريداً لذلك ، بل هو كاره لذلك ، لكن هذا خضوع لله عز وجل خضوعاً كونياً

    أول واجب على العبيد

    السؤال (4) : فضيلة الشيخ ، ما هو أول واجب على الخلق؟
    الجواب: أول واجب على الخلق ، هو أول ما يدعى الخلق إليه ، وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن ، فقال "إنك تأتي قوماً أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله"(1)، فهذا أول وجب على العباد ، أن يوحدوا الله عز وجل ، وأن يشهدوا لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة ، وبتوحيد الله سبحانه وتعالى ، والشهادة لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة ، يتحقق الإخلاص والمتابعة اللذان هما شرط لقبول كل عبادة .
    فهذا هو أول ما يجب على العباد ، أن يوحدوا الله ، ويشهدوا لرسله صلى الله عليهم وسلم بالرسالة ، فشهادة أن لا إله إلا الله تتضمن التوحيد كله.


    علاقة الشهادة بأنواع التوحيد

    السؤال (5) : فضيلة الشيخ ، لكن هل تشمل الشهادة أنواع التوحيد؟
    الجواب : هي تشمل أنواع التوحيد كلها ، إما بالتضمن وإما بالالتزام ، وذلك أن قول القائل : أشهد أن لا إله إلا الله ، يتبادر إلى المفهوم ، أن المراد بها توحيد العبادة ، وتوحيد العبادة الذي يسمى توحيد الألوهية مستلزم بل متضمن لتوحيد الربوبية ، لأن كل من عبد لله وحده فإنه لن يعبده حتى يكون مقرا له بالربوبية ، وكذلك متضمن لتوحيد الأسماء والصفات ، لأن الإنسان لا يعبد إلا من علم أنه مستحق للعبادة ، لما له من الأسماء والصفات ، ولهذا قال إبراهيم لأبيه : ( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً)(مريم: 42)، فتوحيد العبادة ، وهو توحيد الألوهية ، متضمن لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات .


    معنى التوحيد

    السؤال (6) : فضيلة الشيخ ، ما معنى التوحيد ؟
    الجواب : التوحيد مصدر وحد يوحد، أي جعل الشيء وحداً ، وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات ، نفي الحكم عما سوى الموحد ، وإثباته له فمثلاً نقول : إنه لا يتم للإنسان التوحيد ، حتى يشهد أن لا إله إلا الله ، فينفي الألوهية عما سوى الله ، ويثبتها لله وحده ، وذلك أن النفي المحض تعطيل محض ، والإثبات المحض لا يمنع مشاركة الغير في الحكم ، فلو قلت مثلاً : فلان قائم ، فهنا أثبت له القيام ، لكنك لم توحده به لأنه من الجائز أن يشركه غيره في هذا القيام ، ولو قلت : لا قائم ، فقد نفيت نفياً محضا ، ولم تثبت القيام لأحد فإذا قلت : لا قائم إلا زيد أو : لا قائم إلا فلان ، فحينئذ تكون وحدت فلاناً بالقيام ، حيث نفيت القيام عمن سواه ، وهذا هو تحقيق التوحيد في الواقع ، أي أن التوحيد لا يكون توحيداً حتى يتضمن نفياً وإثباتاً .
    السؤال (7) : فضيلة الشيخ ، ما هي أنواع التوحيد على سبيل الإجمال؟
    الجواب : أنواع التوحيد حسب ما ذكره أهل العلم ثلاثة :
    توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهيية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، وعلموا ذلك بالتتبع والاستقراء ، والنظر في الآيات والأحاديث ، فوجدوا أن التوحيد لا يخرج عن هذه الأنواع الثلاثة ، فنوعوا التوحيد إلى ثلاثة أنواع .


    أنواع التوحيد

    السؤال (8) : فضيلة الشيخ ، ما هي أنواع التوحيد مع التوضيح والأمثلة لذلك ؟
    الجواب : أنواع التوحيد بالنسبة لله عز وجل ، تدخل كلها في تعريف عام ، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بما يخص به ، وهي ثلاثة أنواع :
    توحيد الربوبية : وهو إفراد الله تعالى بالخلق ، والملك ، والتدبير ، فالله تعالى وحده هو الخالق ، لا خالق سواه قال الله تعالى ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَه إلا هو)(فاطر: 3)، وقال تعالى مبيناً بطلان آلهة الكفار (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (النحل:17)، فالله تعالى وحده هو الخالق ، خلق كل شيء فقدره تقديراً ، وخلقه يشمل ما يقع من مفعولاته ، وما يقع من مفعولات خلقه أيضاً ، ولهذا كان من تمام الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله تعالى خالق لأفعال العباد ، كما قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات:96) .
    ووجه ذلك : أن فعل العبد من صفاته ، والعبد مخلوق لله ، وخالق الشيء خالق لصفاته.
    ووجه آخر : أن فعل العبد حاصل بإرادة جازمة وقدرة تامة ، والإرادة والقدرة كلتاهما مخلوقتان لله عز وجل ، وخالق السبب التام خالق للمسبب ، فإذا قلت : كيف نقول إنه تعالى منفرد بالخلق ، مع أن الخلق قد يثبت لغير الله ، كما يدل عليه قول الله تعالى : ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(المؤمنون: 14)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في المصورين : " يقال لهم أحيوا ما خلقتم (2) ، فالجواب على ذلك : أن غير الله تعالى لا يخلق كخلق الله ، فلا يمكنه إيجاد معدوم ، ولا إحياء ميت ، وإنما خلق غير الله سبحانه وتعالى يكون بالتغيير ، وتحويل الشيء من صفة إلى أخرى ، وهو مخلوق لله عز وجل ، فالمصور مثلاً إذا صور صورة فإنه لم يحدث شيئاً ، غاية ما هنالك أنه حول شيئاً إلى شيء ، كما يحول الطين إلى صورة طير ، أو إلى صورة جمل ، وكما يحول بالتلوين الرقعة البيضاء إلى صورة ملونة ، والمداد كله من خلق الله عز وجل ، والورقة البيضاء أيضاً من خلق الله عز وجل ، فهذا هو الفرق بين إثبات الخلق بالنسبة لله عز وجل ، وإثبات الخلق بالنسبة إلى المخلوق ، وعلى هذا فيكون الله تعالى منفرداً بالخلق الذي يختص به .
    ثانياً : من توحيد الربوبية : إفراد الله تعالى بالملك ، فالله تعالى وحده هو المالك ، كما قال تعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الملك:1) ، وقال تعالى : (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ) (المؤمنون:88) ، فالمالك الملك المطلق العام الشامل هو الله سبحانه وتعالى وحده ، ونسبة الملك إلى غيره نسبة إضافية ، فقد أثبت الله تعالى لغيره الملك ، كما في قوله تعالى ( أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ)(النور: 61) ، وقوله تعالى : (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ )(المؤمنون: 6)، وما أشبه ذلك من النصوص الدالة على أن لغير الله تعالى ملكاً ، لكن هذا الملك ليس كملك الله عز وجل ، فهو ملك قاصر ، وملك مقيد ، ملك قاصر لا يشمل ، فالبيت الذي لزيد لا يملكه عمرو ، والبيت الذي لعمرو لا يملكه زيد ، ثم هذا الملك مقيد ، بحث لا يتصرف الإنسان فيما ملك إلا على الوجه الذي أذن الله فيه ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال(3). وقال الله تعالى : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً )(النساء:5)، وهذا دليل على أن ملك الإنسان ملك قاصر ، وملك مقيد، بخلاف ملك الله سبحانه وتعالى فهو ملك عام شامل ، وملك مطلق ، يفعل الله سبحانه وتعالى ما يشاء ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
    الركن الثالث من أركان توحيد الربوبية: أن الله تعالى منفرد بالتدبير ، فهو سبحانه وتعالى الذي يدبر الخلق ، يدبر أمر السموات والأرض كما قال الله تعالى : ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(الأعراف: 54)، وهذا التدبير تدبير شامل ، لا يحول دونه شيء ، ولا يعارضه شيء ، والتدبير الذي يكون لبعض المخلوقات ، كتدبير الإنسان أمواله ، وغلمانه ، وخدمه ، وما أشبه ذلك ، هو تدبير ضيق محدود، ومقيد غير مطلق ، فظهر بذلك صحة قولنا : إن توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالخلق ، والملك، والتدبير ، فهذا هو توحيد الربوبية.
    أما النوع الثاني : فهو توحيد الألوهية، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة ، بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحداً يعبده ويتقرب إليه ، كما يعبد الله تعالى ويتقرب إليه ، وهذا النوع من التوحيد هو الذي ضل فيه المشركون ، الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ، واستباح نساءهم وذريتهم وأموالهم وأرضهم وديارهم ، وهو الذي بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب مع أخويه توحيدي الربوبية والأسماء والصفات ، لكن أكثر ما يعالج الرسل أقوامهم على هذا النوع من التوحيد ، وهو توحيد الألوهية ، بحيث لا يصرف الإنسان شيئاً من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى ، لا لملك مقرب ، ولا لنبي مرسل ، ولا لولي صالح ، ولا لأي أحد من المخلوقين ، لأن العبادة لا تصح إلا لله عز وجل ، ومن أخل بهذا التوحيد فهو مشرك كافر ، وإن أقر بتوحيد الربوبية وبتوحيد الأسماء والصفات ، فلو أن رجلاً من الناس يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور ، وأنه سبحانه وتعالى المستحق لما يستحقه من الأسماء والصفات ، لكن يعبد مع الله غيره ، لم ينفعه إقراره بتوحيد الربوبية وبتوحيد الأسماء والصفات ، لو فرض أن رجلاً يقر إقراراً كاملاً بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات ، لكن يذهب إلى القبر فيعبد صاحبه ، أو ينذر له قرباناً يتقرب به إليه ، فإن هذا مشرك كافر ، خالد في النار ، قال الله تعالى ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)(المائدة: 72).
    ومن المعلوم لكل من قرأ كتاب الله عز وجل ، أن المشركين الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم واستحل دماءهم وأموالهم ، وسبى ذريتهم ونساءهم ، وغنم أرضهم ، كانوا مقرين بأن الله تعالى وحده هو الرب الخالق ، لا يشكون في ذلك ، ولكن لما كانوا يعبدون معه غيره ، صاروا بذلك مشركين مباحي الدم والمال.
    أما النوع الثالث من أنواع التوحيد : فهو توحيد الأسماء والصفات ، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بما سمى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بإثبات ما أثبته الله سبحانه وتعالى لنفسه ، من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فلابد من الإيمان بما سمى الله به نفسه ، ووصف به نفسه ، على وجه الحقيقة لا المجاز ، ولكن من غير تكييف ولا تمثيل.
    وهذا النوع من أنواع التوحيد ضلت فيه طوائف من هذه الأمة من أهل القبلة ، الذين ينتسبون إلى الإسلام على أوجه شتى ،منهم من غلا في النفي والتنزيه غلوا يخرج به من الإسلام ، ومنهم متوسط ، ومنهم قريب من أهل السنة ، ولكن طريق السلف في هذا النوع من التوحيد ، هو أن يسمى الله عز وجل ويوصف بما سمى ووصف به نفسه على وجه الحقيقة ، بلا تحريف ، ولا تعطيل ولا تكييف ، ولا تمثيل.
    مثال ذلك : أن الله سبحانه وتعالى سمى نفسه بالحي القيوم ، فيجب علينا أن نؤمن بالحي على أنه اسم من أسماء الله ، ويجب علينا أن نؤمن بما تضمنه هذا الاسم من وصف ، وهي الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ، ولا يلحقها فناء ، وسمى الله سبحانه وتعالى نفسه بالسميع العليم ، فيجب علينا أن نؤمن بالسميع اسماً من أسماء الله ، وبالسمع صفة من صفاته ، وبأنه يسمع ، وهو الحكم ، الذي اقتضاه ذلك الاسم وتلك الصفة ، فإن سميعاً بلا سمع ، أو سمعاً بلا إدراك مسموع ، هذا شيء محال ، وعلى هذا فقس.
    مثال آخر : قال الله تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) (المائدة:64)، فهنا قال الله تعالى : (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) فأثبت لنفسه يدين موصوفتين بالبسط ، وهو العطاء الواسع ، فيجب علينا أن نؤمن بأن لله تعالى يدين اثنتين مبسوطتين بالعطاء والنعم ، ولكن يجب علينا ألا نحاول ، لا بقلوبنا وتصوراتنا ولا بألسنتنا أن نكيف تلك اليدين ، ولا نمثلهما بأيدي المخلوقين ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: 11) ويقول الله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33)، ويقول الله عز وجل : (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الاسراء:36) .
    فمن مثل هاتين اليدين بأيدي المخلوقين فقد كذب قول الله عز وجل: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: 11) ، وقد عصى الله تعالى في قوله : (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) (النحل:74) ، ومن كيفهما وقال هما على كيفية معينة أيا كانت هذه الكيفية فقد قال على الله ما لا يعلم ، وقفا ما ليس له به علم.

    أهمية توحيد الأسماء والصفات

    السؤال (9) : فضيلة الشيخ ، نريد زيادة تفصيل في القسم الأخيرة من أقسام التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات؟
    الجواب : الحقيقة أن هذا النوع من التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات ، ينبغي أن يبسط فيه القول لأنه مهم ، ولأن الأمة الإسلامية تفرقت فيه تفرقاً كثيراً ، وهدى الله الذين آمنوا من السلف وأتباعهم لما اختلف فيه من الحق بإذنه ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
    تقدم لنا قاعدة في هذا النوع ، وهو أنه يجب علينا أن نثبت ما أثبته الله لنفسه ، أو أثبته له رسوله من الأسماء والصفات ، على وجه الحقيقة ، من غير تحريف ولا تعطيل ، ولا تكييف ولا تمثيل ، وذكرنا لهذا أمثلة في أسماء الله عز وجل ، ومثالاً في صفة من صفاته وهي صفة اليدين ، وذكرنا أنه يجب فيما يتعلق بالأسماء، أن نثبت ما سمى الله به نفسه اسماً لله ، وأن نثبت ما تضمنه من صفة وما تضمنه من حكم ، وهو الأثر الذي تقتضيه هذه الصفة ، وذكرنا أنه يجب علينا أن نؤمن بما وصف الله به نفسه من الصفات على وجه الحقيقة أيضاً ، وذكرناً مثالاً وهو اليدان ، حيث أثبت الله لنفسه يدين اثنتين ، وهما ثابتتان لله على وجه الحقيقة ، لكن لا يجوز لنا أن نمثل هاتين اليدين بأيدي المخلوقين ، ولا أن نتصور بقلوبنا أو ننطق بألسنتنا عن كيفية هاتين اليدين ، لأن التمثيل تكذيب لقول الله عز وجل : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى:11) ، وعصيان لله ، لقوله تعالى : (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) (النحل:74) .
    وأما التكييف فهو وقوع فيما حرم الله ونهى عنه ، لأن الله يقول : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33)، (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الاسراء:36) .
    نزيد مثالاً ثانياً في الصفات ، وهو استواء الله على تعالى على عرشه ، فإن الله تعالى أثبت لنفسه أنه استوى على عرشه في سبعة مواضع من كتابه ، كلها أتت بلفظ " استوى"، وإذا رجعنا إلى الاستواء في اللغة العربية وجدناه إذا عدي بعلى لا يقتضي إلا الارتفاع والعلو، فيكون معنى قوله تعالى : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5) ، وأمثالها من الآيات ، معناها علا على عرشه عز وجل علوا خاصا غير العلو العام على جميع الأكوان وهذا العلو ثابت لله تعالى على وجه الحقيقة ، فهو عال على عرشه علوا يليق به عز وجل لا يشبه علو الإنسان على السرير ، ولا علوه على الأنعام ولا علوه على الفلك ، الذي ذكره الله في قوله : ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (12) (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ5 الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (13) (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) (الزخرف 12-14)، فاستواء المخلوق على شيء لا يمكن أن يماثله استواء على عرشه ، لأنه الله ، ليس كمثله شيء في جميع نعوته.
    وقد أخطأ خطأ عظيماً من قال : إن معنى " استوى على العرش" استولى على العرش ، لأن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، ومخالف لما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، ومستلزم للوازم باطلة ، لا يمكن للمؤمن أن يتفوه بها بالنسبة إلى الله عز جل ، فالقرآن الكريم نزل باللغة العربية بلا شك، كما قال تعالى : (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف:3)، وقال تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (193) (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (194) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء:193-195) ، ومقتضى هذه الصيغة " استوى على كذا" في اللغة العربية : العلو والاستقرار ، بل هو معناها المطابق للفظ.
    فمعنى " استوى على العرش" أي علا عليه علو خاصا يليق بجلاله وعظمته ، فإذا فسرناه باستولى فقد حرفنا الكلم عن مواضعه ، حيث أخرجنا هذا المعنى الذي تدل عليه اللغة - لغة القرآن وهو العلو إلى معنى الاستيلاء ، ثم إن السلف والتابعين لهم بإحسان مجمعون على هذا المعنى ، إذ لم يأت عنهم حرف واحد في تفسيره بخلاف ذلك . وإذا جاء اللفظ في القرآن والسنة ولم يرد عن السلف ما يخالف ظاهره ، أو لم يرد عن السلف تفسيره بما يخالف ظاهره ، فالأصل أنهم أبقوه على ظاهره واعتقدوا ما يدل عليه ، ولهذا لو قال لنا قائل : هل عندكم لفظ صريح بأن السلف فسروا استوى بمنى علا ، قلنا : نعم ورد ذلك عن السلف، وعلى فرض أن لا يكون ورد عنهم صريحاً ، فإن الأصل فيما يدل عليه اللفظ في القرآن الكريم والسنة والنبوية ، أنه باق على ما تقتضيه اللغة العربية من المعنى.
    أما اللوازم الباطلة التي تلزم على تفسيرنا الاستواء بمعنى الاستيلاء ، فإننا إذا تدبرنا قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الأعراف:54)، وقلنا "استوى" بمعنى "استولى" لزم من ذلك أن يكون العرش قبل خلق السموات والأرض ليس ملكاً لله عز وجل ، لأنه قال : خلق ثم استوى ، فإذا قلت : أي " ثم استولى" لزم من ذلك أن يكون العرش ليس ملكاً لله سبحانه وتعالى قبل خلق السموات والأرض ، ولا حين خلق السموات والأرض ، وأيضاً يلزم منه أن يصح التعبير بقولنا : "إن الله استوى على الأرض، واستوى على أي شيء من مخلوقاته - نقدره أو نقوله - وهذا لا شك أنه معنى باطل لا يليق بالله عز وجل ، فتبين بهذا أن تفسير الاستواء بالاستيلاء فيه محظوران:
    أحدهما : تحريف الكلم عن مواضعه .
    والثاني : أن يتصف الله عز وجل بما لا يليق به.


    الواجب تجاه كل نوع من أنواع التوحيد

    السؤال (10): فضيلة الشيخ ، ما هو الواجب علينا نحو كل نوع منها على حدة؟
    الجواب: الواجب علينا أن نعتقد ما يتضمنه كل نوع ، وأن نوحد الله عز وجل بما يقتضيه هذا النوع من المعاني .

    خطر عبادة غير الله

    السؤال (11) : فضيلة الشيخ ، ما حكم صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله سبحانه؟
    الجواب : هذه ربما يفهم الجواب مما سبق آنفاً حيث قلنا :إن توحيد العبادة إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة ، بأن لا يتعبد أحد لغير الله تعالى بشيء من أنواع العبادة ، ومن المعلوم أن الذبح قربة يتقرب به الإنسان إلى ربه ، لأن الله تعالى أمر به في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2)، وكل قربة فهي عبادة ، فإذا ذبح الإنسان شيئاً لغير الله تعظيماً له ، وتذللاً ، وتقرباً إليه كما يتقرب بذلك ويعظم ربه عز وجل ، كان مشركاً بالله سبحانه وتعالى ، وإذا كان مشركاً فإن الله تعالى قد بين أن المشرك حرم الله عليه الجنة وأن مأواه النار.
    وبناء على ذلك نقول : إن ما يفعله بعض الناس من الذبح للقبور - قبور الذين يزعمونهم أولياء - شرك مخرج عن الملة ، ونصيحتنا لهؤلاء : أن يتوبوا إلى الله عز وعجل مما صنعوا ، وإذا تابوا إلى الله ، وجعلوا الذبح لله وحده ، كما يجعلون الصلاة لله وحده ، والصيام لله وحده ، فإنهم يغفر لهم ما قد سبق ، كما قال الله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال:38)، بل إن الله سبحانه وتعالى يعطيهم فوق ذلك ، فيبدل الله سيئاتهم حسنات، كما قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:68-70). فنصيحتي لهؤلاء الذين يتقربون إلى أصحاب القبور بالذبح لهم ، أن يتوبوا إلى الله تعالى من ذلك ، وأن يرجعوا إليه ، وأن يبشروا إذا تابوا بالتوبة من الكريم المنان ، فإن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة التائبين .

    معنى الشهادتين

    السؤال (12) : فضيلة الشيخ ، ما معنى الشهادتين ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؟
    الجواب : الشهادتان : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، هما مفتاح الإسلام ، ولا يمكن الولوج إلى الإسلام إلا بهما ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يكون أول ما يدعوهم إليه : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله(4).
    فإما الكلمة الأولى : وهي شهادة أن لا إله إلا الله ، فأن يعترف الإنسان بلسانه وقلبه ، بأنه لا معبود إلا الله عز وجل ، لأن إله بمعنى مألوه ، والتأله : التعبد والمعنى : أنه لا معبود إلا الله تعالى وحده.
    وهذا الجملة تشتمل على نفي وإثبات ، فأما النفي ففي قوله "لا إله"، وأما الإثبات ففي قوله :"لا إله ، و"الله" بدل من الخبر المحذوف خبر "لا" لأن التقدير : "لا إله حق إلا الله". فهو إقرار باللسان بعد أن آمن به القلب بأنه لا معبود حق إلا الله عز وجل ، وهذا يتضمن إخلاص العبادة لله وحده ، ونفي العبادة عما سواه ، وبتقديرنا الخبر بهذه الكلمة "حق"، يتبين الجواب عن الإشكال الذي (يورده) كثير من الناس وهو كيف تقولون : "لا إله إلا الله" مع أن هناك آلهة تعبد من دون الله . سماها الله آلهة ، وسماها عابدوها آلهة . فقال الله تبارك وتعالى : ( فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ )(هود:101)، وقال تعالى : ( وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ)(الاسراء: 39)، وقال تعالى : (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ)(القصص: 88)، فكيف يمكن أن نقول "لا إله إلا الله"، مع ثبوت الألوهية لغير الله عز وجل ، وكيف يمكن أن نثبت الألوهية لغير الله والرسل يقولون لأقوامهم : ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ )(الأعراف: من الآية59).
    والجواب على هذا الإشكال : يتبين بتقدير الخبر في " لا إله إلا الله" فنقول : هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي آلهة ، لكنها آلهة باطلة ، ليست آلهة حقة ، وليس لها من حق الألوهية شيء ، ويدل لذلك قوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (لقمان:30)، ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) (19) (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) (20) (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى) (21) (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى) (22) (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ )(النجم: 19-23)، وقوله تعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام : (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) (يوسف:40) ، إذن فمعنى لا إله إلا الله أي لا معبود حق إلا الله عز وجل ، فأما المعبودات سواه ، من الرسول ، أو الملائكة ، أو الأولياء ، أو الأحجار ، أو الأشجار ، أو الشمس ، أو القمر ، أو غير ذلك فإن ألوهيتها التي يزعمها عابدوها ليست حقيقة ، أي ألوهية باطلة . بل الألوهية الحق هي ألوهية الله عز وجل .


    معنى شهادة أن محمداً رسول الله

    السؤال (13): فضيلة الشيخ ، هذا معنى شهادة لا إله إلا الله ، فما معنى شهادة أن محمداً رسول الله ؟
    الجواب : أما معنى شهادة أن محمداً رسول الله ، فهو الإقرار باللسان ، والإيمان بالقلب ، بأن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي رسول الله عز وجل إلى جميع الخلق ، من الجن والإنس ، كما قال الله تعالى : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (لأعراف:158) وقال تعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان:1)، ومقتضى هذه الشهادة: أن تصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر ، وأن تمتثل أمره فيما أمر ، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر ، وألا تعبد الله إلا بما شرع ، ومقتضى هذه الشهادة أيضاً : ألا تعتقد أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حقا من الربوبية وتصريف الكون ، أو حقا في العبادة، بل هو صلى الله عليه وسلم عبد لا يعبد ، ورسول لا يكذب ، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً من النفع والضر إلا ما شاء الله ، كما قال الله تعالى : (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (الأنعام:50).
    فهو عبد مأمور يتبع ما أمر به ، وقال الله تعالى (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (21) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (الجـن:21،22)، وقال الله تعالى : (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:188)، فهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله، وبهذا المعنى نعلم أنه لا يستحق العبادة لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من دونه من المخلوقين ، وأن العبادة ليست إلا لله تعالى وحده ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حقه أن ننزله المنزلة التي أنزله الله تعالى ، وهو أنه عبد الله ورسوله .


    الفرق بين الاعتراف باللسان والقلب

    السؤال (14) : فضيلة الشيخ ، لكن ما الفرق بين الاعتراف باللسان والقلب ، وهل يلزم الجمع بينهما ؟
    الجواب : نعم ، الفرق بين الاعتراف بالقلب واللسان ظاهر ، فإن من الناس من يعترف بلسانه دون قلبه كالمنافقين ، فالمنافقون يقول الله عنهم : (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) (المنافقون:1)، لكن قال الله تعالى : ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)(المنافقون: 1)، هؤلاء اعترفوا بألسنتهم دون قلوبهم ، وقد يعترف الإنسان بقلبه، لكن لا ينطق به ، وهذا الاعتراف لا ينفعه بالنسبة لنا ظاهراً ، أما فيما بينه وبين الله فالعلم عند الله ، أو فحكمه إلى الله ، لكنه في الدنيا لا ينفعه ، ولا يحكم بإسلامه مادام لا ينطق بلسانه ، اللهم إلا أن يكون عاجزاً عن ذلك ، عجزاً حسيا أو حكميا ، فقد يعامل بما تقتضيه حاله ، فلابد من الاعتراف بالقلب واللسان .


    شبهة وجوابها

    السؤال (15): فضيلة الشيخ ، الذي جرنا إلى هذا السؤال أن هناك فريقاً من الناس الآن إذا دعي أحدهم إلى العبادة قال : إن الله رب قلوب ، وهذا أيضاً الذي نريد التعليق عليه؟
    الجواب : نعم نحن نقول : إن الله رب القلوب والألسن وليس رب القلوب فقط ، والقلوب لو صلحت لصلحت الجوارح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب"(5)، وهذا الحديث يبطل كل دعوى يدعيها بعض الناس ، إذا نصحته في أمر من الأمور مما عصى الله به قال لك : "التقوى هاهنا"(6)ويشير إلى صدره ، وهي كلمة حق أريد بها باطل ، والكلمة قد تكون حقا في مدلولها العام ، لكن يريد بها القائل أو المتكلم معنى باطلاً ، ألا ترى إلى قول الله تعالى : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ )(الأنعام: 148)، فهم قالوا : لو شاء الله ما أشركنا، وصدقوا فيما قالوه ، فلو شاء الله ما أشركوا ولكنهم لا يريدون بهذه الكلمة حقا ، بل يريدون بها تبرير بقائهم على شركهم ، ورفع العقوبة عنهم ، ولهذا قال الله تعالى : ( كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا )(الأنعام: 148)، فلم ينفعهم الاحتجاج بالقدر حين أردوا به الاستمرار على شركهم ، ورفع اللوم عنهم والعقوبة أما الواقع فإنه كما قالوا : "لو شاء الله ما أشركوا" كما قال الله تعالى لنبيه : (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (106) (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) (الأنعام: 106-107) لكن هناك فرق بين الحالين ، فالله قال لنبيه: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) ليبين أن شركهم واقع بمشيئته ، وأن له حكمة - سبحانه وتعالى - في وقوع الشرك منهم ، وليسلي نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هذا الأمر الواقع منهم بمشيئته تبارك وتعالى .
    فالمهم أن هذا الذي قال حينما نصحته : " التقوى هاهنا"قال كلمة حق لكنه أراد بها باطلاً ، فالذي قال : " التقوى هاهنا" هو النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن الذي قال "التقوى هاهنا" هو الذي قال : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله" ، فإذا كان في القلب تقوى ، لزم إن يكون في الجوارح تقوى . والعمل الظاهر عنوان على العمل الباطن .


    مفهوم الإيمان

    السؤال(16): فضيلة الشيخ، ما هو مفهوم الإيمان وأركانه بصورة مختصرة؟
    الجواب : الإيمان له مفهومان : مفهوم لغوي ، وهو الإقرار بالشيء والتصديق به ، ومفهوم شرعي ، وهو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان ، فلا يكفي في الشرع أن يقر الإنسان بما يجب الإيمان به حتى يكون قابلاً ومذعناً ، فمثلاً : لو أقر الإنسان بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعرف أنه رسول الله ، لكن لم يقبل ما جاء به ، ولم يذعن لأمره ، فإنه ليس بمؤمن . ولهذا يوجد من المشركين من اعترفوا ، وأقروا للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة ، لكنهم لم ينقادوا له ولم يذعنوا ، بل بقوا على دين قومهم ، فلم ينفعهم هذا الإقرار المجرد عن القبول والإذعان ، فالإيمان في الشرع أخص من الإيمان في اللغة ، وقد يكون الإيمان في الشرع أعم من الإيمان في اللغة ، فالصلاة مثلاً من الإيمان شرعاً ، كما قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)(البقرة: 143) أي صلاتكم إلى بيت المقدس ، لكنها في اللغة لا تسمى إيماناً ، لأنها عمل ظاهر ، والإيمان في اللغة من الأمور الباطنة.
    إذن فإذا أردنا أن نعرف الإيمان الشرعي نقول فيه : هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان ، فإن لم يكن مستلزماً لذلك فليس بإيمان شرعاً .


    علاقة هذا المفهوم بحديث جبريل عليه السلام

    السؤال (17): فضيلة الشيخ ، هل هذا المفهوم هو المفهوم الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام حينما سأله عن الإيمان؟
    الجواب : نعم لأن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله الحقيقي يستلزم القبول والإذعان، فمن قال : إنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ولكن لم يقبل ولم يذعن ، لم ينفعه هذا القول ، ولا الإيمان الذي في قلبه أيضاً ، فلابد أن يقبل ويذعن.
    السؤال (18): فضيلة الشيخ ، لكن إذا سئل الإنسان عن الإيمان هل يقول هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان ، أو يقول : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم؟
    الجواب : نحن نقول إنها القبول والإذعان ، وإذا قلنا بهذا وأراد السائل أن نفصل نقول : تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ثم إن تفصيل الإيمان الذي أشرنا إليه يشمل الدين كله.


    مفهوم الإيمان وأركانه

    السؤال (19): فضيلة الشيخ ، نريد أن نتوسع في مفهوم الإيمان ، وكذلك نريد أن نعرف أركان الإيمان ؟
    الجواب : كنا تكلمنا عن التعريف الذي أشرنا إليه والتعريف الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل ، التعريف الذي أشرنا إليه هو تعريف عام يشمل الدين كله ، وهو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان ، وهو الذي يتكلم عليه العلماء في الأصول ، في كتب العقائد ، أما ما جاء في حديث جبريل ، فإنه مفهوم خاص للإيمان ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سأله جبريل عليه السلام عن الإسلام وبينه له ثم سأله عن الإيمان الذي هو العقيدة الباطنة .
    والإسلام هو الأعمال الظاهرة ، وإلا فلا يشك أحد أن اعتقاد الإنسان بأنه لا إله إلا الله هو من الإيمان بلا شك ، لكنه لما كان قولاً صار من الأعمال الظاهرة ، التي هي الصلاة والزكاة والصوم والحج. والأركان التي بينها الرسول عليه الصلاة والسلام ستة كما هي معلومة ، قال عليه الصلاة والسلام في جوابه لجبريل: "الإيمان أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره"(7)، ونتكلم على هذه الأركان الستة لأهميتها :
    أما الإيمان بالله : فإنه يتضمن أربعة أمور : الإيمان بوجوده ، والإيمان بربويته ، والإيمان بألوهيته ، والإيمان بأسمائه وصفاته .
    أما الإيمان بوجوده : فهو الإقرار التام بأن الله سبحانه وتعالى موجود ، ولم يفه أحد بإنكار وجود الله عز وجل إلا على سبيل المكابرة ، وإلا فإن كل عاقل لا يمكنه أن يدعي بأن هذا الكون خلق أو جاء صدفة، أو جاء من غير موجد ، لأن هذا ممتنع باتفاق العقلاء ، فالإيمان بوجوده أو بعبارة أصح وجود الله عز وجل دلت عليه جميع الأدلة ، العقلية ، والفطرية ، والحسية ، والشرعية ، هذه الأشياء الأربعة كلها دلت على وجود الله عز وجل .
    أما الدليل العقلي : فإننا نشاهد هذا الكون في وجوده ، وفيما يحدث فيه من أمور لا يمكن أن يقدر عليها أحد من المخلوقين ، وجود هذا الكون ، السموات والأرض وما فيهما، من النجوم ، والجبال ، والأنهار ، والأشجار ، والناطق ، والبهيم ، وغير ذلك ، من أين حصل هذا الوجود؟ هل حصل هذا صدفة؟ أو حصل بغير موجد؟ أو أن هذا الوجود أوجد نفسه؟ هذه ثلاثة احتمالات لا يقبل العقل شيئاً رابعاً، وكلها باطلة إلا الاحتمال الرابع ، الذي هو الحق .
    فأما كونها وجدت صدفة فهذا أمر ينكره العقل وينكره الواقع ، لأن مثل هذه المخلوقات العظيمة لا يمكنك أنت أن توجدها هكذا صدفة ، كل أثر لابد له من مؤثر وكون هذه المخلوقات العظيمة بهذا النظام البديع المتناسق ، الذي لا يتعارض ، ولا يتصادم ، لا يمكن أن يكون صدفة ، لأن الغالب فيما وقع صدفة ، أن تكون تغيراته غير منتظمة ، لأنه كله صدفة.
    وأما كون هذا الوجود أوجد نفسه ، فظاهر الاستحالة أيضاً ، لأن هذا الوجود قبل أن يوجد ليس بشيء ، بل هو عدم ، والعدم لا يمكن أن يوجد معدوماً .
    وأما كونه وجد من غير موجد فهو بمعنى قولنا إنه وجد صدفة ، وهذا كما سبق مستحيل.
    بقي أن نقول : إنه وجد بموجد وهو الله عز وجل ، كما قال الله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (35) (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (الطور:35-36)، إذا فهذا الكون دل عقلاً على وجود الله عز وجل .
    وأما دلالة الفطرة : على وجود الله فأظهر من أن تحتاج إلى دليل ، لأن الإنسان بفطرته يؤمن بربه، قال النبي عليه الصلاة والسلام : "كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"(8)، ولهذا لو وقع على أي إنسان في الدنيا شيء بغتة وهذا الشيء مهلك له ، لكان يقول بلسانه من غير أن يشعر : يا الله ، أو يا رب ، أو ما أشبه ذلك ، مما يدل على أن الغريزة الفطرية جبلت على الإيمان بوجود الله عز وجل .
    وأما دلالة الحس على وجود الله ، فما أكثر ما نسمع من إجابة الله تعالى للدعاء ، ومن إجابة الدعاء للإنسان نفسه ، كم من إنسان دعا الله وقال : يا رب ، فرأى الإجابة نصب عينه ، ففي القرآن أمثلة كثيرة من هذا مثل قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (:83) (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ )(الأنبياء: 83-84)، وفي السنة أمثلة كثيرة أيضاً ، ومنها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال : يا رسول الله هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ، فادع الله يغيثنا ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال : "اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، الله أغثنا"، وكانت السماء صحوا ليس فيها شيء من السحاب ، فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من على منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته عليه الصلاة والسلام ، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً حتى دخل رجل من الجمعة الثانية ،فقال : يا رسول الله تهدم البناء ، وغرق المال ، فادع الله أن يمسكها عنا . فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ، وجعل يقول : "اللهم حوالينا ولا علينا"(9) ويشير بيده فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت بإذن الله ، فخرج الناس يمشون في الشمس . وكم من دعاء دعا به الإنسان ربه فوجد الإجابة ، وهذا دليل حسي على وجود الله عز وجل.
    أما الدليل الشرعي : فأكثر من أن يحصر ، كل القرآن ، وكل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الحكمية والخبرية ، فإنه دال على وجود الله عز وجل ، كما قال الله تعالى في القرآن العظيم : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء:82) ، هذا أحد ما يتضمنه الإيمان بالله وهو الإيمان بوجوده .
    أما الإيمان بربويته ، وألوهيته ، وأسمائه وصفاته ، فقد سبق القول المفصل فيها ، حين تكلمنا على أنواع التوحيد الثلاثة .


    كيف نرد على الدهريين

    السؤال (20): لكن نجد الدهريين مثلاً وهم كثير الآن وهم من العقلاء ، لأنهم يفكرون وينتجون ، لكنهم يجمعون على عدم وجود الله عز وجل ، فكيف يرد على مثل هؤلاء؟
    الجواب : أولاً : أريد أن أعلق على قولك أنهم عقلاء ، فإن أردت بالعقل عقل إدراك فنعم هم عقلاء يدركون ويفهمون ، وإن أردت بذلك عقل الرشد ، فليسوا بعقلاء ، ولهذا وصف الله الكفار بأهم صم بكم عمي فهم لا يعلقون ، لكنهم عقلاء عقل إدراك ، تقوم به الحجة عليهم ، وهم إذا قالوا ذلك ، فإنما يقولون هذا مكابرة في الواقع ، وإلا فهم يعلمون أن الباب المنصوب لا يمكن أن يصنع نفسه، ولا يمكن أن ينصب نفسه ، يعرفون أن هذا الباب لابد له من نجار، أو حداد أقامه ، ولابد له من بناء ركبه ، بل يعلمون أن الطعام الذي يأكلونه ، والماء الذي يشربونه ، لابد له من مستخرج ، ولابد له من زارع ، وهم يعلمون أيضاً أنه ليس بإمكان أي أحد من الناس أن يكون هذا الزرع ، أو ينبت هذه الحبة ، حتى تكون زرعاً له ساق وثمر .
    فهم يعلمون ذلك ، ويعلمون أن هذا ليس مما يقدر عليه البشر ، ولكنهم يكابرون ، والمكابر لا فائدة من محاجته ، ولا يمكن أن يقبل أبداً مهما كان ، لو تقول له : هذه الشمس وهي أمامه ما قبل ، فمثل هؤلاء تكون المجادلة معهم مضيعة وقت ، وتكون دعوتهم كما قال بعض أهل العلم بالمجالدة لا بالمجادلة.


    الإيمان وأركانه

    السؤال (21): فضيلة الشيخ ، بقي معنا أن نحدد أركان الإيمان ؟
    الجواب : الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤمن بالله ، وملائكته ،" تكلمنا عن الإيمان بالله ، أما الإيمان بالملائكة وهم عالم الغيب خلقهم الله عز وجل من نور ، وجعلهم طوع أمره (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (الأنبياء:20) ، ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(التحريم:6)، وهم على أصناف متعددة ، في أعمالهم ، ووظائفهم ، ومراتبهم ، فجبريل عليه الصلاة والسلام موكل بالوحي ، ينزل بوحي الله تعالى على رسل الله ، كما قال الله تعالى : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (193) (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (194) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء:193-195)، وقال تعالى : (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ )(النحل: من الآية102)، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلق عليها مرتين ، رآه مرة على صورته له ستمائة جناح قد سد الأفق(10). وميكائيل أحد الملائكة العظام ، وقد وكله الله عز وجل بالقطر والنبات ، القطر : المطر ، والنبات : نبات الأرض من المطر . وإسرافيل من الملائكة العظام ، وقد وكله الله عز وجل بالنفخ في الصور ، وهو أيضاً أحد حملة العرش العظيم ، وهؤلاء الثلاثة كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهم في استفتاح صلاة الليل ، يقول صلى الله عليه وسلم في استفتاح صلاة الليل: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم(11).
    وذكر هؤلاء الثلاثة لأن كل واحد منهم موكل بما يتضمن الحياة ، والبعث من النوم يعتبر حياة ، فهؤلاء الثلاثة هم أفضل الملائكة فيما نعلم ، ومنهم ملك الموت الموكل بقبض أرواح الأحياء ، ومنهم ملكان موكلان بالإنسان يحفظان أعماله ، عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ومنهم ملائكة موكلون بتتبع حلق الذكر ، ومن أراد المزيد من ذلك فليراجع ما كتبه أهل العلم في هذا.


    الإيمان بالملائكة

    السؤال (22): فضيلة الشيخ ، هل بقي شيء يتعلق بالإيمان بالملائكة تريدون أن تتحدثوا عنه أم ننتقل إلى بقية الأركان؟
    الجواب : بقي من الركن الثاني وهو الإيمان بالملائكة أن الإيمان بالملائكة عليهم الصلاة والسلام يكون إجمالاً ويكون تفصيلاً ، فما علمناه بعينه وجب علينا أن نؤمن به بعينه ونفصل ، نقول : نؤمن بالله ، نؤمن بجبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت ، ومالك خازن النار ، وما أشبه ذلك. وما لم نعلمه بعينه فإننا نؤمن به إجمالاً ، فنؤمن بالملائكة على سبيل العموم ، والملائكة عدد كبير لا يحصيهم إلا الله عز وجل ، قال النبي عليه الصلاة والسلام "البيت المعمور الذي في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم"(12) ، وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه : " ما من موضع أربع أصابع في السماء إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد"(13) ، ولكننا لا نعلم أعيانهم ووظائفهم وأعمالهم إلا ما جاء به الشرع ، فما جاء به الشرع على وجه التفصيل ، من أحوالهم وأعمالهم ووظائفهم ، وجب علينا أن نؤمن به على سبيل التفصيل ، وما لم يأت على سبيل التفصيل ، فإننا نؤمن به إجمالاً .
    وهؤلاء الملائكة الذين لهم من القدرة والقوة ما ليس للبشر من آيات الله عز وجل ، فيكون في الإيمان بهم إيمان بالله سبحانه وتعالى وبقدرته العظيمة ، وعلينا أن نحب هؤلاء الملائكة ، لأنهم مؤمنون ، ولأنهم قائمون بأمر الله عز وجل ، ومن كان عدوا لأحد منهم ، فإنه كافر ، كما قال الله تعالى (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة:98) ، وقال تعالى : (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) (البقرة:97)، فالمهم أن هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام علينا أن نحبهم ، لأنهم عباد لله تعالى ، قائمون بأمره ، وأن لا نعادي أحداً منهم .


    الإيمان بالكتب

    السؤال (23): فضيلة الشيخ ، بقي الركن الثالث من أركان الإيمان ؟
    الجواب : الركن الثالث هو الإيمان بكتب الله عز وجل ، كتب الله التي أنزلها على رسله عليهم الصلاة والسلام ، فإن ظاهر القرآن يدل على أنه ما من رسول إلا وأنزل الله معه كتاباً ، كما قال تعالى : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد:25)، وقال تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ )(البقرة: 213) .
    وهذه الكتب طريق الإيمان بها أن نؤمن بها إجمالاً ، وما علمناه بعينه نؤمن به بعينه ، فالتوارة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى والقرآن الكريم ، هذه معلومة لنا بعينها، فنؤمن بها بعينها وما عدا ذلك نؤمن به إجمالاً ، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، ولكن كيف نؤمن بهذه الكتب ؟ نقول : ما صح نقله منها إلينا من الأخبار وجب علينا تصديقه بكل حال ، لأنه من عند الله ، وأما أحكامه ، أي ما تضمنته هذه الكتب من الأحكام ، فلا يلزمنا العمل إلا بما جاء في القرآن الكريم ، وأما ما نقل إلينا منها ولم نعلم صحته ، فإننا نتوقف فيه حتى يتبين لنا صحته ، لأن هذه الكتب دخلها التحريف ، والتبديل ، والتغير والزيادة والنقص .


    الإيمان بالرسل

    السؤال (24) : فضيلة الشيخ ، هذا بالنسبة للركن الثالث ، فما قولكم في الركن الرابع الذي هو الإيمان بالرسل ؟
    الجواب : الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام يكون بأن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى البشر رسلاً منهم ، يتلون عليهم آيات الله ويزكونهم ، وأن هؤلاء الرسل أولهم نوح عليه الصلاة والسلام ، وأخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، وأما قبل نوح فلم يبعث رسول ، وبهذا نعلم خطأ المؤرخين الذين قالوا : إن إدريس عليه الصلاة والسلام كان قبل نوح ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)(النساء: 163)، وفي الحديث الصحيح في قصة الشفاعة : أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له : أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض(14)، فلا رسول قبل نوح ، ولا رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، لقول الله تعالى : (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)(الأحزاب: 40).
    فأما نزول عيسى ابن مريم في آخر الزمان فإنه لا ينزل على أنه رسول مجدد ، بل ينزل على أنه حاكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن الواجب على عيسى وعلى غيره من الأنبياء الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، كما قال الله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران:81). وهذا الرسول المصدق لما معهم هو محمد صلى الله عليه وسلم ، كما صح ذلك عن ابن عباس وغيره ، فالمهم أن نؤمن بالرسل على هذا الوجه ، بأن أولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، وكيفية الإيمان بهم :أن ما جاء من أخبارهم وصح عنهم نؤمن به ونصدق ، لأنه من عند الله عز وجل ، وأما الأحكام فلا يلزمنا أتباع شيء منها ، إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وما اقتضته شريعته.
    أما بالنسبة لأعيان هؤلاء الرسل ، فمن سماه الله لنا ، أو سماه رسوله صلى الله عليه وسلم ، وجب علينا الإيمان به بعينه ، وما لم يسم فإننا نؤمن به على سبيل الإجمال ، كما قلنا ذلك في الكتب وفي الملائكة.


    الإيمان باليوم الآخر

    السؤال (25): فضيلة الشيخ ، كيف يكون الإيمان بالركن الخامس وهو اليوم الآخر؟
    الجواب : الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بقيام الساعة ، وسمي يوماً آخر ، لأنه ليس بعده يوم ، فإن الإنسان كان عدماً ، ثم وجد في بطن أمه ، ثم وجد في الدنيا ، ثم ينتقل إلى البرزخ، ثم يوم القيامة ، فهذه أحوال خمس للإنسان ، (هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) (الإنسان:1)، هذه الحال الأولى أنه ليس شيئاً مذكوراً ، ثم وجد في بطن أمه ،ثم خرج(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئا)(النحل: 78)، ثم يكدح في هذه الدنيا ويعمل ، ثم ينتقل إلى الآخرة في برزخ بين الدنيا وقيام الساعة ، فالإيمان باليوم الآخر يدخل فيه- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية - الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت ، فيؤمن الإنسان بفتنة القبر ، ونعيم القبر وعذابه، ويؤمن بقيام الساعة ، بالنفخ في الصور ، بالحساب ، بالميزان ، بالحوض المورود ، بكل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إما في كتاب الله ، أو في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ، مما يكون بعد الموت.
    ويحسن أن نتكلم عن فتنة القبر ، وهي أن الميت إذا دفن أتاه ملكان فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه ، فأما المؤمن فيثبته الله تعالى بالقول الثابت ، فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبي محمد ، وأما غير المؤمن فإنه يقول : هاه هاه، لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى يوم القيامة ، فمن كان من غير المسلمين ، فهو في عذاب إلى يوم القيامة ، ومن كان من عصاة المؤمنين ، فإنه قد يعذب في قبره لمدة يعلمها الله عز وجل ، ثم يرفع عنه العذاب ، وهذا العذاب أو النعيم يكون في الأصل على الروح ، ولكن قد يتألم البدن به ، كما أن العذاب في الدنيا يكون على البدن ، وقد تتألم النفس فيه ففي الدنيا مثلاً الضرب يقع على البدن ، والألم يقع على البدن ، والنفس قد تتأثر بذلك ، فتحزن وتغتم ، أما في القبر فالأمر بالعكس ، العذاب أو النعيم يكون على الروح ، لكن البدن لا شك أنه يحصل له شيء من هذا العذاب أو النعيم ، إما بالفرح بالنعيم ، وإما بالألم بالحزن بسبب العذاب.
    أما إذا قامت الساعة ، وهي القيامة الكبرى فإن الناس يقومون من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً ، حفاة : ليس عليهم ما يقي أقدامهم من نعال أو خفاف أو غيرها . عراة : ليس على أبدانهم ما يكسوها . غرلاً : أي غير مختونين ، فتعود الجلدة التي قطعت في الختان في الدنيا ، ليخرج الإنسان من قبره تاماً لا نقص فيه ، كما قال الله تعالى : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ )(الأنبياء: 104)، ثم يكون الحساب على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم النهاية إما إلى جنة وإما إلى نار ، فمن دخل الجنة فهو مخلد فيها أبد الآبدين، ومن دخل النار فإن كان من العصاة ، فإنه يخرج منها بعد أن يعذب بما يستحق، إن لم تنله الشفاعة أو رحمة الله عز وجل ، ولكنه لا يخلد فيها ، وأما الكافر فإنه يخلد فيها أبد الآبدين.


    الإيمان بالقدر

    السؤال (26): فضيلة الشيخ ، بقي الإيمان بالقدر نريد أن تحدثنا عنه أثابكم الله؟
    الجواب : الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل حين سأله عن الإيمان ، والإيمان بالقدر أمر هام جداً ، وقد تنازع الناس في القدر من زمن بعيد ، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، كان الناس يتنازعون فيه ويتمارون فيه ، وإلى يومنا هذا والناس كذلك يتنازعون فيه ، ولكن الحق فيه ولله الحمد واضح بين ، لا يحتاج إلى نزاع ومراء، فالإيمان بالقدر : أن تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى قد قدر كل شيء ، كما قال الله تعالى : ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)(الفرقان: 2)، وهذا التقدير الذي قدره الله عز وجل تابع لحكمته ، وما تقتضيه هذه الحكمة من غايات حميدة ، وعواقب نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم.
    ويدور الإيمان بالقدر على الإيمان بأمور أربعة:
    أحدها : العلم ، وذلك أن تؤمن إيماناً كاملاً بأن الله سبحانه وتعالى قد أحاط بكل شيء علماً ، أحاط بكل شيء مما مضى ، ومما هو حاضر ، ومما هو مستقبل ، سواء كان لك مما يتعلق بأفعاله عز وجل ، أو بأفعال عباده ، فهو محيط بها جملة وتفصيلا ، بعلمه الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً ، وأدلة هذه المرتبة كثيرة في القرآن والسنة ، قال الله تبارك وتعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران:5) ، وقال الله تعالى :(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام:59)، وقال تعالى :(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ) (ق:16)، وقال تعالى : ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)(البقرة: 283) ،إلى غير ذلك من الآيات الدالة على علم الله سبحانه وتعالى في كل شيء جملة وتفصيلاً.
    وهذه المرتبة من الإيمان بالقدر ، من أنكرها فهو كافر ، لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين ، وطاعن في كمال الله عز وجل ، لأن ضد العلم إما الجهل وإما النسيان ، وكلاهما عيب ، وقد قال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام حين سأله فرعون : (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) (51) (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (طـه:51-52)،فهو لا يضل ، أي لا يجهل شيئاً مستقبلاً ، ولا ينسى شيئاً ماضياً سبحانه وتعالى.
    أما المرتبة الثانية : فهي الإيمان بأن الله تعالى كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة ، فإن الله عز وجل لما خلق القلم قال له : اكتب ، قال : ربي ، وماذا أكتب؟ قال : أكتب ما هو كائن(15). فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة ، جملة وتفصيلا، فكتب الله عز وجل في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء.
    وقد دل على هذه المرتبة والتي قبلها قوله تعالى : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج:70)، فقال:( إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ )، أي : معلومة عند الله عز وجل (فِي كِتَابٍ) وهو اللوح المحفوظ (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ثم هذه الكتابة تكون أيضاً مفصلة أحياناً فإن الجنين في بكن أمه إذا مضى عليه أربعة أشهر ، يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات ، بكتب رزقه ، وأجله، وعمله ، وشقي أم سعيد ، كما ثبت ذلك في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم(16).
    ويكتب أيضاً في ليلة القدر ما يكون في تلك السنة ، كما قال الله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (3) (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (4) (أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) (الدخان:3-5) .
    أما المرتبة الثالثة : فالإيمان بأن كل ما في الكون ، فإنه بمشيئة الله ، فكل ما في الكون فهو حادث بمشيئة الله عز وجل ، سواء كان ذلك مما يفعله هو عز وجل ، أو مما يفعله الناس ، أو بعبارة أعم مما يفعله المخلوق ، قال الله تبارك وتعالى : ( وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)(إبراهيم: 27) وقال تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)(النحل: 9) ، وقال تعالى : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَة)(هود:118)، وقال تعالى : (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) (فاطر:16) ، إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على أن فعله عز وجل واقع بمشيئته وكذلك أفعال الخلق واقعة بمشيئته ، كما قال الله تعالى : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة:253) ، وهذا النص صريح بأن أفعال العبد قد شاءها الله عز وجل، ولو شاء الله أن لا يفعل لم يفعل .
    أما المرتبة الرابعة في الإيمان بالقدر، فهي الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء ، فالله عز وجل هو الخالق ، وما سواه مخلوق ، فكل شيء الله تعالى خالقه ، فالمخلوقات مخلوقة لله عز وجل ، وما يصدر منها من أفعال وأقوال ، مخلوق لله عز وجل أيضاً ، لأن أفعال الإنسان وأقواله من صفاته ، فإذا كان الإنسان مخلوقاً، كانت الصفات أيضاً مخلوقة لله عز وجل ، ويدل لذلك قوله تعالى : (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات:96)، فنص الله تعالى على خلق الإنسان ، وعلى خلق عمله ، قال (وَمَا تَعْمَلُونَ) وقد اختلف الناس في "ما" هنا : هل هي مصدرية أو موصولة؟ وعلى كل تقدير فإنها تدل على أن عمل الإنسان مخلوق لله عز وجل.
    هذه أربع مراتب لا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بها ، ونعيدها فنقول : أن تؤمن بأن الله تعالى عليم بكل شيء جملة وتفصيلاً. ثانياً: أن تؤمن بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء . ثالثاً : أن تؤمن بأن كل حادث ، فهو بمشيئة الله عز وجل . رابعاً: أن تؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء.
    ثم اعلم أن الإيمان بالقدر لا ينافي فعل الأسباب ، بل إن فعل الأسباب مما أمر به الشرع ، وهو حاصل بالقدر ، لأن الأسباب تنتج عنها مسبباتها ، ولهذا لما توجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، ذكر له في أثناء الطريق أنه قد وقع فيها الطاعون ، فاستشار الصحابة رضي الله عنهم ، هل يستمر ويمضي في سيره، أو يرجع إلى المدينة ؟ فاختلف الناس عليه ، ثم استقر رأيهم على أن يرجعوا إلى المدينة ، ولما عزم على ذلك ، جاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح ، وكان عمر رضي الله عنه يجله ويقدره ، فقال : يا أمير المؤمنين ، كيف ترجع إلى المدينة ، أفراراً من قدر الله؟ قال رضي الله عنه : نفر من قدر الله إلى قدر الله .
    وبعد ذلك جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان غائباً في حاجة له ، فحدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الطاعون : " إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه"(17) .
    الحاصل قول عمر رضي الله عنه: نفر من قدر الله إلى قدر الله ، فهذا يدل على أن اتخاذ الأسباب من قدر الله عز وجل ، ونحن نعلم أن الرجل لو قال : أنا سأؤمن بقدر الله ، وسيرزقني الله ولداً بدون زوجة ، ولو قال هذا لعد من المجانين ، كما لو قال : أنا أؤمن بقدر الله ولن أسعى في طلب الرزق ، ولم يتخذ أي سبب للرزق ، لعد ذلك من السفه.
    فالإيمان بالقدر إذن لا ينافي الأسباب الشرعية أو الحسية الصحيحة ، أما الأسباب الوهمية التي يدعي أصحابها أنها أسباب وليست كذلك ، فهذه لا عبرة بها ، ولا يلتفت إليها.
    ثم اعلم أنه يرد على الإيمان بالقدر إشكال وليس بإشكال في الواقع ، وهو أن يقول قائل: إذا كان فعلي من قدر الله عز وجل فكيف أعاقب على المعصية وهي من تقدير الله عز وجل ؟
    والجواب على ذلك أن يقال : لا حجة لك على المعصية بقدر الله ، لأن الله عز وجل لم يجبرك على هذه المعصية ، وأنت حين تقدم عليها لم يكن لديك العلم بأنها مقدرة عليك ، لأن الإنسان لا يعلم بالمقدور إلا بعد وقوع الشيء ، فلماذا لم تقدر قبل أن تفعل المعصية، أن الله قدر لك الطاعة ، فتقوم بطاعته ، وكما أنك في أمورك الدنيوية تسعى لما ترى أنه خير ، وتهرب مما ترى أنه شر، فلماذا لا تعامل نفسك هذه المعاملة في عمل الآخرة ، أنا لا أعتقد أن أحداً يقال له : إن لمكة طريقين : أحدهما : طريق مأمون ميسر ، والثاني : طريق مخوف صعب ، لا أعتقد أن أحداً يسلك الطريق المخوف الصعب ، ويقول : إن هذا قد قدر لي ، بل سوف يسلك الطريق المأمون الميسر ، ولا فرق بين هذا وبين أن يقال لك : إن للجنة طريقاً وللنار طريقاً ، فإنك إذا سلكت طريق النار ، فأنت كالذي سلك طريق مكة المخوف الوعر ، وأنت بنفسك تنتقد هذا الرجل الذي سلك الطريق المخوف الوعر ، فلماذا ترضى لنفسك أن تسلك طريق الجحيم ، وتدع طريق النعيم ، ولو كان للإنسان حجة بالقدر على فعل المعصية ، لم تنتف هذه الحجة بإرسال الرسل وقد قال الله تعالى : (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل) (النساء:165).


    زيادة الإيمان ونقصانه

    السؤال (27): فضيلة الشيخ ، هل الإيمان يزيد وينقص ؟ ونود أن نعرف بأي شيء تحصل الزيادة ، وبأي شيء يحصل النقصان؟
    الجواب : هناك كلمة بقيت في الإيمان بالقدر يسيرة، وهي أن الإيمان بالقدر له ثمرات جليلة على سير الإنسان وعلى قلبه ، لأنك إذا آمنت بأن كل شيء بقضاء الله وقدره، فإنك عند السراء تشكر الله عز وجل ، ولا تعجب بنفسك ولا ترى أن هذا الأمر حصل منك بحولك وقوتك ، ولكنك تؤمن بأن هذا سبب إذا كنت قد فعلت السبب الذي نلت به ما يسرك ، وأن الفضل كله بيد الله عز وجل ، فتزداد بذلك شكراً لنعمة الله سبحانه وتعالى ، ويحملك هذا على أن تقوم بطاعة الله على حسب ما أمرك به ، وألا ترى لنفسك فضلاً على ربك ، بل ترى المنة لله سبحانه وتعلى عليك ، قال الله تعالى : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات:17)، كما أنك إذا أصابتك الضراء فإنك تؤمن بالله عز وجل وتستسلم ، ولا تندم على ذلك ، ولا يلحقك الحسرة ، ألم تر إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان"(18).
    فالإيمان بالقدر فيه راحة النفس والقلب ، وعدم الحزن على ما فات ، وعدم الغم والهم لما يستقبل ، قال الله تعالى : (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (22) (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد22-23) ، والذي لا يؤمن بالقدر لا شك أنه سوف يتضجر عند المصائب ويندم، ويفتح له الشيطان كل باب ، وأنه سوف يفرح ويبطر ويغتر فيما إذا أصابته السراء، ولكن الإيمان بالقدر يمنع هذا كله.
    أما بالنسبة لزيادة الإيمان ونقصانه ، فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو الإقرار بالقلب ، والنطق باللسان ، والعمل بالجوارح ، فهو يتضمن هذه الأمور الثلاثة، إقرار بالقلب ، ونطق باللسان ، وعمل بالجوارح ، وإذا كان كذلك ، فإنه سوف يزيد وينقص ، وذلك لأن الإقرار بالقلب يتفاضل ، فليس الإقرار بالخبر كالإقرار بالمعاينة ، وليس الإقرار بخبر الرجل كالإقرار بخبر الرجلين ، وهكذا.
    ولهذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)(البقرة: 260)، فالإيمان يزيد من حيث الإقرار إقرار القلب وطمأنينته وسكونه، والإنسان يجد ذلك من نفسه ، فعندما يحضر مجلس ذكر ، فيه موعظة وذكر للجنة والنار ، يزداد إيماناً حتى كأنه يشاهد ذلك رأي عين ، وعندما تكون الغفلة ، ويقوم من هذا المجلس ، يخف هذا اليقين في قلبه.
    كذلك يزداد الإيمان من حيث القول ، فإن من ذكر الله عز وجل عشر مرات ، ليس كمن ذكر الله مائة مرة ، فالثاني أزيد بكثير.
    وكذلك أيضاً من أتى بالعبادة على وجه كامل ، يكون إيمانه أزيد ممن أتى بها على وجه ناقص ، وكذلك العمل ، فإن الإنسان إذا عمل عملاً بجوارحه أكثر من الآخر، صار الثاني أزيد إيماناً من الناقص ، وقد جاء ذلك في الكتاب والسنة ، أعني إثبات الزيادة والنقصان جاء في الكتاب والسنة ، قال الله تبارك وتعالى : (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً) (المدثر:31)، وقال الله تعالى : (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (124) (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة:124-125)، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"(19)، فالإيمان إذن يزيد وينقص ، لكن ما سبب زيادة الإيمان ونقصانه؟
    أما أسباب زيادة الإيمان فمنها :
    السبب الأول : معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته ، فإن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وبأسمائه وصفاته أزداد إيماناً بلا شك ، ولهذا تجد أهل العلم الذين يعلمون من أسماء الله وصفاته ما لا يعلمه غيرهم تجدهم أقوى إيماناً من الآخرين من هذا الوجه.
    السبب الثاني : النظر في آيات الله الكونية والشرعية ، فإن الإنسان كلما نظر إلى الآيات الكونية التي هي المخلوقات- السموات والأرض والإنسان والبهيمة وغير ذلك - ازداد إيماناً ، قال الله تعالى : (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) (:20) (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذريات20-21) ، والآيات الدالة على هذا كثيرة ، أعني الآيات الدالة على أن الإنسان بتدبره وتأمله في هذا الكون يزداد إيماناً .
    السبب الثالث : كثرة الطاعات ، فالإنسان كلما كثرت طاعاته ازداد بذلك إيماناً ، سواء كانت هذه الطاعات من الطاعات القولية أو الفعلية ، فالذكر يزيد الإيمان كمية وكيفية ، والصلاة والصوم والحج تزيد الإيمان أيضاً كمية وكيفية.
    أما أسباب النقصان فإنها على العكس من ذلك : فالجهل بأسماء الله وصفاته يوجب نقص الإيمان ، لأن الإنسان إذا لم يعرف أسماء الله وصفاته ينقصه العلم بهذه الأسماء والصفات التي تزيد في الإيمان.
    السبب الثاني : الإعراض عن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية ، فإن هذا يسبب نقص الإيمان ، أو على الأقل ركوده وعدم نموه.
    الثالث : فعل المعصية ، فإن للمعصية آثاراً عظيمة على القلب ، وعلى الإيمان ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"(20).
    الرابع : ترك الطاعة، فإن ترك الطاعة سبب لنقص الإيمان ، لكن إن كانت الطاعة واجبة وتركها بلا عذر ، فهو نقص يلام عليه ويعاقب ، وإن كانت الطاعة غير واجبة ، أو واجبة لكن تركها لعذر ، فإنه نقص لا يلام عليه ، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم النساء ناقصات عقل ودين ، وعلل نقصان دينها بأنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم ، مع أنها لا تلام على ترك الصلاة والصيام في حال الحيض ، بل هي مأمورة بذلك ، لكن لما فاتها الفعل الذي يقوم به الرجل ، صارت ناقصة عن الرجل من هذا الوجه.

    السؤال (28): فضيلة الشيخ ، بالنسبة لزيادة الإيمان ونقصانه هناك من يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، وأن المعصية تذهب الإيمان كله ويكفر الإنسان ، كيف يرد على هؤلاء؟
    الجواب : نرد على هؤلاء بما أشرنا إليه من قبل بالنصوص من الكتاب والسنة ، وكذلك بالواقع ، فإننا نقول لهم : أنتم الآن لو أتاكم مخبر وقال : إن فلاناً قدم البلد اليوم ، وهذا المخبر عندكم ثقة ، يكون لديكم الإيمان بأنه قدم ، فإذا جاء رجل آخر وأخبركم بذلك ، أفلا يزداد إيمانكم به؟ سيقولون : بلى يزداد إيماننا بذلك ، فإذا رأيتم هذا الرجل القادم رأي العين ، ازددتم يقيناً أكثر ، وهذا أمر لا يمتري فيه أحد ، ثم نقول : مادمنا أدخلنا الأقوال والأعمال في مسمى الإيمان ، فإن اختلاف الأقوال والأعمال بالزيادة والنقص أمر معلوم لا ينكر ، فيكون في هذا دليل واضح على أن الإيمان يزيد وينقص.


    إنكار أن الإيمان يزيد وينقص

    السؤال (29) : فضيلة الشيخ ، لكن ما حكم عدم الإقرار بزيادة الإيمان ونقصانه؟
    الجواب : هذا يرجع إلى حال المنكر ، إن كان أنكر ذلك تكذيباً وجحداً، فهو كافر لتكذيبه وجحده لما جاء به القرآن ، وإن كان تأويلاً فإن التأويل له درجات ، قد يصل إلى الكفر وقد لا يصل، فالإنسان الذي يقول : أنا لا أقول : إن الإيمان يزيد وينقص متأولاً ، فإنه على حسب تأويله.


    صفة الحكم بغير ما أنزل الله

    السؤال (30) : فضيلة الشيخ ، ما هي صفة الحكم بغير ما أنزل الله؟
    الجواب : الحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين :
    القسم الأول : أن يبطل حكم الله ليحل محله حكم آخر طاغوتي ، بحيث يلغي الحكم بالشريعة بين الناس ، ويجعل بدله حكم آخر من وضع البشر، كالذين ينحون الأحكام الشرعية في المعاملة بين الناس ، ويحلون محلها القوانين الوضعية ، فهذا لا شك أنه استبدال بشريعة الله سبحانه وتعالى غيرها ، وهو كفر مخرج عن الملة، لأن هذا جعل نفسه بمنزلة الخالق ، حيث شرع لعباد الله ما لم يأذن به الله ، بل ما خالف حكم الله عز وجل ، وجعله هو الحكم الفاصل بين الخلق ، وقد سمى الله تعالى ذلك شركاً في قوله تعالى : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ )(الشورى: 21) .
    القسم الثاني : أن تبقى أحكام الله عز جل على ما هي عليه ، وتكون السلطة لها ، ويكون الحكم منوطاً بها ، ولكن يأتي حاكم من الحكام فيحكم بغير ما تقتضيه هذه الأحكام ، يحكم بغير ما أنزل الله ، فهذا له ثلاث حالات:
    الحال الأولى : أن يحكم بما يخالف شريعة الله معتقداً أن ذلك أفضل من حكم الله وأنفع لعباد الله ، أو معتقداً أنه مماثل لحكم الله عز وجل ، أو يعتقد أنه يجوز له الحكم بغير ما أنزل الله ، فهذا كفر ، يخرج به الحاكم من الملة، لأنه لم يرض بحكم الله عز وجل ، ولم يجعل الله حكماً بين عباده.
    الحال الثانية: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن حكم الله تعالى هو الأفضل والأنفع لعباده ، لكنه خرج عنه ، وهو يشعر بأنه عاص لله عز وجل إنما يريد الجور والظلم للمحكوم عليه ، لما بينه وبينه من عداوة ، فهو يحكم بغير ما أنزل الله لا كراهة لحكم الله ولا استبدلاً به ، ولا اعتقاداً بأنه - أي الحكم الذي حكم به - أفضل من حكم الله أو مساو له ، أو أنه يجوز الحكم به ، لكن من أجل الإضرار بالمحكوم عليه حكم بغير ما أنزل الله ، ففي هذه الحال لا نقول : إن هذا الحاكم كافر ، بل نقول : إنه ظالم معتد جائر.
    الحال الثالثة : أن يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله تعالى هو الأفضل والأنفع لعباد الله ، وأنه بحكمه هذا عاص لله عز وجل ، لكنه حكم لهوى في نفسه ، لمصلحة تعود له أو للمحكوم له ، فهذا فسق وخروج عن طاعة الله عز وجل ، وعلى هذه الأحوال الثلاث يتنزل قول الله تعالى في ثلاث آيات ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(المائدة:44) وهذا ينزل على الحال الأولى ، ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(المائدة: 45) ينزل على الحال الثانية، ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(المائدة: 47) ينزل على الحال الثالثة.
    وهذه المسألة من أخطر ما يكون في عصرنا هذا ، فإن من الناس من أولع وأعجب بأنظمة غير المسلمين ، حتى شغف بها ، وربما قدمها على حكم الله ورسوله ، ولم يعلم أن حكم الله ورسوله ماض إلى يوم القيامة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الخلق عامة إلى يوم القيامة، والذي بعثه سبحانه وتعالى عالم بأحوال العباد إلى يوم القيامة ، فلا يمكن أن يشرع لعباده إلا ما هو نافع لهم في أمور دينهم ودنياهم إلى يوم القيامة ، فمن زعم أو توهم أن غير حكم الله تعالى في عصرنا أنفع لعباد الله من الأحكام التي ظهر شرعها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد ضل ضلالاً مبيناً ، فعليه أن يتوب إلى الله وأن يرجع إلى رشده ، وأن يفكر في أمره .


    الفرق بين الظالم والفاسق

    السؤال (31) : فضيلة الشيخ ، ذكرتم في الظالم والفاسق أشياء متقاربة أو يمكن أن تكون متداخلة ، وهي أن الظالم يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم أن حكم الله أفضل لكنه يريد أن يتشفى من أحد فيطبق حكماً على شخص ما جاء عن الله ، والفاسق يحكم وهو يعلم بحكم الله ، ويعلم أنه هو الحكم السديد ، لكنه لمصلحته أو هوى في نفسه، أو ليوافق هوى لغيره يحكم بغير ما أنزل الله ، فما الفرق بينهما؟
    الجواب : الفرق بينهما أن الذي نصفه بأنه ظالم حكم لطلب العدوان على المحكوم عليه ، وإن لم يكن له فيه مصلحة ، ولم ينظر إطلاقاً إلى مصلحة المحكوم له ، لكن أهم شيء عنده هو الجور والظلم بالنسبة لهذا المحكوم عليه ،أما الآخر فهو نظر لمصلحة المحكوم له ، ولم يكن يشعر في نفسه أن يظلم ذلك الرجل المحكوم عليه ، ولهذا لا يفرق في المحكوم عليه بأن يكون فلاناً أو فلاناً ، لأنه إنما يريد مصلحة المحكوم له، أو يريد أن يجر إلى نفسه هو منفعة أو ما أشبه ذلك ، فهذا هو الفرق بينهما.


    حقيقة الكهانة

    السؤال (32): فضيلة الشيخ ، ما هي الكهانة؟
    الجواب : الكهانة فعالة مأخوذة من الكهن ، وهو التخرص والتماس الحقيقة بأمور لا أساس لها ، وكانت في الجاهلية صنعة لأقوام تتصل بهم الشياطين وتسترق السمع من السماء ، وتحدثهم به . ثم يأخذون الكلمة التي سمعوها بل الكلمة التي نقلت إليهم من السماء بواسطة هؤلاء الشياطين ، ويضيفون إليها ما يضيفون من القول ، ثم يحدثون بها الناس ، فإذا وقع الشيء مطابقاً لما قالوا ، اغتر بهم الناس ، واتخذوهم مرجعاً في الحكم بينهم ، وفي استنتاج ما يكون في المستقبل.
    ولهذا نقول : الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل ، والذي يأتي إلى الكاهن ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
    القسم الأول : أن يأتي إلى الكاهن فيسأله من غير أن يصدقه ، فهذا محرم ، وعقوبة فاعله ألا تقبل له صلاة أربعين يوماً ، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى عرافا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً أو أربعين ليلة"(21) .
    القسم : الثاني : أن يأتي إلى الكاهن فيسأله ويصدقه بما أخبر به ، فهذا كفر بالله عز وجل ، لأنه صدقة في دعوى علم الغيب ، وتصديق البشر في دعوى علم الغيب تكذيب لقول الله تعالى : (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل:65)، وتكذيب خبر الله ورسوله كفر ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح : " من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"(22).
    القسم الثالث : أن يأتي للكاهن فيسأله ، ليبين حاله للناس وأن ما يفعله كهانة وتمويه وتضليل ، فهذا لا بأس به ، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بابن صياد أو أتاه ابن صياد فأضمر له النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في نفسه ، فسأله - أي النبي صلى الله عليه وسلم - ماذا خبأ له ، فقال : الدخ ، يريد الدخان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اخسا ، فلن تعدو قدرك" (23) .
    هذه أحوال من يأتي إلى الكهان ، وهي ثلاثة ، أن يأتي فيسأله بدون أن يصدقه ، وبدون أن، يقصد امتحانه وبيان حاله ، فهذا محرم ، وعقوبة فاعله ألا تقبل له صلاة أربعين ليلة. الثانية : أن يسأله فيصدقه ، وهذا كفر بالله عز وجل ، يجب على الإنسان أن يتوب منه ، ويرجع إلى الله عز وجل ، وإلا مات على الكفر ، والحالة الثالثة : أن يأتيه فيسأله ليمتحنه ، ويبين حاله للناس ، فهذا لا بأس به.


    حكم مرتادي الكهان

    السؤال (33) : فضيلة الشيخ ، حبذا أيضاً لو عرفنا أحوال الناس الذين يرتادون الكهنة والكهان ؟
    الجواب : أحوالهم ثلاثة :
    الحال الأولى : أن يأتي إلى الكاهن فيسأله بدون أن يصدقه ، ولا يقصد بذلك بيان حاله فهذا آثم ، وعقوبته ألا تقبل له صلاة أربعين يوماً.
    الحال الثانية : أن يأتيه فيسأله ويصدقه وهذا كافر ، لأن مكذب لقول الله تعالى : (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)(النمل:65).
    الحال الثالثة : أن يأتي إليه فيسأله ليمتحنه ، ويبين حاله للناس ودجله وافتراءه ، وقلنا : إن هذا لا بأس به ، ومن المعلوم أن الشيء الذي يكون مباحاً إذا أفضى إلى محظور فإنه يكون محظوراً ، فلو قدر أنه في هذه الحال الثالثة التي أتى إليه فيها ليمتحنه ويبين حاله أن يغتر به من يغتر من الناس ، فإنه في هذه الحال لا يفعل ولا يأتي إليه ولو لهذا القصد الصحيح ، لأن القاعدة أن ما أفضى إلى محظور فهو محظور.
    الموضوع الأصلي: %%مجـــــــــــــــــموع الفتاوى%% || الكاتب: ابو ضاري || المصدر: مضايف شمر

    كلمات البحث

    اسلام ، حوار ،شعر ، كمبيوتر ،تصاميم ، رياضة، معرض صور






    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي





  2. #2
    مراقب المضايف الاسلامية الصورة الرمزية ابو ضاري


    تاريخ التسجيل
    03 2007
    الدولة
    الجبي
    العمر
    38
    الاقامة:
    الجبي
    الجنس:
    ذكر
    المشاركات
    15,734
    مقالات المدونة
    1
    Thanks
    785
    شُكِر 518 في 160مشاركة

    معرض الأوسمه



    التنجيم وحكمه

    السؤال (34) : فضيلة الشيخ ، نريد أن نعرف التنجيم وحكمه؟
    الجواب : التنجيم مأخوذ من النجم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية ، بمعنى أن يربط المنجم ما يقع في الأرض أو ما سيقع في الأرض بالنجوم ، بحركتها وطلوعها وغروبها واقترانها وافتراقها وما أشبه ذلك ، والتنجيم نوع من السحر وهو محرم ، لأنه مبني على أوهام لا حقيقة لها ، فلا علاقة لما يحدث بالأرض بما يحدث في السماء ، ولهذا لما كان من عقيدة أهل الجاهلية أن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت أحد ، أي لموت عظيم ، فكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم رضي الله عنه ، فقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم ، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس حين صلى للكسوف ، وقال : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته"(24) ، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ارتباط الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، وهو كذلك ، وكما أنه - أي التنجيم - بهذا المعنى نوع من السحر ، فهو أيضاً سبب للأوهام والانفعالات النفسية التي ليس لها حقيقة ولا أصل ، فيوقع الإنسان في أوهام وتشاؤمات ومتاهات لا نهاية لها.
    هناك نوع آخر من التنجيم : وهو أن الإنسان يستدل بطلوع النجوم على الأوقات والأزمنة والفصول ، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه ، مثل أن يقول : إنه إذا دخل النجم الفلاني فإنه يكون قد دخل موسوم الأمطار، أو قد دخل وقت نضوج الثمار ، أو ما أشبه ذلك ، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه.

    السؤال (35) : فضيلة الشيخ يعني أن هذا يكون من باب استقراء السنن الكونية؟
    الجواب : نعم هذا كما نقول إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر ، وإذا غربت دخل وقت المغرب ، وما أشبه ذلك .


    علاقة التنجيم بالكهانة

    السؤال (36): فضيلة الشيخ ، لكن هل هناك علاقة بين التنجيم والكهانة؟
    الجواب : نعم ، العلاقة بينهما هي أن الكل مبني على الوهم والدجل ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وإدخال الهموم والغموم عليهم، وما أشبه ذلك.


    أيهما أخطر؟

    السؤال (37): فضيلة الشيخ ، لكن أيهما أخطر على المسلمين؟
    الجواب : هذا ينبني على شيوع هذا الأمر بين الناس، فقد يكون في بعض البلاد لا أثر للتنجيم عندهم إطلاقاً ، ولا يهتمون به ، ولا يصدقون به ، ولكن الكهانة منتشرة عندهم فتكون أخطر.
    وقد يكون الأمر بالعكس ، لكن من حيث واقع الكهانة والتنجيم فإن الكهانة أخطر وأعظم.


    حقيقة السحر

    السؤال (38): فضيلة الشيخ ، ذكرتم في حديثكم عن التنجيم أنه نوع من السحر فما هو السحر؟
    الجواب : السحر كما قال العلماء : هو عبارة عن كل ما لطف وخفي سببه ، بحيث يكون له تأثير خفي لا يطلع عليه الناس ، وهو بهذا المعنى يشمل التنجيم والكهانة ، بل إنه يشمل التأثير بالبيان والفصاحة ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : "إن من البيان لسحرا"(25)، فكل شيء يكون له أثر لكنه ليس شيئاً معلوماً - أي ذلك المؤثر فإنه نوع من السحر.
    السؤال (39): فضيلة الشيخ ، لكن ما المقصود باللطافة في قولكم: السحر كل ما لطف وخفي سببه؟
    الجواب : اللطافة معناها الشيء الخفي اللطيف ، وضده الشيء الجليل الكبير البين فمثلاً هذا الساحر يعمل عملاً يستجلب ود المسحور ، حتى يتعلق بع تعلقاً عظيماً، أو يستجلب نفرته منه ، حتى يبغضه بغضاً عظيماً . مع أن هذا الذي سحر وحصلت له المحبة العظيمة أو النفرة العظمة لا يعرف هذا الشيء ويخفي عليه سببه.


    حكم السحر وتعلمه

    السؤال (40): فضيلة الشيخ ، ما حكم السحر وما حكم تعلمه؟
    الجواب : تعلم السحر محرم ، بل هو كفر إذا كانت وسيلته الاستعانة بالشياطين، قال الله تبارك وتعالى : (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) (البقرة:102)، فتعلم هذا النوع من السحر، وهو الذي يكون بواسطة الاستعانة بالشياطين كفر ، واستعماله أيضاً كفر وظلم وعدوان على الخلق ، ولهذا يقتل الساحر ، إما ردة، وإما حداً ، فإن كان سحره على وجه يكفر به ، فإنه يقتل قتل ردة وكفر، وإن كان سحره لا يصل إلى درجة الكفر فإنه يقتل حداً ، دفعاً لشره وأذاه عن المسلمين.


    هل السحر حقيقة؟

    السؤال (41): فضيلة الشيخ ، هل السحر حقيقة أم أنه تخيل أو تخيلات على الناس؟
    الجواب : السحر حقيقة ولا شك، وهو مؤثر حقيقة. لكن كونه يقلب الشيء أو يحرك الساكن، أو يسكن المتحرك، هذا خيال وليس حقيقة. وانظر إلى قول الله تبارك وتعالى في قصة السحرة في آل فرعون ، يقول الله عز وجل: ( سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)(الأعراف: 116)، كيف سحروا أعين الناس ؟ سحروا أعين الناس حتى صار الناس ينظرون إلى هذه الحبال والعصي كأنها ثعابين تمشي، كما قال الله تعالى في سورة طه: ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)(طـه: 66)، فالسحر باعتبار تأثيره في قلب الأشياء ، وتحريك الساكن ، أو تسكين متحرك ، هذا ليس له أثر ، لكن في كونه يسحر أو يؤثر على المسحور ، حتى يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً ، هذا أثره ظاهر جداً ، إذا فله حقيقة ، ولهذا يؤثر على بدن المسحور وعقله وحواسه ، وربما يهلكه.


    علاقة الكهانة بالسحر

    السؤال (42): فضيلة الشيخ، تحدثتم عن الكهانة وعرفتم الكاهن ، وعرفتم أيضاً السحر، لكن هل هناك علاقة بين الكهانة والسحر؟
    الجواب : كما قلنا من قبل : إن الكاهن يؤثر في الناس بما يدجل به عليهم من الإخبارات عن الأشياء المستقبلية ، وكذلك الساحر يؤثر في عقول الناس وتفكيرهم وأبدانهم ، حتى يتوهم المسحور أشياء ليس لها حقيقة.


    هل سحر النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال (43): فضيلة الشيخ ، جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سحر، فنريد أن تتحدثوا لنا عما سحر به النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأيضاً هل حصول السحر للنبي صلى الله عليه وسلم ينافي مقام النبوة؟
    الجواب : ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر(26)، لكن هذا السحر لم يؤثر عليه من الناحية التشريعية أو الوحي، إنما غاية ما هنالك أنه وصل إلى درجة يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله في أهله ، وهذا السحر الذي وضع له كان من يهودي يقال له لبيد بن الأعصم ، وضعه له ولكن الله سبحانه وتعالى أنجاه منه ، حتى جاءه الوحي بذلك . وعوذ بالمعوذتين عليه الصلاة والسلام (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) .
    ولا يؤثر هذا السحر على مقام النبوة ، لأنه لم يؤثر في تصرف النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالوحي والعبادات كما أسلفنا ، وقد أنكر بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، بحجة أن هذا القول يستلزم تصديق الكافرين ، بل تصديق الظالمين الذين قالوا : ( إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً)(الإسراء: 47)، ولكن هذا لا شك أنه لا يستلزم موافقة هؤلاء الظالمين بما وصفوا به النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن أولئك يدعون أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسحور فيما يتكلم به من الوحي ، وأن ما جاء به هذيان كهذيان المسحور، وأما السحر الذي وقع للرسول عليه الصلاة والسلام فلم يؤثر عليه في شيء من الوحي، ولا في شيء من العبادات ، ولا يجوز لنا أن نكذب الأخبار الصحيحة بسوء فهمنا للنصوص.


    حقيقة الإلحاد

    السؤال (44): فضيلة الشيخ ، ما هو الإلحاد في أسماء الله وصفاته؟
    الجواب : الإلحاد في الأصل أي في اللغة العربية : هو الميل ، ومنه قوله تعالى : ( لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)(النحل: 103)، ومنه اللحد في القبر ، فإنه سمي لحداً لميله إلى جانب منه . ولا يعرف الإلحاد إلا بمعرفة الاستقامة، لأنه كما قيل : بضدها تتبين الأشياء، فالاستقامة في باب أسماء الله وصفاته: أن نجري هذه الأسماء والصفات على حقيقتها اللائقة بالله عز وجل ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كما مر علينا في القاعدة التي يمشي عليها أهل السنة والجماعة في هذا الباب ، فإذا عرفنا الاستقامة في هذا الباب فإن خلاف الاستقامة هو الإلحاد، وقد ذكر أهل العلم للإلحاد في أسماء الله تعالى أنواعاً يجمعها أن نقول : هو الميل بها عما يجب اعتقاده فيها.
    فالنوع الأول : أن ينكر شيء منها أو مما دلت عليه من الصفات ، مثل أن ينكر اسم الرحمن من أسماء الله كما فعل أهل الجاهلية ، أو تثبت الأسماء ولكن ينكر ما تضمنته من الصفات ، كما يقول بعض المبتدعة: " إن الله تعالى رحيم بلا رحمة ، وسميع بلا سمع ، وبصير بلا بصر" وهكذا.
    النوع الثاني : أن يسمي الله تعالى بما لم يسم به نفسه ، ووجه كونه إلحاداً أن أسماء الله سبحانه وتعالى توقيفية، فلا يحل لأحد أن يسمي الله تعالى باسم لم يسم به نفسه ، لأن هذا من القول على الله بلا علم ، ومن العدوان على الله عز وجل أيضاً ، ومن العدوان في حق الله عز وجل ، وذلك كما صنع الفلاسفة فسموا الإله بالعلة الفاعلة ، وكما صنع النصارى فسموا الله تعالى باسم الأب ونحو ذلك .
    النوع الثالث: أن يعتقد أن هذه الأسماء دالة على أوصاف تماثل أوصاف المخلوقين ، فيجعلها دالة على التمثيل. ووجه كونه إلحاداً : أن من اعتقد بأن أسماء الله سبحانه وتعالى دالة على تمثيل الله بخلقه فقد جعل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم دالاً على الكفر ، لأن تمثيل الله بخلقه كفر، لكونه تكذيباً لقوله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: 11)، ولقوله : ( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً)(مريم: 65) ، قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري - رحمهم الله " من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس فيما سمى الله ووصف به نفسه تشبيه".
    النوع الرابع: أن يشتق من أسماء الله تعالى أسماء للأصنام ، كاشتقاق اللات من الإله، والعزى من العزيز ، ومناة من المنان ، ووجه كونه إلحاداً أن أسماء الله عز وجل خاصة به ، فلا يجوز أن تنقل المعاني الدالة عليها هذه الأسماء إلى أحد المخلوقين ، ليعطى من العبادة ما لا يستحقه إلا الله عز وجل ، هذه أنواع الإلحاد في أسماء الله سبحانه وتعالى .


    أنواع الشرك

    السؤال (45): فضيلة الشيخ ، ما هي أنواع الشرك؟
    الجواب : سبق لنا فيما تقدم أن التوحيد يتضمن إثباتاً ونفياً ، وأن الاقتصار فيه على النفي تعطيل ، والاقتصار فيه على الإثبات لا يمنع المشاركة ، فلهذا لابد من التوحيد من نفي وإثبات ، فمن لم يثبت الحق لله عز وجل على هذا الوجه، فقد أشرك به.
    والشرك نوعان: شرك أكبر مخرج عن الملة ، وشرك دون ذلك ، فالشرك الأكبر: كل شرك أطلقه الشارع ، وهو متضمن لخروج الإنسان من دينه، مثل أن يصرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله عز وجل، كأن يصلي لغير الله ، أو يصوم لغير الله ، أو يذبح لغير الله ، وكذلك من الشرك الأكبر أن يدعو غير الله عز وجل ، مثل أن يدعو صاحب القبر ، أو يدعو غائباً ليغيثه من أمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل ، وأنواع الشرك معلومة فيما كتبه أهل العلم.
    وأما النوع الثاني: فهو الشرك الأصغر ، وهو كل عمل قولي أو فعلي أطلق الشارع عليه وصف الشرك ولكنه لا يخرج من الملة مثل الحلف بغير الله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من حلف بغير الله كفر أو أشرك"(27)، فالحالف بغير الله الذي لا يعتقد أن لغير الله تعالى من العظمة ما يماثل عظمة الله ، نقول : إنه مشرك شركاً أصغر ، سواء كان هذا المحلوف به معظماً من البشر أم غير معظم فلا يجوز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا برئيس أو وزير ولا يجوز الحلف بالكعبة ، ولا يجوز الحلف بجبريل وميكائيل وما أشبه ذلك ، لأن هذا شرك ، لكنه شرك أصغر ، لا يخرج من الملة .
    ومن أنواع الشرك الأصغر : الرياء اليسير ، مثل أن يقوم الإنسان يصلي لله عز وجل ، ولكنه يزين صلاته لأنه يعلم أن أحداً من الناس يراه فيزين صلاته من أجل مراءاة الناس ، فهذا مشرك شركاً أصغر ، لأنه فعل العبادة لله لكن أدخل عليها هذا التزيين مراءاة للخلق. وكذلك لو أنفق ماله في شيء يتقرب به إلى الله، لكنه أراد أن يمدحه الناس بذلك ، فإن هذا مشرك شركاً أصغر. وأنواع الشرك الأصغر أيضاً كثيرة معلومة في كتب أهل العلم.

    تعريف أنواع الشرك

    السؤال (46): فضيلة الشيخ ، عرفنا أنواع الشرك لكن هل هناك تعريف محدد لكل نوع منها؟
    الجواب : نعم، ذكرنا أن الشرك الأصغر كل ما أطلق عليه الشارع اسم الشرك، أو وصف الشرك ، ولكنه لا يخرج من الملة ، وأن الشرك الأكبر كل ما أطلق الشارع عليه اسم الشرك أو وصف الشرك وهو مخرج من الملة.


    هل يسمى ترك العبادة شركاً؟

    السؤال (47): فضيلة الشيخ ، ورد فيما رواه مسلم قوله صلى الله عليه وسلم "إن بين الرجل وبين الشرك الكفر ترك الصلاة"(28) هل ترك العبادة يكون شركاً؟
    الجواب : نعم هو شرك من حيث المعنى العام، لأن تارك الصلاة تهاوناً إنما تركها لهواه، فقدم هواه على طاعة الله عز وجل ، فكان مشركاً بهذا الاعتبار ، كما قال الله عز وجل : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ )(الجاثـية: 23)، فكل من اتبع هواه مقدماً له على طاعة الله عز وجل ، فإن فعله هذا نوع من الشرك ، وإن كان الشرك بالمعنى الأخص لا يشمل الترك.


    حقيقة دين الإسلام

    السؤال (48): فضيلة الشيخ ، ما هو دين الإسلام؟
    الجواب : الإسلام بالمعنى العام : هو التعبد لله تعالى بما شرعه من العبادات التي جاءت بها رسله ، منذ أن تعبد الله تعالى عباده بشرعه إلى أن تقوم الساعة، فيشمل ما جاء به نوح عليه الصلاة والسلام من الهدى والحق ، ويشمل ما جاء به إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الحنفاء ، وما جاء به موسى وعيسى ، كما قال الله تبارك وتعالى ، أو كما ذكر الله تعالى ذلك في آيات كثيرة ، تدل على أن الشرائع السابقة كلها إسلام لله عز وجل .
    ولكنه بالمعنى الخاص : يختص بما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم نسخ جميع الأديان السابقة ، فصار من اتبعه مسلماً ، ومن خالفه ليس بمسلم ، لأنه لم يستسلم لله ، بل استسلم لهواه . فاليهود مسلمون في زمن موسى عليه الصلاة والسلام ، والنصارى مسلمون في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأما بعد أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم فكفروا به فليسوا بمسلمين ، ولهذا لا يجوز لأحد أن يعتقد أن دين اليهود والنصارى الذي يدينون به اليوم دين صحيح مقبول عند الله ، مساو لدين الإسلام ، بل من اعتقد ذلك فهو كافر خارج عن دين الإسلام ، لأن الله عز وجل يقول :(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام)(آل عمران: 19)، ويقول: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران:85).
    وهذا الإسلام الذي أشار الله إليه هو الإسلام الذي امتن الله به على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، لقوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً )(المائدة: 3) ، وهذا نص صريح في أن من سوى هذه الأمة بعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا على الإسلام ، وعلى هذا فما يدينون الله به لا يقبل منهم ، ولا ينفعهم يوم القيامة ، ولا يحل لنا أن نعتبره ديناً قائماً قويماً ، ولهذا يخطئ خطأ كبيرا من يصف اليهود والنصارى بأنهم إخوة لنا أو يقول : إن أديانهم اليوم قائمة ، لما أسلفناه آنفاً.
    وإذا قلنا : إن الإسلام هو التعبد لله سبحانه وتعالى بما شرع ، شمل ذلك الاستسلام له ظاهراً وباطناً، فيشمل الدين كله عقيدة وعملاً وقولاً ، أما إذا قرن الإسلام بالإيمان ، فإن الإسلام يكون بمعنى الأعمال الظاهرة ، من نطق اللسان وعمل الجوارح ، والإيمان الأعمال الباطنة ، من العقيدة وأعمال القلوب ، ويدل على هذا التفريق قوله تبارك وتعالى : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ )(الحجرات: 14)، وقوله تعالى في قصة لوط : (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (35) (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الذاريات:35-36).
    فإنه فرق هنا بين المؤمنين والمسلمين ، لأن البيت الذي كان في القرية بيت إسلامي في ظاهره ، إذ إنه يشمل امرأة لوط التي خانته وهي كافرة. وأما من أخرج منها ونجا فإنهم المؤمنون حقا، الذين دخل الإيمان في قلوبهم ، ويدل لذلك أي للفرق بين الإيمان والإسلام عند اجتماعهما ، حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وفيه أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت"، وقال في الإيمان : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره"(29)، فالحاصل أن الإسلام عند الإطلاق يشمل الدين كله ، ويدخل فيه الإيمان ، وأنه إذا قرن مع الإيمان فسر بالأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأعمال الجوارح ، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وأعمالها.
    السؤال (49): فضيلة الشيخ ، إذن هل نفهم من ذلك أن لدينا تعريفاً للإسلام بالمعنى العام وتعريفاً له بالمعنى الخاص ؟
    الجواب : نعم لدينا تعريف للإسلام بالمعنى العام ، وتعريف له بالمعنى الخاص إذا اقترن بالإيمان وهو ما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الآتين اللتين ذكرتا آنفاً.


    الطاغوت وأنواعه

    السؤال (50) : فضيلة الشيخ ، ما هو الطاغوت،وما هي اشتقاقاته؟
    الجواب : الطاغوت مشتق من الطغيان ، والطغيان مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى : (إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) (الحاقة:11) ، يعني لما زاد عن الحد المعتاد حملناكم في الجارية ، يعني في السفينة ، وأحسن ما قيل في تعريفه ما ذكره ابن القيم رحمه الله "أنه- أي الطاغوت- كل ما تجاوز به العبد حده ، من معبود أو متبوع أو مطاع".
    فالأصنام التي تعبد من دون الله طواغيت، والعلماء - علماء السوء- الذين يدعون إلى الضلال من الطواغيت أيضاً ، الذي يدعون إلى البدع ، وإلى تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله ، أو يزينون لولاة الأمور الخروج عن شريعة الإسلام بنظم يستوردونها مخالفة لنظام الدين الإسلامي لأن هؤلاء تجاوزوا حدهم، فإن حد العالم أن يكون متبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن العلماء حقيقة هم ورثة الأنبياء، يرثونهم في أمتهم علماً وعملاً وأخلاقاً ودعوة وتعليماً ، فإذا تجاوزوا هذا الحد ، وصاروا يزينون للحكام الخروج عن شريعة الإسلام بمثل هذه النظم فهم طواغيت ، لأنهم تجاوزوا ما كان يجب عليهم أن يكونوا عليه من متابعة الشريعة.
    وأما المطاع في قوله رحمه الله" أو مطاع"، فيريد بهم الأمراء الذين يطاعون شرعاً أو قدراً، فالأمراء يطاعون شرعاً إذا أمروا بما لا يخالف أمر الله ورسوله، فهم يطاعون هنا شرعاً ، كما يطاعون قدراً، فإن الواجب على الرعية إذا أمر ولي الأمر بأمر لا يخالف أمر الله الواجب عليهم السمع والطاعة ، وطاعتهم لولاة الأمور في هذه الحال ، وبهذا القيد طاعة لله عز وجل ، ولهذا ينبغي أن نلاحظ حين ننفذ ما أمرت به الدولة مما تجب طاعتها فيه ، أن نلاحظ أننا بذلك نتعبد لله تعالى ونتقرب إليه حتى يكون تنفيذنا لهذا الأمر قربة إلى الله عز وجل ، وإنما ينبغي لنا أن نلاحظ ذلك ، لأن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(النساء: 59).
    وأما طاعة الأمراء قدراً فإن الأمراء إذا كانوا أقوياء في سلطتهم، إن الناس يطيعونهم بقوة السلطان، وإن لم يكن بوازع الإيمان لأن طاعة ولي الأمر قد تكون بوازع الإيمان، وهذه هي الطاعة النافعة لهم أي لولاة الأمور ، والنافعة للناس أيضاً، وقد تكون طاعة ولاة الأمور برادع السلطان، بحيث يكون السلطان قويا يخشى الناس منه ويهابونه، لأنه ينكل بمن خالف أمره، ولهذا نقول : إن الناس مع حكامهم في هذه المسألة ينقسمون إلى أقسام :
    فتارة : يقوى الوازع الإيماني والرادع السلطاني ، وهذه أكمل المراتب وأعلاها ، وتارة يضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني ، وهذه أدنى المراتب وأخطرها على المجتمع ، على حكامه وعلى محكوميه، لأنه إذا ضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني ، صارت الفوضى الفكرية والخلقية والعملية. المرتبة الثالثة: أن يقوى الوازع الإيماني ويضعف الرادع السلطاني، وهذه مرتبة وسطى ، ينظر فيها أيها أكمل مما إذا قوي الرادع السلطاني وضعف الوازع الإيماني، فإنه في المظهر إذا قوي الرادع السلطاني يكون أصلح للأمة، لكن الأمة إذا اختفت قوة السلطان فلا تسأل عن حالها ، وسوء عملها ، لأن الوازع الإيماني ضعيف، أما إذا قوي الوازع الإيماني وضعف السلطاني فقد يكون المظهر أدنى من المظهر في المرتبة الأخرى، لكنه فيما بين الإنسان وبين ربه إذا اختفى الرادع السلطاني يكون أصلح.
    على كل حال هذه مراتب أربع : قوة الإيمان والسلطان وضعف الإيمان والسلطان ، وقوة الإيمان وضعف السلطان وضعف الإيمان وقوة السلطان.
    فالمهم أننا نقول : أنه ينبغي لنا عند تنفيذ أوامر السلطان أن نعتقد أننا بذلك نقترب به إلى الله عز وجل ، وإنما قال ابن القيم : " إن الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، لأن الأمير أو ولي الأمر الذي يطاع قد يأمر بما يخالف أمر الله ورسوله، فإذا أمر بما يخالف أمر الله ورسوله فإنه لا سمع له ولا طاعة ، ولا يجوز لنا أن نطيعه في معصية الله سبحانه وتعالى ، لأن الله تعالى جعل طاعتهم تابعة أو جعل طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله كما يفهم من سياق الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(النساء: 59)، ولم يقل : وأطيعوا أولى الأمر، فدل هذا على أن طاعتهم غير مستقلة، بل هي تابعة لطاعة الله ورسوله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الطاعة بالمعروف أو في المعروف ، أي فيما أقره الشرع ، وأما ما أنكره فلا يجوز أن يطاع فيه أي مخلوق ، حتى لو كان الوالد أو الوالدة يأمرانك بمعصية الله ، فإنه لا يحل لك أن تطيعهما ، لأن طاعة الله مقدمة على كل طاعة، فإذا أطاع الإنسان أميره أو ولي أمره في معصية الله فقد تجاوز به حده.


    عقيدة المسلمين في عيسى

    السؤال (51): فضيلة الشيخ، ما هي عقيدة المسلمين في عيسى ابن مريم عليه السلام؟ وما حكم القول بقتله وصلبه.
    الجواب : عقيدة المسلمين في عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، أنه أحد الرسل الكرام، بل أحد الخمسة الذين هم أولو العزم ، وهم : محمد ، وإبراهيم ، وموسى، وعيسى ، ونوح عليهم الصلاة والسلام ، ذكرهم الله تعالى في موضعين من كتابه فقال في سورة الأحزاب : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (الأحزاب:7)، وقال في سورة الشورى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى:13).
    وأن عيسى عليه الصلاة والسلام بشر من بني آدم مخلوق من أم بلا أب ، وأنه عبد الله ورسوله ، فهو عبد لا يعبد ، ورسول لا يكذب ، وأنه ليس له من خصائص الربوبية شيء، بل هو كما قال الله تعالى : (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ) (الزخرف:59).
    وأنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر قومه بأن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله ، وإنما قال لهم ما أمره الله به ( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)(المائدة: 117)، وأنه أي عيسى عليه الصلاة والسلام خلق بكلمة الله عز وجل ، كما قال الله تعالى : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران:59) ، وأنه ليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم رسول ، كما قال الله تعالى : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصف:6).
    ولا يتم إيمان أحد حتى يؤمن بأن عيسى عبد الله ورسوله وأنه مبرأ ومنزه عما وصفه به اليهود ، الذين قالوا: إنه ابن بغي ، وأنه نشأ من زنا والعياذ بالله، وقد برأه الله تعالى من ذلك ، كما أنهم أي المسلمين يتبرؤون من طريق النصارى، الذين ضلوا في فهم الحقيقة بالنسبة إلى عيسى ابن مريم، حيث اتخذوه وأمه إلهين من دون الله ، وقال بعضهم: "إنه ابن الله"، وقال بعضهم : "إن الله ثالث ثلاثة".
    أما فيما يتعلق بقتله وصلبه فإن الله سبحانه وتعالى قد نفى أن يكون قتل أو صلب نفياً صريحاً قاطعاً، فقال عز وجل : ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) (157) (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (158) (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) (النساء:157-159).
    فمن اعتقد أن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام قتل وصلب فقد كذب القرآن، ومن كذب القرآن فقد كفر ، فنحن نؤمن بأن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يقتل ولم يصلب، ولكننا نقول : إن اليهود باؤوا بإثم القتل والصلب ، حيث زعموا أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وهم لم يقتلوه حقيقة، بل قتلوا من شبه لهم ، حيث ألقى الله شبهه على واحد منهم فقتلوه وصلبوه، وقالوا: إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله ، فاليهود باؤوا بإثم القتل بإقرارهم على أنفسهم، وإثم الصلب، والمسيح عيسى ابن مريم برأه الله تعالى من ذلك وحفظه ورفعه سبحانه وتعالى عنده إلى السماء، وسوف ينزل في آخر الزمان إلى الأرض، فيحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يموت في الأرض ، ويدفن فيها ، ويخرج منها كما يخرج منها سائر بني آدم ، لقول الله تعالى : (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (طـه:55) وقوله: (قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (الأعراف:25) .


    افتراق الأمة

    السؤال (52): فضيلة الشيخ ، إلى كم افترقت الأمة الإسلامية بعد نبيها محمد صلى الله عليه وسلم؟
    الجواب : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه أن اليهود افترقوا على إحدى وسبعين فرقة ، والنصارى افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة ، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وهذه الفرق كلها في النار إلا واحدة، وهي من كان على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه(30)، وهذه الفرقة هي الفرقة الناجية ، التي نجت في الدنيا من البدع ، وتنجو في الآخرة من النار ، وهي الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة ، التي لا تزال ظاهرة قائمة بأمر الله عز وجل .
    وهذه الفرق الثلاث والسبعون ، التي واحدة منها على الحق ، والباقي على الباطل، حاول بعض الناس أن يعددها ، وشعب أهل البدع إلى خمس شعب، وجعل من كل شعبة فروعاً، ليصلوا إلى هذا الحد، وإلى هذا العدد الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم، ورأى بعض الناس أن الأولى الكف عن التعداد، لأن هذه الفرق ليست وحدها هي التي ضلت ، بل قد ضل أناس ضلالاً أكثر مما كانت عليه من قبل، وحدثت بعد أن حصرت هذه الفرق باثنتين وسبعين فرقة ، وقالوا : إن هذا العدد لا ينتهي ولا يمكن العلم بانتهائه إلا في آخر الوقت ، في آخر الزمان عند قيام الساعة.
    فالأولى أن نجمل ما أجمله النبي صلى الله عليه وسلم ونقول إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ، ثم نقول : كل من خالف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو داخل في هذه الفرق ، وقد يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد أشار إلى أصول لم نعلم منها الآن إلا ما يبلغ العشرة ، وقد يكون أشار إلى أصول تتضمن فروعاً، كما ذهب إليه بعض الناس، فالعلم عند الله عز وجل .


    خصائص الفرقة الناجية

    السؤال (53): فضيلة الشيخ، ما هي أبرز خصائص الفرقة الناجية؟
    الجواب : أبرز خصائص الفرقة الناجية هي التمسك بما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام في العقيدة ، والعبادة ، والأخلاق، والمعاملة ، هذه الأمور الأربعة تجد الفرقة الناجية بارزة فيها .
    ففي العقيدة: تجدها متمسكة بما دل عليه الكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من التوحيد الخالص في ربوبية الله وألوهيته، وأسمائه وصفاته.
    وفي العبادات : تجد هذه الفرقة متميزة في تمسكها التام وتطبيقها لما كان النبي عليه الصلاة السلام عليه في العبادات ، في أجناسها ، وصفاتها ، وأقدارها ، وأزمنتها ، وأمكنتها ، وأسبابها ، فلا تجد عندهم ابتداعاً في دين الله ، بل هم متأدبون غاية التأدب مع الله ورسوله ، لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله ، في إدخال شيء من العبادات لم يأذن به الله عز وجل.
    تجدهم أيضاً في الأخلاق متميزين عن غيرهم بحسن الأخلاق ، بمحبة الخير للمسلمين، بانشراح الصدر ، بطلاقة الوجه، بحسن المنطق، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسنها.
    وفي المعاملات تجدهم يعاملو الناس بالصدق والبيان اللذين أشار إليهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما ، وإذا كذبا وكتما ، محقت بركة بيعهما"(31)، فهذه الميزة والعلامة لأهل السنة والجماعة ، للفرقة الناجية التي كانت على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.


    تأثير نقص بعض الخصائص

    السؤال (54) : فضيلة الشيخ، لكن هل يلزم توافر أو تكامل هذه الخصائص في الأمور الأربعة وهي : العقيدة ، والعبادة ، والأخلاق، والمعاملات ، دون نقص؟ وهل إذا نقص منها شيء يخرج الإنسان بذلك من الفرقة الناجية أم أن النقص لا يخرجه من ذلك؟
    الجواب : النقص من هذه لا يخرج الإنسان عن كونه من الفرقة الناجية، لكن كما قال تعالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا )(الأنعام: 132) ، ربما الإخلال في جانب التوحيد، أو جانب البدع، يخرج الإنسان عن هذه الفرقة الناجية ، مثل أن يدخل في عباداته أو يكون الإخلال بالإخلاص، وكذلك في البدع، لكن في مسألة الأخلاق والمعاملات، فالإخلال بها لا يخرج الإنسان من هذه الفرقة الناجية وإن كان آثماً على إخلاله بذلك.
    السؤال (55): فضيلة الشيخ ، هل هناك إضافة حول خصائص هذه الفرقة الناجية؟
    الجواب : الحقيقة أنه ليس هناك من إضافة ، لأن الأصول الأربعة التي ذكرناها واضحة وكافية ، لكن قد نحتاج إلى تفصيل في مسألة الأخلاق ، فإن من أهم ما يكون من الأخلاق : اجتماع الكلمة ، والاتفاق على الحق الذي أوصانا الله به سبحانه وتعالى في قوله : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ )(الشورى: 13).
    وأخبر أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً أن محمداً صلى الله عليه وسلم بريء منهم ، فقال الله عز وجل : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ )(الأنعام: 159) ،فاتفاق الكلمة وائتلاف القلوب من أبرز خصائص الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ، فهم أعني الفرقة الناجية إذا حصل بينهم خلاف ناشئ عن اجتهاد في الأمور الاجتهادية ، لا يحمل بعضهم على بعض حقداً ولا عداوة ولا بغضاء ، بل يعتقدون أنهم إخوة ، حتى وإن حصل بينهم هذا الخلاف ، حتى إن يصلى الواحد منهم خلف الشخص، يعتقد المأموم أنه ليس على وضوء، ويعتقد الإمام أنه على وضوء ، مثل أن يصلي الواحد منهم خلف شخص أكل لحم إبل، وهذا الإمام يعتقد أنه لا ينقض الوضوء ، والمأموم يعتقد أنه ينقض الوضوء فيرى أن الصلاة خلف ذلك الإمام صحيحة، وإن كان هو لو صلاها بنفسه لرأى أن صلاته غير صحيحة،كل هذا لأنهم يرون أن الخلاف الناشئ عن اجتهاد فيما يسوغ فيه الاجتهاد ليس في الحقيقة بخلاف، لأن كلا من المختلفين قد تبع ما يجب عليهما إتباعه من الدليل الذي لا يجوز له العدول عنه، فهم يرون أن أخاهم إذا خالفهم في عمل ما إتباعاً للدليل ، هو في الحقيقة قد وافقهم ، لأنهم هم يدعون إلى إتباع الدليل أينما كان ، فإذا خالفهم موافقة للدليل عنده، فهو في الحقيقة قد وافقهم،لأنه تمشى على ما يدعون إليه ، ويهدفون إليه، من تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
    ولا يخفى على كثير من أهل العلم ، ما حصل من الخلاف بين الصحابة في مثل هذه الأمور ، حتى في عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم ولم يعنف أحداً منهم ، فإنه عليه الصلاة والسلام لما رجع من غزوة الأحزاب، وجاءه جبريل ، وأشار إليه أن يخرج إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد، ندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"(32). فخرجوا من المدينة إلى بني قريظة، وأرهقتهم صلاة العصر ، فمنهم من أخر صلاة العصر حتى وصل إلى بني قريظة بعد خروج الوقت، ولم يصل إلا بعد غروب الشمس ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"ومنهم من صلى الصلاة لوقتها ، وقال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد منا المبادرة للخروج ، ولم يرد منا أن نؤخر الصلاة عن وقتها ، وهؤلاء هم المصيبون، لكن مع ذلك لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين ، ولم يحمل كل واحد على الآخر عداوة أو بغضاء بسبب اختلافهم في فهم هذا النص.
    لذلك أرى أن الواجب على المسلمين الذين ينتسبون إلى السنة أن يكونوا أمة واحدة، وألا يحصل بينهم تحزب ، هذا ينتمي إلى طائفة ما ، والآخر ينتمي إلى طائفة أخرى ، والثالث إلى طائفة ثالثة وهكذا، بحيث يتناحرون فيما بينهم بأسنة الألسن، ويتعادون ويتباغضون من أجل اختلاف يسوغ فيه الاجتهاد ، ولا حاجة إلى أن أنص على طائفة بعينها، ولكن العاقل يفهم ويتبين له الأمر ، فأرى أنه يجب على أهل السنة والجماعة أن يتحدوا حتى وإن اختلفوا فيما يختلفون فيه مما تقتضيه النصوص حسب أفهامهم، فإن هذا أمر فيه سعة ولله الحمد، والمهم ائتلاف القلوب ، واتحاد الكلمة ، ولا ريب أن أعداء المسلمين يحبون من المسلمين أن يتفرقوا ، سواء كانوا أعداء يصرحون بالعداوة أو أعداء يتظاهرون بالولاية للمسلمين أو للإسلام ، وهم ليسوا كذلك ، فالواجب أن نتميز بهذه الميزة التي هي ميزة الطائفة الناجية وهي الاتفاق على كلمة واحدة.


    التوسل الصحيح والتوسل الباطل

    السؤال (56): فضيلة الشيخ ، ما هو التوسل الصحيح والتوسل الباطل؟
    الجواب : التوسل : مصدر توسل يتوسل ، إذا اتخذ وسيلة توصله إلى مقصوده ، فأصله: طلب الوصول إلى الغاية المقصودة، وينقسم إلى قسمين:
    قسم صحيح : وهو التوسل بالوسيلة الصحيحة الموصلة إلى المطلوب.
    وقسم غير صحيح : وهو التوسل بوسيلة لا توصل إلى المقصود.
    فأما الأول : وهو التوسل بالوسيلة الموصلة إلى المقصود:
    فإنه أنواع: منها : التوسل بأسماء الله وصفاته ، سواء كان ذلك على سبيل العموم أو على سبيل الخصوص ، مثاله على سبيل العموم : ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والغم : قال " اللهم إني عبدك، ابن عبدك ، ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي.."(33) ، إلى آخره، فهنا توسل بأسماء الله على سبيل العموم ، وذلك في قوله : " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك".
    أما الخصوص : فأن يتوسل باسم خاص ، لحاجة خاصة تناسب هذا الاسم ، مثل ما جاء في حديث أبي بكر رضي الله عنه ، حيث طلب من النبي صلى الله عليه وسلم دعاء يدعو به في صلاته ، فقال : " قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم"(34)، فطلب المغفرة والرحمة ، وتوسل إلى الله تعالى باسمين من أسمائه مناسبين للمطلوب ، فقال "إنك أنت الغفور الرحيم" وهذا النوع من التوسل داخل في قوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )(الأعراف: 180)، فإن الدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ، ودعاء العبادة.
    أما التوسل إلى الله تعالى بصفاته ، فهو أيضاً كالتوسل بأسمائه ، يكون عاماً وخاصا ، أما العام فأن تقول : اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا ، ثم تذكر مطلوبك ، وإما الخاص فأن تتوسل إلى الله تعالى بصفة معينة خاصة لمطلوب خاص ، مثل ما جاء في الحديث: " اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي"(35)، فهنا توسل إلى الله تعالى بصفة العلم والقدرة " بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق".. هذا نوع.
    النوع الثاني: أن يتوسل الإنسان إلى الله عز وجل ، بالإيمان به وبرسوله فيقول :اللهم إني آمنت بك وبرسولك ، فاغفر لي أو فوقفني أو يقول " اللهم بإيماني بك وبرسولك أسألك كذا وكذا"، ومنه قوله تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (:190) (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ )(آل عمران191) إلى قوله : (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) (آل عمران:190-193) ، فتوسلوا إلى الله تعالى بالإيمان به ، أن يغفر لهم الذنوب ، ويكفر عنهم السيئات ويتوفاهم مع الأبرار.
    النوع الثالث: أن يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالعمل الصالح ، ومنه قصة النفر الثلاثة الذين آووا إلى غار ليبيتوا فيه ، فانطبق عليهم الغار، انطبق عليهم بصخرة لا يستطيعون زحزحتها ، فتوسل كل منهم إلى الله بعمل صالح فعله، أحدهم توسل إلى الله تعالى ببره بوالديه، والثاني بعفته التامة، والثالث بوفائه لأجيره، قال :كل منهم اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فأفرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة(36)، فهذا توسل إلى الله عز وجل بالعمل الصالح .
    النوع الرابع : أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله ، يعني أن الداعي يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله وما هو عليه من الحاجة ، ومنه قول موسى عليه الصلاة والسلام: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)(القصص: 24) ، فهو بذلك يتوسل إلى الله بذكر حاله أن ينزل إليه الخير ، ويقرب من ذلك قول زكريا عليه الصلاة والسلام : (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً) (مريم:4)، فهذه أنواع من التوسل كلها جائزة ، لأنها أسباب صالحة لحصول المقصود بالتوسل بها.


    نوع خامس من التوسل

    السؤال (57): فضيلة الشيخ، هل هناك أنواع أخرى من التوسل غير أنواع التوسل الأربعة التي ذكرتموها؟
    الجواب : نعم ، هناك توسل زائد عن الأربعة السابقة ، وهو التوسل إلى الله عز وجل بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابته ، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم بدعاء عام وبدعاء خاص ، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال : يا رسول الله ، هلكت الأموال ، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال : " اللهم أغثنا" ثلاث مرات، فما نزل صلى الله عليه وسلم من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً ، وفي الجمعة الأخرى جاء ذلك الرجل أو غيره ، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال : يا رسول الله ، غرق المال ، وتهدم البناء ، فادع الله تعالى أن يمسكها عنا ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال " اللهم حوالينا ولا علينا" فما يشير إلى ناحية من السماء إلا انفرجت ، حتى خرج الناس يمشون في الشمس(37)، وهناك عدة وقائع سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم على وجه الخصوص .
    فمن ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أن في أمته سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، وهم الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون ، قام عكاشة بن محصن فقال : يا رسول الله ، أدع الله أن يجعلني منهم ، فقال : "أنت منهم"(38).
    فهذا أيضاً من التوسل الجائز ، أن يطلب الإنسان من شخص أن يدعو الله تعالى له ، إذا كان هذا الشخص مرجو الإجابة ، إلا أن الذي ينبغي على هذا السائل الذي سأل الشخص أن يدعو له أن يريد بذلك منفعة نفسه ومنفعة أخيه الذي طلب منه الدعاء، حتى لا يتمحض السؤال لنفسه خاصة ، لأنك إذا أردت نفع أخيك ونفع نفسك ، صار في هذا إحسان له ، فإن الإنسان إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك : آمين ولك بمثله ، وكذلك إذا دعا له أخوه ، فإنه يكون من المحسنين بهذا الدعاء ، والله يحب المحسنين.


    التوسل الباطل وأقسامه

    السؤال (58): فضيلة الشيخ ، بعد أن عرفنا التوسل الصحيح وأقسامه ، لابد لنا من معرفة التوسل الباطل ، وهل له أقسام أيضاً؟
    الجواب : التوسل الباطل أن يتوسل الإنسان إلى الله تعالى بما لم يكن وسيلة ، أي بما لم يثبت في الشرع أنه وسيلة ، لأن التوسل بمثل ذلك من اللغو والباطل والمخالف للمعقول والمنقول ، ومن ذلك أن يتوسل الإنسان إلى الله عز وجل بدعاء ميت ، يطلب من هذا الميت أن يدعو الله له ، فإن هذا ليس وسيلة شرعية صحيحة ، بل هو سفه من الإنسان أن يطلب من هذا الميت أن يدعو الله له ، لأن الميت إذا مات انقطع عمله ، ولا يمكن أن يدعو لأحد ، حتى النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يدعو لأحد بعد موته عليه الصلاة والسلام ، ولهذا لم يتوسل الصحابة رضي الله عنهم إلى الله بطلب الدعاء من رسوله صلى الله عليه وسلم بعد موته ، فإن الناس لما أصابهم الجدب في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : اللهم إن كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، فقام العباس رضي الله عنه فدعا الله عز وجل(39) ، ولو كان طلب الدعاء من الميت سائغاً ووسيلة صحيحة ، لكان عمر ومن معه من الصحابة يطلبون ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن إجابة دعائه أقرب من إجابة دعاء العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
    فالمهم أن التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من الميت توسل باطل لا يحل ولا يجوز.
    ومن التوسل الذي ليس بصحيح : أن يتوسل الإنسان إلى الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : اللهم إني أسألك بجاه نبيك كذا وكذا ، وذلك أن جاه الرسول عليه الصلاة والسلام ليس مفيداً بالنسبة إليك ، لأنه لا يفيد إلا الرسول عليه الصلاة والسلام ، أما بالنسبة لك فليس بمفيد حتى تتوسل إلى الله تعالى به ، والتوسل كما قلنا اتخاذ الوسيلة الصالحة التي تثمر ، فما فائدتك أنت من كون الرسول عليه الصلاة والسلام له جاه عند الله؟ وإذا أردت أن تتوسل إلى الله على وجه صحيح ، فقل : اللهم إني أسألك بإيماني برسولك ، أو بالمحبة لرسولك أو ما أشبه ذلك ، فإن هذا من الوسيلة الصحيحة النافعة.


    الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية

    السؤال (59): فضيلة الشيخ ، ما هي الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية؟
    الجواب : الشفاعة مأخوذة من الشفع ، وهو ضد الوتر ، وهو جعل الوتر شفعاً، مثل أن نجعل الواحد اثنين ، والثلاثة أربعة وما أشبهها ، هذا من حيث اشتقاقها في اللغة.
    أما معناها فهي : التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة ، يعني أن يقوم الشافع بين المشفوع إليه والمشفوع له واسطة ، ليجلب منفعة إلى المشفوع له ، أو يدفع عنه مضرة.
    والشفاعة نوعان : شفاعة ثابتة وصحيحة ، وشفاعة باطلة لا تنفع أصحابها .
    أما الشفاعة الثابتة الصحيحة : فهي التي أثبتها الله تعالى في كتابه ، وأثبتها رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص ، لأن أبا هريرة رضي الله عنه قال : يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال :" من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"(40)
    وهذه الشفاعة لها شروط ثلاثة : الشرط الأول : رضا الله عن الشافع . والشرط الثاني : رضا الله عن المشفوع له . والشرط الثالث : إذن الله تعالى للشافع أن يشفع . وهذه الشروط مجموعة في قوله تعالى : (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (لنجم:26)، ومفصلة في قوله تعالى : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)(البقرة: من الآية255)، وفي قوله تعالى : (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) (طـه:109) ، وقوله : ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)(الأنبياء: 28)، فلابد من هذه الشروط حتى تتحقق الشفاعة.
    وبناء على ذلك نعرف النوع الثاني، وهي الشفاعة الباطلة التي لا تنفع أصحابها، وهي ما يدعيه المشركون من شفاعة آلهتهم لهم عند الله عز وجل ، فإن هذه الشفاعة لا تنفعهم كما قال الله تعالى : (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (المدثر:48)، وذلك لأن الله تعالى لا يرضي لهؤلاء المشركين شركهم ، ولا يمكن أن يأذن بالشفاعة لهم ، لأنه لا شفاعة إلا لمن ارتضاه الله عز وجل ، والله عز وجل لا يرضى لعباده الكفر ، ولا يحب الفساد، فتعلق المشركين بآلهتهم التي يعبدونها ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، تعلق باطل غير نافع ، بل هذا لا يزيدهم من الله تعالى إلا بعداً.
    ثم إن الشفاعة الثابتة النافعة، ذكر العلماء رحمهم الله أنها تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة ، ومعنى العموم : أن الله سبحانه وتعالى يأذن لمن شاء من عباده الصالحين أن يشفعوا لمن أذن الله لهم بالشفاعة فيهم . والخاصة : التي تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأعظمها : الشفاعة العظمى التي تكون يوم القيامة ، حين يلحق الناس من الغم والكرب مالا يطيقون، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله عز وجل أن يريحهم من هذا الموقف العظيم، فيذهبون إلى آدم، ثم إلى نوح ، ثم إلى إبراهيم ، ثم إلى موسى ، ثم إلى عيسى، وكلهم لا يشفع ، حتى تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقوم ويشفع عند الله عز وجل أن يخلص عباده من هذا الموقف العظيم ، فيجيب الله دعاءه ويقبل شفاعته ، وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله تعالى به في قوله : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الاسراء:79) .
    ومن الشفاعة الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم : شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فإن أهل الجنة إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار ، فتمحص قلوبهم بعضهم من بعض ، حتى يهذبوا وينقوا ، ثم يؤذن لهم في دخول الجنة ، ولكن لا يدخلونها إلا بعد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل أن يدخلوا الجنة ، فتفتح أبواب الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
    وأما الشفاعة العامة له ولغيره من عباد الله الصالحين ، فهي أن يشفع في أهل النار من المؤمنين - أي من عصاة المؤمنين - الذين لا يستحقون الخلود في النار يشفع فيهم أن يخرجوا من النار ، وهذه الشفاعة ثابتة له ولغيره من النبيين والشهداء والصالحين . والله أعلم.


    عقيدة السلف في القرآن الكريم

    السؤال (60): فضيلة الشيخ ، ما هي عقيد السلف في القرآن الكريم؟
    الجواب : عقيدة السلف في القرآن الكريم كعقيدتهم في سائر صفات الله تعالى وأسمائه ، وهي عقيدة مبنية على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى وصف القرآن الكريم بأنه كلامه ، وأنه منزل من عنده ، فقال جل وعلا: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة:6)، والمراد بلا ريب بكلام الله هنا : القرآن الكريم، وقال تعالى : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (النمل:76)، فالقرآن كلام الله تعالى لفظاً ومعنى ، تكلم به حقيقة، وألقاه إلى جبريل الأمين ، ثم نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين ، ويعتقد السلف أن القرآن منزل نزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم منجماً في ثلاث وعشرين سنة ، حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل .
    ثم إن نزوله يكون ابتدائياً ويكون سببياً، بمعنى أن بعضه ينزل لسبب معين اقتضى نزوله ، وبعضه ينزل بغير سبب ، وبعضه ينزل في حكاية حال مضت للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وبعضه ينزل في أحكام شرعية ابتدائية، على حسب ما ذكره أهل العلم في هذا الباب ، ثم إن السلف يقولون : إن القرآن من عند الله عز وجل ابتداءً، وإليه يعود في آخر الزمان ، هذا هو قول السلف في القرآن الكريم.
    ولا يخفى علينا جميعاً أن الله تعالى وصف القرآن الكريم بأوصاف عظيمة ، وصفه بأنه حكيم ، وبأنه كريم ، وبأنه عظيم ، وبأنه مجيد ، وهذه الأوصاف التي وصف الله بها كلامه ، تكون لمن تمسك بهذا الكتاب، وعمل به ظاهراً وباطناً ، فإن الله تعالى يجعل له من المجد ، والعظمة، والحكمة ، والعزة ، والسلطان ، ما لا يكون لم يتمسك بكتاب الله عز وجل، ولهذا أدعو من هذا المنبر جميع المسلمين، حكاماً ومحكومين، علماء وعامة، أدعوهم إلى التمسك بكتاب الله عز وجل ظاهراً وباطناً ، حتى ينالوا رضا الله، وتكون لهم العزة، والسعادة، والمجد، والظهور في مشارق الأرض ومغاربها.


    أبرز أحكام التلاوة

    السؤال (61): فضيلة الشيخ، ما هي أبرز أحكام التلاوة؟
    الجواب : الذي ينبغي لتالي القرآن أن يكون على طهر من الحدثين الأصغر والأكبر، ولا يجوز له أن يقرأن القرآن وعليه حدث أكبر، فالجنب مثلاُ لا يقرأ القرآن حتى يغتسل، لأن السنة وردت بالمنع منه في حال الجنابة ، أما الحائض فقد اختلف أهل العلم هل يجوز لها أن تقرأ القرآن؟
    اختلفوا في ذلك على قولين : فمنهم من قال : إنه يجوز أن تقرأ القرآن ، لأنه ليس في منعها من القرآن سنة صريحة ، والأصل براءة الذمة وعدم الإلزام ، كما أن الأصل أيضاً عدم المنع ، ويرى بعض أهل العلم أنه لا يجوز لها أن تقرأ القرآن وهي حائض ، لأنها ممن يلزمها الغسل، فهي كالجنب ، ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحاديث تدل على المنع، والذي أرى في هذه المسألة أنها لا تقرأ القرآن إذا كان غرضها بذلك مجرد التلاوة ، أما إذا كانت تريد أن تقرأ القرآن لحاجة ، تخشى نسيانه مثلاُ ، أو تقرئه أبناءها أو بناتها أو الطالبات إن كانت مدرسة ، أو تكون طالبة تريد أن تقرأه لإسماع المدرسة ، فإن هذا لا بأس به للحاجة ، وكذلك لا بأس أن تقرأ الآيات التي تكون ورداً كآية الكرسي، لأن هذا حاجة ، فيكون هذا القول الذي أراه أقرب إلى الصواب مبنيا على حاجة المرأة الحائض، إن احتاجت للتلاوة فلها أن تقرأ القرآن ، وإن لم تحتج فلا تقرأ القرآن.
    كذلك ينبغي لقارئ القرآن أن يكون مستحضراً في قلبه ما تدل عليه كلمات القرآن العظيم من المعاني الجليلة ، سواء كانت هذه الآيات تتضمن الأخبار والقصص أو الأحكام، لأن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن لهذه الحكمة(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ:29) .
    والإنسان يجد الفرق العظيم إذا تلا القرآن وقلبه غافل، وإذا تلا القرآن وقلبه حاضر يتدبر ما يقول ، يجد الفرق العظيم بين هذه الحال والحال الأخرى، ويجد أنه ينتفع أكثر إذا قرأ القرآن بتدبر وتفكر، فإن ذلك يؤثر في قلبه قوة الإيمان والتصديق، وقوة الانقياد والإذعان للأحكام التي يتضمنها كتاب الله عز وجل .
    وأما ما ينبغي أن تكون التلاوة عليه : فينبغي أن تكون التلاوة تلاوة هادئة ، ليس فيها سرعة تسقط بعض الحروف، أو تخفى بها الكلمات ، بل يقرأ القرآن بتمهل وترسل، ولا بأس بالعجلة أحياناً ، بشرط ألا يسقط الحروف أو شيئاً منها، أو يدغم مالا يجوز إدغامه أو ما أشبه ذلك.
    السؤال (62): فضيلة الشيخ ، ما حكم التلاوة لروح الميت؟
    الجواب : التلاوة لروح الميت ، يعني أن يقرأ القارئ القرآن وهو يريد أن يكون ثوابه لميت من المسلمين، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من يرى أن ذلك غير مشروع، وأن الميت لا ينتفع به، أي لا ينتفع بالقرآن في هذه الحال، ومنهم من يرى أنه ينتفع بذلك ، وأنه يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن بنية أنه لفلان أو لفلانة من المسلمين، سواء كان قريباً له أم غير قريب له ، وهذا هو الأرجح، لأنه ورد في جنس العبادات جواز صرفها للميت ، كما في حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه ، حين تصدق بمخرافه - أي ببستانه -لأمه(41)، وكما في قصة الرجل الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام : إن أمي افتلتت نفسها ، وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال : "نعم"(42).
    وهذه قضايا أعيان، تدل على أن صرف جنس العبادات لأحد من المسلمين جائز ، وهو كذلك ، ولكن أفضل من هذا أن يدعو للميت، وأن يجعل الأعمال الصالحة لنفسه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له"(43)، ولم يقل : أو ولد صالح يتلو له ، أو يصلي له ، أو يصوم له ، أو يتصدق عنه ، بل قال : أو ولد صالح يدعو له ، والسياق في سياق العمل فدل ذلك على أن الأفضل أن يدعو الإنسان للميت. لا أن يجعل له شيئاً من الأعمال الصالحة ، والإنسان محتاج إلى العمل الصالح ، أن يجد ثوابه مدخراً له عند الله عز وجل.
    أما ما يفعل بعض الناس من التلاوة للميت بعد موته بأجرة ، مثل أن يحضر قارئاً يقرأ القرآن بأجرة، ليكون ثوابه للميت، فإن هذا بدعة، ولا يصل إلى الميت ثوابه، لأن هذا القارئ إنما قرأ من أجل الدنيا ، ومن أتى بعبادة من أجل الدنيا ، فإنه لا حظ له منها في الآخرة ، كما قال الله تبارك وتعالى : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) (15) (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود:15-16) وإني بهذه المناسبة أوجه نصيحة إلى إخواني الذين يعتادون مثل هذا العمل ، أن يحفظوا أموالهم لأنفسهم أو لورثة الميت ، وأن يعلموا أن هذا العمل بدعة في ذاته، وأن الميت لا يصل إليه ثوابه، لأن القارئ الذي ليس له نية في قراءته إلا أخذ الأجرة، ليس له ثواب عند الله عز وجل ، وحينئذ يكون أخذ الأموال ولم ينتفع الميت بذلك.


    قراءة الفاتحة لروح النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال (63): فضيلة الشيخ، بالنسبة للذين يوصون أن تقرأ الفاتحة لروح النبي صلى الله عليه وسلم أو له عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟
    الجواب : هذه الوصية لا يلزم تنفيذها ، لأنها وصية بأمر غير مشروع ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يشرع لأحد أن يعبد الله ، ثم يجعل ثواب العبادة للرسول صلى الله عليه وسلم، لأن هذا لو كان مشروعاً لكان أسبق الناس إليه الصحابة رضي الله عنهم ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج لمثل هذا ، فإنه ما من إنسان يعمل عملاً صالحاً إلا كان للنبي صلى الله عليه وسلم مثل أجره، لأنه هو الذي دل عليه ، " والدال على الخير كفاعله"(44)، فهذا يكون من العبث ، ومن البدعة التي لم ترد عن السلف الصالح رضي الله عنهم، وكذلك لو قال : تقرأ الفاتحة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لي، فإنه لا يلزم الوفاء بهذه الوصية، لأن تخصيص مكان بعبادة معينة لم يرد بها الشرع من البدع ، كما هو معلوم في البحث عن ذكر المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام ، وأنه لا تحقق المتابعة حتى توافق العبادة الشريعة في أمور ستة : في سببها ، وجنسها ، وقدرها ، وكيفيتها، وزمانها ، ومكانها.

    ----------------------------

    (1) أخرجه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب أخذ الصدقة من الأغنياء ، رقم (1496)، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله، رقم (19).
    (2)أخرجه البخاري ، كتاب البيوع ، باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء ، رقم (2105) ، ومسلم ، كتاب اللباس ، باب لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة رقم (2107).
    (3) أخرجه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب قول الله : ( لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً) رقم (1477)، ومسلم ، كتاب الأقضية ، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة رقم (1715).
    (4) تقدم تخريجه صفحة (14)
    (5) أخرجه البخاري ، كتاب الإيمان ، باب فضل من استبرأ لدينه ، رقم (52)، ومسلم كتاب المساقاة ، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (1599).
    (6) أخرجه مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب تحريم ظلم المسلم وخذله ، رقم (2564).
    (7) أخرجه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ، رقم (8).
    (8) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز ، باب إذا أسلم الصبي فمات ، رقم (1358)، ومسلم ، كتاب القدر ، باب معنى : كل مولود يولد على الفطرة ، رقم (2658).
    (9) أخرجه البخاري ، رقم (1014)، ومسلم ، كتاب صلاة الاستسقاء ، باب الدعاء في الاستسقاء ، رقم (897).
    (10) أخرجه البخاري ، كتاب بدء الخلق ، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء ، رقم (3232، 3234)، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب في ذكر سدرة المنتهى ، رقم (173).
    (11) أخرجه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين ، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ، رقم (770).
    (12) أخرجه البخاري ، كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم ، رقم (3207)، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، رقم (164).
    (13) أخرجه الترمذي ، كتاب الزهد ، باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لو تعلمون ما أعلم .." ، رقم (2312)، وأحمد في المسند (5/173) ، وابن ماجه ، كتاب الزهد ، باب الحزن والبكاء ، رقم (4190)، وقال الترمذي : حديث حسن غريب.
    (14) أخرجه البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب قول الله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِه)، رقم (3340)، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها رقم (194).
    (15) أخرجه أحمد في المسند (5/317)، والترمذي ، كتاب القدر، رقم (2155)، وقال : غريب . وأبو داود ، كتاب السنة ، باب في القدر، رقم (4700).
    (16) أخرجه البخاري ، كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم ، رقم (3208)، ومسلم ، كتاب القدر ، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ، رقم (2643).

    (17) أخرجه البخاري ، كتاب الطب ، باب ما يذكر في الطاعون ، رقم (5729). ومسلم ، كتاب الطب ، باب الطاعون والطيرة...، رقم (2219).
    (18) أخرجه مسلم ، كتاب القدر ، باب الأمر بالقوة وترك العجز ، رقم (2664).
    (19) أخرجه البخاري ، كتاب الحيض ، باب ترك الحائض الصوم ، رقم (304) ، ومسلم كتاب الإيمان ، باب نقصان الإيمان بنقصان الطاعات ، رقم (79، 80).
    (20) أخرجه البخاري ، كتاب الأشربة ، باب قول الله تعالى : ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ )(5578)، ومسلم كتاب الإيمان ، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون رقم (57).
    (21) أخرجه مسلم ، كتاب الطب ، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان ، رقم (2230).
    (22) أخرجه الترمذي ، كتاب الطهارة، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض ، رقم (135)، وابن ماجه ، كتاب الطهارة ، باب النهي عن إتيان الحائض ، رقم (639)، وصححه العلامة أحمد شاكر في حاشيته على سنن الترمذي (1/244).
    (23) أخرجه البخاري ، كتاب الأدب ، باب قول الرجل للرجل اخسا ، رقم (6173)، ومسلم ، كتاب الفتن ، باب ذكر ابن صياد ، رقم (2925)
    (24) أخرجه البخاري ، كتاب الكسوف ، باب الصلاة في كسوف الشمس ، رقم (1040، 1041، 1042، 1043)، ومسلم ، كتاب الكسوف ، باب صلاة الكسوف ، رقم (901م).
    (25) أخرجه البخاري كتاب النكاح ، باب الخطبة، رقم (5146)، ومسلم ، كتاب الجمعة ، باب تخفيف الصلاة والخطبة ، رقم(869).
    (26) أخرجه البخاري ، كتاب بدء الخلق ، باب صفة إبليس وجنوده ، رقم (3268)، ومسلم كتاب الطب ، باب السحر ، رقم (2189).
    (27) أخرجه الترمذي كتاب النذور والأيمان ، باب ما جاء أن من حلف بغير الله فقد أشرك ، رقم (1535)، وأحمد في المسند(2/69).
    (28) أخرجه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة رقم (82).
    (29) تقدم تخريجه ص (36).
    (30) أخرجه أبو داود، كتاب السنة ، باب شرح السنة ، رقم (4596)، والترمذي ، كتاب الإيمان ، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة رقم (2640، 2641)، وابن ماجه، كتاب الفتن ، باب افتراق الأمم ، رقم (3991، 3992)، وأحمد في المسند (2/332) وهو في صحيح الجامع رقم (1083).
    (31) أخرجه البخاري ، كتاب البيوع، باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، رقم (2110)، ومسلم ، كتاب البيوع، باب الصدق في البيع والبيان، رقم (1532).
    (32) أخرجه البخاري ، كتاب المغازي ، باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب، رقم (4119)، ومسلم ، كتاب الجهاد، باب من لزمه أمر فدخل عليه أمر آخر ، رقم (1770)، والذي في مسلم "الظهر" بدل "العصر".
    (33) أخرجه أحمد في المسند (1/391)
    (34) أخرجه البخاري ، كتاب الأذان ، باب الدعاء قبل السلام ، رقم (834)، ومسلم كتاب الذكر والدعاء ، باب استحباب خفض الصوت بالذكر ، رقم (2705).
    (35) أخرجه البخاري ، كتاب المرضى ، باب تمني المريض الموت ، رقم (5671)، ومسلم ، كتاب الذكر والدعاء ، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به ، رقم (2680) بدون ذكر أوله وأخرجه كاملاً النسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر، رقم (1305)، وأحمد (4/264)
    (36) أخرجه البخاري ، كتاب الإجارة ، باب من استأجر أجيراً فترك أجره ، رقم (2272)، ومسلم ، كتاب الذكر والدعاء ، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة ، رقم (2743).
    (37) أخرجه البخاري ، كتاب الاستسقاء ، باب الدعاء إذا كثر المطر ، رقم (1021)، ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء ، باب الدعاء في الاستسقاء، رقم (897).
    (38) أخرجه البخاري ، كتاب الطب ، باب من اكتوى أو كوى غيره ، رقم (5705)، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ، رقم (220).
    (39) أخرجه البخاري ، كتاب الاستسقاء ، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا رقم (1010).
    (40) أخرجه البخاري ، كتاب العلم ، باب الحرص على الحديث ، رقم (99).
    (41) أخرجه مالك في الموطأ (2/760) كتاب الأقضية، والنسائي ، كتاب الوصايا ، باب فضل الصدقة عن الميت ، رقم (3655).
    (42) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة البغتة ، رقم (1388)، ومسلم كتاب الزكاة ، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، رقم (1004).
    (43) أخرجه مسلم ، كتاب الوصية ، باب ما يحلق الإنسان من الثواب بعد وفاته ، رقم (1631).
    (44) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الترمذي ، كتاب العلم، باب ما جاء الدال على الخير كفاعله، رقم (2670)، وفي مسلم : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"، كتاب الإمارة ، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره، رقم (1893)






  3. #3
    مراقب المضايف الاسلامية الصورة الرمزية ابو ضاري


    تاريخ التسجيل
    03 2007
    الدولة
    الجبي
    العمر
    38
    الاقامة:
    الجبي
    الجنس:
    ذكر
    المشاركات
    15,734
    مقالات المدونة
    1
    Thanks
    785
    شُكِر 518 في 160مشاركة

    معرض الأوسمه



    فتـاوى الطهارة

    حقيقة الطهارة
    السؤال(64): فضيلة الشيخ ، ما هي الطهارة؟
    الجواب : الطهارة معناها: النظافة والنزاهة ، وهي في الشرع على نوعين : طهارة معنوية، وطهارة حسية، أما الطهارة المعنوية: فهي طهارة القلوب من الشرك والبدع في عبادة الله ، ومن الغل، والحقد، والحسد، والبغضاء ، والكراهة ، وما أشبه ذلك في معاملة عباد الله الذين لا يستحقون هذا .
    أما الطهارة الحسية: فهي طهارة البدن ، وهي أيضاً نوعان: إزالة وصف يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة وإزالة الخبث.
    نتكلم أولاً عن الطهارة المعنوية : وهي طهارة القلب من الشرك والبدع فيما يتعلق بحقوق الله عز وجل ، وهذا هو أعظم الطهارتين ، ولهذا تنبني عليه جميع العبادات ، فلا تصح أي عبادة من شخص ملوث قلبه بالشرك ، ولا تصح أي بدعة يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل ، وهي مما لم يشرعه الله عز وجل ، قال الله تعالى : (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ )(التوبة: 54)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"(45).
    وعلى هذا ، فالمشرك بالله شركاً أكبر لا تقبل عبادته وإن صلى وإن صام وزكى وحج ، فمن كان يدعو غير الله عز وجل، أو يعبد غير الله فإن عبادته لله عز وجل غير مقبولة ، حتى وإن كان يتعبد لله تعالى عبادة يخلص فيها لله ، ما دام قد أشرك بالله شركاً أكبر من جهة أخرى.
    ولهذا وصف الله عز وجل المشركين بأنهم نجس ، فقال تعالى : ( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا )(التوبة: 28)، ونفى النبي صلى الله عليه وسلم النجاسة عن المؤمن ، فقال صلى الله عليه وسلم "إن لمؤمن لا ينجس"(46)، وهذا هو الذي ينبغي للمؤمن أن يعتني به عناية كبيرة ليطهر قلبه منه.
    كذلك أيضاً يطهر قلبه من الغل والحقد والحسد والبغضاء والكراهة للمؤمنين، لأن هذه كلها صفات ذميمة ليست من خلق المؤمن، فالمؤمن أخو المؤمن ، لا يكرهه ولا يعتدي عليه ، ولا يحسده، بل يتمنى الخير لأخيه كما يتمنى الخير لنفسه ، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، فقال عليه الصلاة والسلام : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(47)، ونرى كثيراً من الناس أهل خير وعبادة وتقوى وزهد ، ويكثرون التردد إلى المساجد ، ليعمروها بالقراءة والذكر والصلاة ، لكن يكون لديهم حقد على بعض إخوانهم المسلمين ، أو حسد لمن أنعم الله عليه بنعمة، وهذا يخل كثيراً فيما يسلكونه من عبادة الله سبحانه وتعالى ، فعلى كل منا أن يطهر قلبه من هذه الأدناس بالنسبة لإخوانه المسلمين.
    أما الطهارة الحسية: فهي كما قلت نوعان : إزالة وصف يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، وإزالة خبث.
    فأما إزالة الوصف : فهي رفع الحدث الأصغر والأكبر، بغسل الأعضاء الأربعة في الحدث الأصغر ، وغسل جميع البدن في الحدث الأكبر، إما بالماء لمن قدر عليه ، وإما بالتيمم لمن لم يقدر على الماء ، وفي هذا أنزل الله تعالى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة:6).
    أما النوع الثاني : فهو الطهارة من الخبث ، أي من النجاسة ، وهي كل عين أوجب الشرع على العباد أن يتنزهوا منها ويتطهروا منها، كالبول والغائط ونحوهما مما دلت السنة بل مما دلت الشريعة على نجاسته ، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله : الطهارة إما عن حدث وإما عن خبث، ويدل لهذا النوع أعني الطهارة من الخبث ما رواه أهل السنن أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ذات يوم فخلع نعليه ، فخلع الناس نعالهم ، فلما أنصرف النبي صلى الله عليه وسلم سألهم أي سأل الصحابة-: لماذا خلعوا نعالهم؟ فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذى"(48)، يعني قذراً ، فهذا هو الكلام على لفظ الطهارة .

    الأصل في التطهير
    السؤال (65): فضيلة الشيخ ، ما هو الأصل في التطهير؟
    الجواب : أما الطهارة من الحدث فالأصل فيها الماء ، ولا طهارة إلا بالماء، سواء كان الماء نقياً أم متغيراً بشيء طاهر ، لأن القول الراجح أن الماء إذا تغير بشيء طاهر وهو باق على أسم الماء، أنه لا تزول طهوريته ، بل هو طهور ، طاهر في نفسه ، مطهر لغيره.
    فإن لم يوجد الماء، أو خيف الضرر باستعماله ، فإنه يعدل عنه إلى التيمم بضرب الأرض بالكفين ، ثم مسح الوجه بهما، ومسح بعضهما ببعض ، هذا بالنسبة للطهارة من الحدث ، أما الطهارة من الخبث فإن أي مزيل يزيل ذلك الخبث من ماء أو غيره، تحصل به الطهارة ، وذلك لأن الطهارة من الخبث يقصد بها إزالة تلك العين الخبيثة بأي مزيل ، فإذا زالت هذه العين الخبيثة بماء أو بنزين أو غيره من السائلات أو الجامدات على وجه تمام، فإن هذا يكون تطهيراً لها، وبهذا نعرف الفرق بين ما يحصل به التطهير في باب الخبث ، وبين ما يحصل به التطهير في باب الحدث.

    البدل عن الأصل في التطهير
    السؤال (66): فضيلة الشيخ ، ما هو البدل عن هذا الأصل الذي هو الماء؟
    الجواب : البدل عن هذا الأصل هو التراب ، إذا تعذر استعمال الماء لعدمه أو التضرر باستعماله ، فإنه يعدل عن ذلك إلى التراب ، أي إلى التيمم، بأن يضرب الإنسان يديه على الأرض ، ثم يمسح بهما وجهه ، ويمسح بعضهما ببعض ، لكن هذا خاص في الطهارة من الحدث ، أما طهارة الخبث فليس فيها تيمم ، سواء كان على البدن، أو على الثوب ، أو على البقعة، لأن المقصود من التطهر من الخبث إزالة هذه العين الخبيثة ، وليس التعبد فيها شرطاً ، ولهذا لو زالت هذه العين الخبيثة بغير قصد من الإنسان طهر المحل. فلو نزل المطر على مكان نجس، أو على ثوب نجس ، وزالت النجاسة بما نزل من المطر ، فإن المحل يطهر بذلك ، وإن كان الإنسان ليس عنده علم بهذا ، بخلاف طهارة الحدث، فإنها عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل ، فلابد فيها من النية والقصد.
    السؤال (67): فضيلة الشيخ ، إذن لو كان على الإنسان نجاسة ، ولا يستطيع إزالتها ، فإنه لا يتيمم عنها؟
    الجواب : نعم ، إذا كان على الإنسان نجاسة وهو لا يستطيع إزالتها فإنه يصلي بحسب حاله لكن يخففها ما أمكن بالحك وما أشبه ذلك ، وإذا كانت مثلاُ في ثوب يمكنه خلعه ويستتر بغيره ، وجب عليه أن يخلعه ويستتر بغيره.

    صفة الوضوء
    السؤال (68): فضيلة الشيخ ، ما هي صفة الوضوء ؟
    الجواب : صفة الوضوء الشرعي على وجهين:
    الوجه الأول: صفة واجبة لا يصح الوضوء إلا بها ، وهي المذكورة في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ )(المائدة: 6)، فهي غسل الوجه مرة واحدة ، ومنه أي غسل الوجه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين إلى المرافق من أطراف الأصابع إلى المرافق مرة واحدة، ومسح الرأس مرة واحدة ، ومنه أي من الرأس الأذنان وغسل الرجلين إلى الكعبين مرة واحدة ، هذه هي الصفة الواجبة التي لابد منها.
    أما الوجه الثاني من صفة الوضوء: فهي الصفة المستحبة ونسوقها الآن بمعونة الله ، فهي أن يسمي الإنسان عند وضوئه ، ويغسل كفيه ثلاث مرات ، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات بثلاث غرفات ، ثم يغسل وجهه ثلاثاً ، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً ، يبدأ باليمنى ثم باليسرى ، ثم يمسح رأسه مرة واحدة ، يبدأ بمقدمه حتى يصل إلى مؤخره ، ثم يرجع حتى يصل إلى مقدمه، ثم يمسح أذنيه، فيدخل سبابته في صماخيهما، ويمسح بإبهامه ظاهرهما ، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً ، يبدأ باليمنى ثم باليسرى، ثم يقول بعد ذلك أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ، فإنه إذا فعل ذلك فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء . هكذا صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قاله عمر رضي الله عنه(49).
    السؤال (69): فضيلة الشيخ ، لكن بالنسبة للأذنين ، هل يلزم أخذ ماء خاص لهما أم مع الرأس ؟
    الجواب : لا يلزم أخذ ماء جديد للأذنين، بل ولا يستحب ، لأن جميع الواصفين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنه كان يأخذ ماء جديداً لأذنيه ، فالأفضل أن يمسح أذنيه ببقية البلل الذي بقي بعد مسح رأسه.

    نواقض الوضوء
    السؤالان (70-71 ): فضيلة الشيخ ، ما هي نواقض الوضوء ؟
    الجواب : قبل أن نذكر نواقض الوضوء ، أحب أن أنبه إلى مسألة تخفى على كثير من الناس ، وهي أن بعض الناس يظنون أن الاستنجاء أو الاستجمار من فروض الوضوء، فتجدهم يسألون كثيراً عن الرجل ينقض الوضوء في أول النهار ، ثم يؤذن أذان الظهر وهو لم ينقض وضوءه بعد ، وهو لم يتوضأ حين نقض وضوءه أولاً ، فيقول : إذا أذن الظهر هل أغسل فرجي مرة ثانية أو لا فنقول : لا تغسل فرجك، لأن غسل الفرج إنما هو لتطهيره من النجاسة عند البول أو الغائط، فإذا لم يحصل ذلك بعد التطهير الأول ، فإنه لا يطهر ، وحينئذ نعرف أنه لا علاقة بين الاستنجاء الذي هو غسل الفرج مما تلوث به من النجاسة ، وبين الوضوء، وهذه مسألة أحب أن يتنبه لها .
    أما ما يتعلق بنواقض الوضوء : وهي مفسداته ومبطلاته، فنذكر منها : الغائط ، والبول ، والريح ، والنوم ، وأكل لحم الجزور .
    فأما الغائط والبول والنوم فقد دل عليها حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه، قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا ننزع خفافنا إذا كنا سفراً ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ، ولكن من غائط وبول ونوم"(50)، وهذا تؤيده الآية الكريمة في الغائط حيث قال الله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) (النساء:43).
    وأما الريح : فلما جاء في حديث عبد الله بن زيد وأبي هريرة رضي الله عنهما ، فيمن أشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ينصرف أولا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً"(51)، وهذا دليل على أن الريح ناقض للوضوء فهذه أربعة أشياء : البول، والغائط ، والريح ، والنوم.
    ولكن النوم لا ينقض الوضوء إلا إذا كان عميقاً ، بحيث يستغرق النائم فيه، فلا يعلم عن نفسه لو خرج منه شيء ، لأن النوم مظنة الحدث، وليس حدثاً في نفسه، فإذا نعس الإنسان في صلاته أو خارج صلاته ، ولكنه يعي نفسه لو أحدث لأحس بذلك ، فإنه لا ينتقض وضوءه ولو طال نعاسه ، ولو كان متكئاً أو مستنداً أو مضطجعاً، لأن المدار ليس على الهيئة، ولكن المدار على الإحساس واليقظة ، فإذا كان هذا الناعس يحس بنفسه لو أحدث ، فإن وضوءه باق ولو كان متكئا أو مستنداً أو مضطجعاً ، وما أشبه ذلك.
    وأما الخامس من نواقض الوضوء : فهو أكل لحم الإبل : لأن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه سئل : نتوضأ من لحوم الإبل؟ قال : نعم ، وسئل عن الوضوء من لحم الغنم ؟ قال " إن شئت"(52) ، فإجابته بنعم في لحم الإبل ، وبأن شئت في لحم الغنم ، دليل على أن الوضوء من لحم الإبل ليس راجعاً إلى مشيئته، بل هو أمر مفروض عليه ، ولو لم يكن مفروضاً لكان راجعاً إلى المشيئة ، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم "إنه أمره بالوضوء من لحم الإبل"(53)، وعلى هذا فإذا أكل الإنسان لحم إبل انتقض وضوءه ، سواء كان الأكل كثيراً أم قليلاً ، وسواء كان اللحم نيئاً أو مطبوخاً ، وسواء كان اللحم من اللحم الأحمر الهبر أو من الأمعاء ، أو من الكرش ، أو من الكبد ، أو من القلب ، أو من أي شيء كان من أجزاء البدن، لأن الحديث عام لم يفرق بين لحم وآخر، والعموم في لحم الإبل كالعموم في لحم الخنزير، حين قال الله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ )(المائدة: 3)، فإن لحم الخنزير هنا يشمل كل أجزاء بدنه ، وهكذا لحم الإبل الذي سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء منه ، يشمل جميع أجزاء البدن ، وليس في الشريعة الإسلامية جسد واحد تختلف أحكامه، فيكون جزء منه له حكم وجزء منه له حكم آخر ، بل الجسم كله تتفق أجزاؤه في الحكم ، ولا سيما على القول بأن نقض الوضوء بلحم الإبل علته معلومة لنا ، وليس تعبداً محضاً.
    وعلى هذا فمن أكل لحم إبل من أي جزء من أجزاء البدن وهو على وضوء ، وجب عليه أن يجدد وضوءه ، ثم اعلم أن الإنسان إذا كان على وضوء ، ثم شك في وجود الناقض ، بأن شك هل خرج منه بول أو ريح ، أو شك في اللحم الذي أكله ، هل هو لحم إبل أو لحم غنم ، فإنه لا وضوء عليه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل، يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً"(54)، يعني حتى يتيقن ذلك ، ويدركه بحواسه إدراكاً معلوماً لا شبهة فيه ، ولأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه حتى نعلم زواله ، فالأصل أن الوضوء باق حتى نعلم زواله وانتقاضه.
    السؤال (72): فضيلة الشيخ ، ولكن بالنسبة للنوم هل هناك فرق بين نوم الليل ونوم النهار؟
    الجواب : ليس هناك فرق بين نوم الليل والنهار ، لأن العلة واحدة وهي زوال الإحساس ، وكون الإنسان لا يحس بنفسه لو خرج منه شيء .

    موجبات الغسل
    السؤال (73): فضيلة الشيخ ، ما هي موجبات الغسل ؟ وما صفته ؟
    الجواب : أما صفة الغسل فعلى وجهين : صفة واجبة وهي أن يعم بدنه كله بالماء ، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق، فإذا عمم بدنه بالماء على أي وجه كان ، فقد ارتفع عنه الحدث الأكبر ، والوجه الثاني : صفة كاملة ، وهي أن يغتسل كما اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا اغتسل من الجنابة ، فإنه يغسل كفيه ، ثم يغسل فرجه، وما تلوث من الجنابة، ثم يتوضأ وضوءاً كاملاً، على صفة ما ذكرنا في الوضوء ، ثم يغسل رأسه بالماء ثلاثاً تروية، ثم يغسل بقية بدنه، هذه صفة الغسل.
    أما موجبات الغسل فمنها : إنزال المني بشهوة يقظة أو مناماً لكنه في المنام يجب عليه الغسل وإن لم يحس بالشهوة ، لأن النائم قد يحتلم ولا يحس بنفسه ، فإذا خرج منه المني بشهوة وجب عليه الغسل بكل حال.
    الثاني : الجماع ، فإذا جامع الرجل زوجته وجب عليه الغسل، والجماع يكون بأن يولج الحشفة في فرجها ، فإذا أولج الحشفة في فرجها فعليه الغسل، لقول النبي صلى عليه وسلم عن الأول : " الماء من الماء"(55) ، يعني أن الغسل يجب من الإنزال ، وقوله عن الثاني : " إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها ، فقد وجب الغسل وإن لم ينزل"(56) .
    وهذه المسألة أعني الجماع بدون إنزال يخفى حكمها على كثير من الناس، حتى إن بعض الناس تمضي عليه الأسابيع أو الشهور ، وهو يجامع زوجته بدون إنزال ولا يغتسل جهلاً منه، وهذا أمر له خطورته ، فالواجب على الإنسان أن يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن الإنسان إذا جامع زوجته وإن لم ينزل ، وجب الغسل عليه وعليها ، للحديث الذي أشرنا إليه آنفاً.
    ومن موجبات الغسل: خروج دم الحيض والنفاس ، فإن المرأة إذا حاضت ثم طهرت ، وجب عليها الغسل ، لقول الله تعالى : ( فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ )(البقرة: 222).
    ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة إذا جلست قدر حيضها أن تغتسل (57)والنفساء مثلها ، فيجب عليها أن تغتسل.
    وصفة الغسل من الحيض والنفاس كصفة الغسل من الجنابة، إلا أن بعض أهل العلم استحب في غسل الحائض ، أن تغتسل بالسدر، لأن ذلك أبلغ في نظافتها وتطهيرها.
    وذكر بعض العلماء أيضاً من موجبات الغسل : الموت، مستدلين بقول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي كن يغسلن ابنته: " اغسلنها ثلاثاً ، أو خمساً ، أو سبعاً ، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك"(58) ، وقوله صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته راحلته بعرفة وهو محرم : "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين"(59)، فقالوا : إن الموت موجب للغسل ، ولكن الوجوب هنا يتعلق بالحي ، لأن الميت انقطع تكليفه بموته.
    ومعنى يتعلق بالحي ، أن الحي هو الذي يوجه إليه الأمر بأن يغسل الميت، فالميت هو الذي يغسل، والحي هو الذي يغسله، فعلى الأحياء أن يقوموا بما وجب عليهم من تغسيل موتاهم ، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

    حكم المسح على الخفين وشروطه
    السؤال (74): فضيلة الشيخ ، ما هو حكم المسح على الخفين وشروط ذلك؟
    الجواب : المسح على الخفين مما تواترت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قيل :
    مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب
    ورؤية شفاعة والحـوض ومسح خفين وهذي بعض
    بل دل عليه القرآن في قوله تعالى : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ )(المائدة: 6)، على قراءة الجر، وهي قراءة صحيحة سبعية ، ووجه ذلك أن قوله : (وَأَرْجُلَكُمْ) ، بالجر ، معطوف على قوله( بِرُؤُوسِكُمْ) والعامل في قوله ( بِرُؤُوسِكُمْ) قوله (امْسَحُوا) وعلى هذا فيكون المعنى: " امسحوا برؤوسكم وامسحوا بأرجلكم"، ومن المعلوم أن المسح مناقض للغسل، فلا يمكن أن نقول : إن الآية دالة على وجوب الغسل الدال عليه قراءة النصب (وَأَرْجُلَكُمْ) ، ووجوب المسح في حال واحدة، بل تتنزل الآية على حالين ، والسنة بينت هاتين الحالين ، فبينت أن الغسل يكون للرجلين إذا كانتا مكشوفتين ، وأن المسح يكون لهما إذا كانتا مستورتين بالجوارب والخفين ، وهذا الاستدلال ظاهر لمن تأمله.
    على كل حال ، المسح على الخفين وعلى الجوارب وهي ما يسمى بالشراب ثابت ثبوتاً لا مجال للشك فيه ، ولهذا قال الإمام أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء ، يعني ليس عندي فيه شك بوجه من الوجوه ، ولكن لابد من شروط لهذا المسح:
    الشرط الأول : أن يلبسهما على طهارة ، ودليله : حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ، قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فتوضأ ، فأهويت لأنزع خفيه، فقال : "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين"(60) ومسح عليها، فإن لبسهما على غير طهارة وجب عليه أن يخلعهما عند الوضوء ليغسل قدميه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل عدم خلعهما عند الوضوء ومسح عليهما ، علله بأنه لبسهما على طهارة : "أدخلتهما طاهرتين".
    الشرط الثاني : أن يكون ذلك في المدة المحددة شرعاً ، وهي يوم وليلة للمقيم ، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر ، وتبتدئ هذه المدة من أول مرة مسح بعد الحدث إلى آخر المدة فكل مدة مضت قبل المسح فهي غير محسوبة على الإنسان ، حتى لو بقي يومين أو ثلاثة على الطهارة التي لبس فيها الخفين أو الجوارب، فإن هذه المدة لا تحسب، لا يحسب له إلا من ابتداء المسح أول مرة إلى أن تنتهي المدة، وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر ، كما ذكرناها آنفاً.
    مثال ذلك : رجل لبس الخفين أو الجوارب حين توضأ لصلاة الفجر من يوم الأحد ، وبقي على طهارته إلى أن صلى العشاء ، ثم نام، ولما استيقظ لصلاة الفجر يوم الاثنين مسح عليهما ، فتبتدئ المدة من مسحه لصلاة الفجر يوم الاثنين ، لأن هذا أول مرة مسح بعد حدثه ، وتنتهي بانتهاء المدة التي ذكرناها آنفاً.
    الشرط الثالث : أن يكون ذلك في الحدث الأصغر لا في الجنابة ، فإن كان في الجنابة فإنه لا مسح ، بل يجب عليه أن يخلع الخفين ويغسل جميع بدنه، لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال : " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ، ولكن من غائط وبول ونوم"(61)، وثبت في صحيح مسلم من حديث علي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المسح " يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر"(62).
    فهذه الشروط الثلاثة لابد منها لجواز المسح على الخفين ، وهناك شروط أخرى اختلف فيها أهل العلم ، ولكن القاعدة التي تبنى عليها الأحكام : أن الأصل براءة الذمة من كل ما يقال من شرط أو موجب أو مانع، حتى يقوم عليه الدليل.




  4. #4
    مراقب المضايف الاسلامية الصورة الرمزية ابو ضاري


    تاريخ التسجيل
    03 2007
    الدولة
    الجبي
    العمر
    38
    الاقامة:
    الجبي
    الجنس:
    ذكر
    المشاركات
    15,734
    مقالات المدونة
    1
    Thanks
    785
    شُكِر 518 في 160مشاركة

    معرض الأوسمه



    شروط الممسوح عليه
    السؤال (75): فضيلة الشيخ ، لكن هل هناك شروط تتعلق بالممسوح عليه من خف وجورب؟
    الجواب : ليس فيه شروط ، اللهم إلا أن يكون طاهراً ، فإنه إذا كان نجساً لا يمسح عليه ، فلو اتخذ الإنسان خفا من جلد نجس ، كجلد الكلاب والسباع ، فإنه لا يجوز المسح عليه ، لأنه نجس ، والنجاسة لا يجوز حملها في الصلاة ، ولأن النجس لا يزد مسحه إلا تلويثاً.

    حكم المسح على الجوارب
    السؤال (76): فضيلة الشيخ ، ما حكم المسح على الجورب أو الخف المخروق أو الجورب الخفيف؟
    الجواب : القول الراجح أنه يجوز المسح على ذلك ، أي على الجورب المخرق ، والجورب الخفيف الذي ترى من ورائه البشرة ، لأنه ليس المقصود من جواز المسح على الجورب ونحوه أن يكون ساتراً ، فإن الرجل ليست عورة يجب سترها ، وإنما المقصود الرخصة على المكلف ، والتسهيل عليه ، بحيث لا نلزمه بخلع هذا الجورب أو الخف عند الوضوء ، بل نقول : يكفيك أن تمسح عليه ، هذه هي العلة التي من أجلها شرع المسح على الخفين ، وهذه العلة كما ترى يستوي فيها الخف أو الجورب المخرق ، والسليم، والخفيف ، والثقيل.

    هل موجبات الغسل من نواقض الوضوء؟
    السؤال (77): فضيلة الشيخ ، هل موجبات الغسل تعد من نواقض الوضوء أم لا؟
    الجواب : المشهور عند فقهائنا رحمهم الله : أن كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت ، وبناء على ذلك فإنه لابد لمن اغتسل من موجبات الغسل أن ينوي الوضوء، فإما أن يتوضأ وإما أن يكفي الغسل بالنيتين، وذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أن نية الاغتسال من الحدث الأكبر تغني عن نية الوضوء لأن الله عز وجل قال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى..) إلى آخره (المائدة:6) ، فلم يذكر الله تعالى في حال الجنابة إلا الإطهار يعني التطهر ، ولم يذكر الوضوء ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل حين أعطاه الماء ليغتسل قال : " أذهب فافرغه عليك"(63)، ولم يذكر له الوضوء أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين في حديث طويل.
    وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية أقرب إلى الصواب ، وهي أن من عليه حدث أكبر إذا نوى الأكبر ، فإنه يجزئ عن الأصغر.
    وبناء على هذا فإن موجبات الغسل منفردة عن نواقض الوضوء .

    الأحكام المتعلقة بالجنابة
    السؤال (78): فضيلة الشيخ ، ذكرتم من موجبات الغسل الجنابة ، فما هي الأحكام المتعلقة بالجنابة؟
    الجواب : الأحكام المتعلقة بالجنابة هي :
    أولاً : أن الجنب تحرم عليه الصلاة ، فرضها ، ونفلها ، حتى صلاة الجنازة .
    ثانياً : يحرم عليه الطواف بالبيت
    ثالثاً : يحرم عليه مس المصحف
    رابعاً : يحرم عليه المكث في المسجد إلا بوضوء
    خامساً: يحرم عليه قراءة القرآن حتى يغتسل
    هذه هي أحكام خمسة تتعلق بمن عليه جنابة .

    تأثير الشك في الطهارة
    السؤال (79): فضيلة الشيخ ، أيضاً مما يتعلق بالطهارة الشك فيها ، فما هو الشك في الطهارة ، ومتى يكون مؤثراً؟
    الجواب : الشك في الطهارة نوعان :
    أحدهما : شك في وجودها بعد تحقق الحدث.
    والثاني : شك في زوالها بعد تحقق الطهارة
    أما الأول : وهو الشك في وجودها بعد تحقق الحدث، فأن يشك الإنسان هل توضأ أم لم يتوضأ، وهو يعتقد أنه أحدث لكن يشك هل توضأ أم لا ، ففي هذه الحال نقول : ابن على الأصل ، وهو أنك لم تتوضأ، ويجب عليك الوضوء .
    مثال ذلك : رجل شك عند أذان الظهر هل توضأ بعد نقض وضوئه في الضحى أم لم يتوضأ، يعني أنه نقض الوضوء في الساعة العاشرة مثلاً ، ثم عند أذان الظهر شك ، هل توضأ حين نقض وضوءه أم لا ، فنقول له : ابن على الأصل ، وهو أنك لم تتوضأ ، ويجب عليك أن تتوضأ.
    أما النوع الثاني : وهو الشك في انتقاض الطهارة بعد وجودها ، فإننا نقول أيضاً: ابن على الأصل ، ولا تعتبر نفسك ناقضاً للوضوء.
    مثاله: رجل توضأ في الساعة العاشرة ، فلما حان وقت الظهر شك ، هل انقض وضوءه أم لا ، فنقول له : إنك على وضوئك، ولا يلزمك الوضوء حينئذ، وذلك لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه ، ويشهد لهذا الأصل قول النبي صلى الله عليه وسلم فيمن وجد في بطنه شيئاً فأشكل عليه : أخرج منه شيء أم لا ؟ " لا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً"(64).
    وأما الشك في فعل أو الشك في أجزاء الطهارة ، مثل أن يشك الإنسان هل غسل وجهه في وضوئه أم لا ، وهل غسل يديه أم لا ، وما أشبه ذلك ، فهذا لا يخلو من أحوال أربعة :
    الحال الأولى : أن يكون مجرد وهم طرأ على قلبه أنه : هل غسل يديه أم لم يغسلهما ، وهماً ليس له مرجح ، ولا تساوى عنده الأمران ، بل هو مجرد شيء خطر في قلبه ، لهذا لا يهتم به ، ولا يلتفت إليه.
    الحال الثانية : أن يكون كثير الشكوك ، كلما توضأ شك ، إذا كان الآن يغسل قدميه شك هل مسح رأسه أم لا؟ هل مسح أذنيه أم لا؟ هل غسل يديه أم لا؟ فهو كثير الشكوك ، هذا أيضاً لا يلتفت إلى الشك ولا يهتم به.
    أما الحال الثالثة : أن يقع الشك بعد فراغه من الوضوء فإذا فرغ من وضوئه شك ، هل غسل يديه أم لا ؟ أو هل مسح رأسه، أو هل مسح أذنيه ، فهذا أيضاً لا يلتفت إليه ، إلا إذا تيقن أنه لم يغسل ذلك العضو المشكوك فيه ، فيبني على يقينه.
    هذه ثلاث حالات لا يلتفت إليها في الشك. الحال الأولى : الوهم . الحال الثانية : أن يكون كثير الشكوك، الحال الثالثة: أن يكون الشك بعد الفراغ من العبادة، أي بعد فراغ الوضوء.
    أما الحال الرابعة : فهي أن يكون الشك شكا حقيقياً، وليس كثير الشكوك ، وحصل قبل أن يفرغ من العبادة ، ففي هذه الحال يجب عليه أن يبني على اليقين وهو العدم ، أي أنه لم يغسل ذلك العضو الذي شك فيه ، فيرجع إليه ويغسله وما بعده، مثاله : لو شك وهو يمسح رأسه ، هل تمضمض واستنشق أم لا ، وهو ليس كثير الشكوك ، وهو شك حقيقي ليس وهماً ، نقول له الآن : ارجع فتمضمض واستنشق، ثم اغسل يديك، ثم امسح رأسك وإنما أوجبنا عليه غسل اليدين مع أنه غسلهما من أجل الترتيب لأن الترتيب بين أعضاء الوضوء واجب ، كما ذكر الله تعالى ذلك مرتباً ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام حين أقبل على الصفا : " ابدأ بما بدأ الله به"(65)، هذا هو حال الشك في الطهارة .


    أنواع النجاسات الحكمية ومفهومها
    السؤال (80): فضيلة الشيخ ، ما هي النجاسات الحكمية من حيث المفهوم والأنواع؟
    الجواب : النجاسات الحكمية هي النجاسة الواردة على محل طاهر ، فهذه يجب علينا أن نغسلها ، وأن ننظف المحل الطاهر منها ، فيما إذا كان الأمر يقتضي الطهارة ، وكيفية تطهيرها، أو تطهير ما أصابته النجاسة تختلف بحسب الموضع، فإذا كانت النجاسة على الأرض ، فإنه يكتفي بصب الماء عليها بعد إزالة عينها إن كانت ذات جرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة حين بال الرجل في طائفة المسجد- أي في جانب منه قال لهم "دعوه ، وهريقوا على بوله سجلاً من ماء"(66)، فإذا كانت النجاسة على الأرض، فإن كانت ذات جرم أزلنا جرمها أولاً، ثم صببنا الماء عليها مرة واحدة ويكفي.
    ثانياً: إذا كانت النجاسة على غير الأرض ، وهي نجاسة كلب ، فإنه لابد لتطهيرها من سبع غسلات، إحداها بالتراب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب"(67).
    ثالثاً : إذا كانت النجاسة على غير الأرض ، وليست نجاسة كلب، فإن القول الراجح أنها تطهر بزوالها على أي حال كان سواء زالت بأول غسلة ، أو بالغسلة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة ، أو الخامسة ، المهم متى زالت عين النجاسة فإنها تطهر ، لكن إذا كانت النجاسة بول غلام صغير لم يأكل الطعام، فإنه يكفي أن تغمر بالماء الذي يستوعب المحل النجس، وهو ما يعرف عند العلماء بالنضح، ولا يحتاج إلى غسل ودلك ، لأن نجاسة بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام نجاسة مخففة.

    الأحكام المتعلقة بالحيض والنفاس
    السؤال (81): فضيلة الشيخ ، ما هي الأحكام المتعلقة بالحيض والنفاس؟
    الجواب : الحيض قال أهل العلم : إنه دم طبيعة وجبلة يعتاد الأنثى إذا صلحت للحمل في أيام معلومة. وقالوا : إن الله عز وجل خلقه لغذاء الولد في بطن الأم، ولهذا إذا حملت المرأة انقطع عنها الحيض غالباً، ثم إن هذا الحيض الطبيعي إذا أصاب المرأة تعلق به أحكام كثيرة، منها: تحريم الصلاة والصيام ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم"(68) ، فلا يحل للمرأة أن تصوم ولا أن تصلي وهي حائض ، فإن فعلت فهي آثمة، وصومها وصلاتها مردودان عليها.
    ثانياً : يحرم عليها الطواف بالبيت ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة حين حاضت: " افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت"(69) ، ولما ذكر له أن صفية بنت حيي قد حاضت، قال : " أحابستنا هي؟" لأنه ظن أنها لم تطف طواف الإفاضة، فقالوا: إنها قد أفاضت ، فقال : "اخرجوا"(70)، ومن هذا الحديث نستفيد أن المرأة إذا طافت طواف الإفاضة وهو طواف الحج ، ثم أتاها الحيض بعد ذلك، فإن نسكها يتم ، حتى لو حاضت بعد طواف الإفاضة وقبل السعي ، فإن نسكها يتم، لأن السعي يصح من المرأة الحائض.
    ونستفيد أيضاً من هذا الحديث أن طواف الوداع يسقط عن المرأة الحائض ، كما جاء ذلك صريحاً في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض"(71).
    يحرم على الحائض أيضاً الجماع، فلا يحل للرجل أن يجامع زوجته وهي حائض، لقول الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) (البقرة:222)، والآية الكريمة تفيد أنه يحرم على الإنسان أن يطأ زوجته وهي حائض ، وأنها إذا طهرت لا يطأها أيضاً حتى تغتسل لقوله : (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني اغتسلن ، فإن الإطهار بمعنى الاغتسال ، لقوله تعالى: ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا )(المائدة: 6) .
    ولكن يجوز للإنسان أن يباشر زوجته وهي حائض ، وأن يستمتع منها بما دون الفرج ، وهذا يخفف من حدة الشهوة بالنسبة للإنسان الذي لا يستطيع الصبر عن أهله مدة أيام الحيض ، فإنه يتمكن من الاستمتاع بها فيما عدا الوطء في الفرج، أما الوطء في الدبر فهو حرام بكل حال، سواء كانت امرأته حائضاً أم غير حائض.
    ومن الأحكام التي تترب على الحيض : أن المرأة إذا طهرت في وقت الصلاة فإنه يجب عليها أن تبادر بالاغتسال لتصلي الصلاة قبل خروج وقتها، فإذا طهرت مثلاً بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وجب عليها أن تغتسل ، حتى تصلي صلاة الفجر في وقتها، وبعض الناس يتهاون في هذا الأمر ، فتجدها تطهر في الوقت ، ولكن تسوف ولا سيما في أيام الشتاء ، تسوف وتتهاون حتى يخرج الوقت ، وهذا حرام عليها و يحل لها ، بل الواجب : أن تغتسل لتصلي الصلاة في وقتها.
    وأوقات الصلوات معلومة لعامة الناس : وهي في الفجر من طلوع الفجر حتى تطلع الشمس ، وفي وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله يعني طوله وفي العصر من هذا الوقت إلى أن تصفر الشمس ، وهذا وقت الاختيار، وإلى أن تغرب وهذا وقت الضرورة، وفي المغرب من غروب الشمس إلى مغرب الشمس الأحمر ، وفي العشاء من مغرب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل، وما بعد منتصف الليل فهو وقت لا تصلى فيه العشاء لأن وقتها قد خرج، إلا إذا كان الإنسان قد نام أو نسي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"(72).
    وليعلم أن الأصل في الدم الذي يصيب المرأة إذا كانت في سن الحيض أن يكون حيضاً ، حتى يأتي ما يخرجه عن هذا الأصل ، والذي يخرجه عن هذا الأصل، أن نعلم أن هذا الدم خرج من عرق وليس دم الطبيعة، مثل أن يكون ذلك إثر عملية أجرتها المرأة، أو يكون هذا الشيء لروعة أصابتها، أو نحو هذا من الأسباب التي توجب خروج الدم غير الطبيعي ، فإنها في هذه الحال لا تعتبر هذا الدم دم حيض ، وكذلك إذا أطبق عليها الدم وكثر حتى استغرق أكثر المدة من الشهر، فإنها في هذه الحال تكون مستحاضة ، وترجع إلى عادتها التي كانت عليها قبل حصول هذه الاستحاضة ، فتجلس مدة عادتها ثم تغتسل وتصلي ، ولو كان الدم يجري.
    ومما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس : أنه لا يجوز للرجل أن يطلق المرأة وهي حائض ، فإن فعل فهو آثم وعليه أن يردها إلى عصمته ، حتى يطلقها وهي طاهر طهراً لم يجامعها فيه ، لأنه ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض ، فذكر عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً"(73).
    وكثير من الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية يتسرعون في هذا الأمر، فيطلق زوجته وهي حائض ، أو يطلقها في طهر جامعها فيه ، قبل أن يتبين حملها ، وكل هذا حرام يجب على المرء أن يتوب إلى الله منه ، وأن يعيد امرأته التي طلقها على هذه الحال.
    ومما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس: أن المرأة النفساء إذا طهرت قبل أربعين يوماً، فإنه يجب عليها أن تغتسل وتصلي وتصوم إذا كان ذلك في رمضان ، لأنها إذا طهرت ولو في أثناء الأربعين صار لها حكم الطاهرات ، حتى بالنسبة للجماع، فإنه يجوز لزوجها أن يجامعها وإن لم تتم أربعين ، لأنه إذا جازت لها الصلاة جاز الوطء من باب أولى .
    ومما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس : كما أشرنا إليه سابقاً وجوب الغسل على الحائض والنفساء إذا طهرتا من الحيض والنفاس ، وأحكام الحيض والنفاس كثيرة جداً ، ونقتصر منها على هذا القدر ولعل فيه كفاية إن شاء الله تعالى.


    المرأة إذا لم ينزل منها دم
    السؤال (82): فضيلة الشيخ، بالنسبة للمرأة إذا طهرت من النفاس أو إذا لم ينزل منها الدم فهل تعتبر نفساء؟
    الجواب : إذا لم ينزل منها دم في حال النفاس ، فإنها ليست نفساء ، ولا يلزمها شيء، لا يلزمها غسل ، ولا يحرم عليها صلاة ولا صيام.

    حكم أخذ حبوب منع الحيض أثناء الحج
    السؤال (83): فضيلة الشيخ ، هل يجوز للمرأة أن تأخذ ما يمنع عنها الحيض أثناء حجها حتى تتمكن من أداء الحج ، كالحبوب المانعة للحمل أو أي نوع من أنواع ما يتطبب به؟
    الجواب : الأصل في هذا الجواز ، وأنه يجوز للمرأة أن تأخذ ما يمنع الحيض إذا كان ذلك بإذن زوجها ، ولكن بلغني عن بعض الأطباء أن هذه الحبوب المانعة من نزل الحيض ضارة جداً على المرأة ،ضارة للرحم والأعصاب والدم وغير ذلك، حتى قال لي بعضهم : إنه إذا استعملتها امرأة بكر فإنه يكون موجباً للعقم ، فتكون هذه المرأة عقيمة، وهذا خطر عظيم ، وما قاله بعض الأطباء ليس ببعيد ، لأن الدم أعني دم الحيض دم طبيعة ، فإذا حاول الإنسان أن يمنعه بهذه العقاقير ، فقد حاول مخالفة الطبيعة ، ولا شك أن مخالفة الطبيعة مضر على البدن ، لأنه يقتضي أن ينحبس هذا الدم عن وقت خروجه الذي كان من طبيعة المرأة، لهذا أنصح جميع نسائنا في هذه المسألة بأن يدعن هذه الحبوب في رمضان وفي غير رمضان.
    لكن في مسألة الحج والعمرة، ربما تدعو الحاجة أو الضرورة إلى استعمال هذه الحبوب وهو استعمال مؤقت ، وربما لا تعود المرأة إليه مدى عمرها، فمثل هذا أرجو ألا يكون فيه بأس ولا ضرر.

    إذا ثبت ضرر الحبوب فما حكمها؟
    السؤال (84): فضيلة الشيخ ، لكن إذا ثبت ضررها فما حكمها؟
    الجواب : إذا ثبت ضررها فمعلوم أن كل ما تحقق ضرره فإنه لا يجوز للإنسان أن يتناوله، لأن الله عز وجل يقول ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)(النساء:29) ، وقد استدل عمرو بن العاص بهذه الآية ، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم : "أصليت بأصحابك وأنت جنب" وكان رضي الله عنه قد أجنب في ليلة باردة ، فتيمم وصلى بأصحابه ، فلما قال له النبي عليه الصلاة والسلام : "أصليت بأصحابك وأنت جنب" قال: يا رسول الله، ذكرت قول الله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) فتبسم النبي صلى الله عليه وسلمأو ضحك ، وأقره على هذا(74) . وهذا يدل على أن كل ما يكون فيه ضرر على بدن الإنسان ، فإنه لا يجوز له أن يتناوله.

    ---------------------------

    (45) أخرجه مسلم ، كتاب الأقضية ، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور ، رقم (1718).
    (46) أخرجه البخاري ، كتاب الغسل ، باب عرق الجنب وأن المؤمن لا ينجس ، رقم (283)، ومسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على أن المسلم لا ينجس ، رقم (371).
    (47) أخرجه البخاري ، كتاب الإيمان ، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، رقم (13)، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب نفي الإيمان عمن لا يحب لأخيه وجاره ما يحب لنفسه، رقم (45).
    (48) أخرجه أبو داود ، كتاب الصلاة ، باب الصلاة في النعل، رقم (650)، وأحمد في المسند(3/411).
    (49) حديث: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل أيها شاء".
    (50) أخرجه الترمذي ، كتاب الطهارة، باب في المسح على الخفين ، رقم (96)، والنسائي ، كتاب الطهارة ، باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر ، رقم (127)، وابن ماجه ، كتاب الطهارة ، باب الوضوء من النوم ، رقم (478)، وأحمد في "المسند" (4/239، 240) وقال الترمذي : حسن صحيح.
    (1)أخرجه الترمذي كتاب الطهارة ، باب فبما بقال بعد الوضوء، رقم (55)، وقال الترمذي : وهذا حديث في إسناده اضطراب ولا يصح عن النبي صلي الله عليه وسلم .
    في هذا الباب كبير شيء .اهـ.وانظر بحث الشيخ أحمد شاكر حول هذا الحديث في الحاشية (1/78-83).
    (51) أخرجه البخاري ، كتاب الوضوء ، باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن ، رقم (137)، ومسلم ، كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ، ثم شك في الحدث، رقم (361).
    (52) أخرجه مسلم ، كتاب الحيض ، باب الوضوء من لحوم الإبل ، رقم (360).
    (53) أخرجه أبو داود ، كتاب الطهارة ، باب الوضوء من لحوم الإبل ، رقم (184)، والترمذي ، كتاب الطهارة ، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل ، رقم (81)، وأحمد في المسند (4/288) وصححه الألباني في الإرواء (1/152).
    (54) تقدم تخريجه ص (58).
    (55) أخرجه مسلم ، كتاب الحيض ، باب إنما الماء من الماء رقم (343).
    (56) أخرجه البخاري ، كتاب الغسل ، باب إذا التقى الختانان ، رقم (291) ومسلم ، كتاب الحيض ، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين ، رقم (348).
    (57) أخرجه مسلم ، كتاب الحيض ، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، رقم (334).
    (58) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز ، باب غسل الميت ووضوئه بالماء ، رقم 1253)، ومسلم ، كتاب الجنائز ، باب في غسل الميت ، رقم (939).
    (59) أخرجه البخاري ، كتاب الجنائز ، باب الكفن في ثوبين ، رقم (1265)، ومسلم ، كتاب الحج ، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات ، رقم (1206).
    (60) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء ، باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان ، رقم (206)، ومسلم ، كتاب الطهارة ، باب المسح على الخفين، رقم (274).
    (61) تقدم تخريجه ص(57).
    (62) أخرجه مسلم ، كتاب الطهارة ، باب التوقيت في المسح على الخفين ، رقم (276).
    (63) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري ، كتاب التيمم ، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم ، رقم (344).
    (64) تقدم تخريجه ص(58)
    (65) أخرجه مسلم ، كتاب الحج ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم (1218)، وهو جزء من حديث جابر العظيم في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم.
    (66) أخرجه البخاري ، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، رقم (220).
    (67) الحديث متفق عليه بدون قوله: "إحداهن بالتراب". أخرجه البخاري رقم (172) كتاب الوضوء، باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، رقم (172). ولفظه " إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً". ومسلم، كتاب الطهارة ، باب حكم ولوغ الكلب ، رقم )279)، وفيه "أولاهن بالتراب".أما رواية إحداهن بالتراب فأخرجها النسائي في السنن الكبرى (1/78).
    (68) أخرجه البخاري ، كتاب الحيض ، باب ترك الحائض الصوم ، رقم (304).
    (69) أخرجه البخاري ، كتاب الحيض ، بلب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ، رقم (305)، ومسلم ، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام ، رقم (1211).
    (70) أخرجه البخاري ، كتاب الحج ، باب الزيارة يوم النحر ، رقم (1733)، ومسلم ، كتاب الحج ، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض ، رقم (1211م).
    (71) أخرجه البخاري ، كتاب الحج ، باب طواف الوداع ، رقم (1755)، ومسلم ، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض ، رقم (1328).
    (72) أخرجه البخاري ، كتاب مواقيت الصلاة ، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ، رقم (597)، ومسلم ، كتاب المساجد ، باب قضاء الصلاة الفائتة ، رقم (684)، واللفظ له
    (73) أخرجه مسلم ، كتاب الطلاق ، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ، رقم (1471).
    (74) أخرجه أبو داود ، كتاب الطهارة ، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم ، رقم (334).




  5. #5
    مـسـيّـر الصورة الرمزية الحور العين


    تاريخ التسجيل
    11 2010
    الجنس:
    انثى
    المشاركات
    7
    Thanks
    0
    شُكِر 0 في 0مشاركة


    جـــــــــــــــزاك الله كل الخير على هذا العمل الطيب...

    اتمنــــــــــى من كل قلبي ان يقرا باقي الاعضاء هذا الموضوع ، انا في السنة الثانية من كلية الدراسات الاسلامية ولكن استفدت كثيرا من قرائتي فالدين كلما خاض فيه الانسان ماوصل الا لقليله.

    سبحانه كيف اتاح لنا سبل العبادة والله يخجل المرء مما يسهله لنا ديننا وما يقابله من بني ادم سبحانه .

    انواع التوسل:

    اقرا اخي المسلم واختي المسلمة هذا الجانب يخونني التعبير والله مما احاول ان ابينه من عظمة الاله.


    والتنجيم ومايتعلق بالسحر فقد شاع في مجتمعنا والعياذ بالله حتى قنوات التلفاز بدات تنشره بصورة مباشرة.

    اخيرا جعله الله في ميزان حسناتك.

    اتمنى من باقي الاعضاء ان يضع تعليق بسيط بعد قراءة اي موضوع حتى ياخذه حقه ويستفيد ويفيد ايضا.




  6. #6
    مراقب المضايف الاسلامية الصورة الرمزية ابو ضاري


    تاريخ التسجيل
    03 2007
    الدولة
    الجبي
    العمر
    38
    الاقامة:
    الجبي
    الجنس:
    ذكر
    المشاركات
    15,734
    مقالات المدونة
    1
    Thanks
    785
    شُكِر 518 في 160مشاركة

    معرض الأوسمه



    بارك الله فيك

    والله يوفقك في دراستك

    وبيض الله وجهتس على هذه الرد الجميل




  7. #7
    مراقب المضايف الاسلامية الصورة الرمزية ابو ضاري


    تاريخ التسجيل
    03 2007
    الدولة
    الجبي
    العمر
    38
    الاقامة:
    الجبي
    الجنس:
    ذكر
    المشاركات
    15,734
    مقالات المدونة
    1
    Thanks
    785
    شُكِر 518 في 160مشاركة

    معرض الأوسمه



    فتاوى الصلاة

    حكم الصلاة وأهميتها
    السؤال (85): فضيلة الشيخ ، ما حكم الصلاة؟ وما أهميتها؟
    الجواب : الصلاة من آكد أركان الإسلام بل هي الركن الثاني بعد الشهادتين ، وهي آكد أعمال الجوارح ، وهي عمود الإسلام ، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "عموده الصلاة"(75) ، يعني الإسلام ، وقد فرضها الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى مكان وصل إليه البشر، وفي أفضل ليلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبدون واسطة أحد، وفرضها الله عز وجل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم خمسين مرة في اليوم والليلة، ولكن الله سبحانه وتعالى خفف على عباده، حتى صارت خمساً بالفعل وخمسين في الميزان، وهذا يدل على أهميتها، ومحبة الله لها ، وأنها جديرة بأن يصرف الإنسان شيئاً كثيراً من وقته فيها، ولهذا دل على فرضيتها: الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
    ففي الكتاب: يقول الله عز وجل (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء:103)، معنى كتاباً: أي مكتوباً ، أي مفروضاً، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : "أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة"(76) ، وأجمع المسلمون على فرضيتها ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن الإنسان إذا جحد فرض الصلوات الخمس ، أو فرض واحدة منها فهو كافر مرتد عن الإسلام ، يباح دمه وماله ،إلا أن يتوب إلى الله عز وجل، ما لم يكن حديث عهد بإسلام ، لا يعرف عن شعائر الإسلام شيئاً ، فإنه يعذر بجهله في هذه الحال ، ثم يعرف فإن أصر بعد علمه بوجوبها على إنكار فرضيتها فهو كافر.
    إذا فالصلاة من أفرض الفرائض في دين الإسلام.

    على من تجب الصلاة
    السؤال (86): فضيلة الشيخ ، على من تجب الصلاة؟
    الجواب : تجب على كل مسلم بالغ عاقل ، من ذكر أو أنثى .
    فالمسلم : ضده الكافر، فإن الكافر لا تجب عليه الصلاة ، بمعنى أنه لا يلزم بأدائها حال كفره، ولا بقضائها إذا أسلم ، لكنه يعاقب عليها يوم القيامة ، كما قال الله تعالى : (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) (39) (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ) (40) (عَنِ الْمُجْرِمِينَ) (41) (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (42) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (43) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (44) (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (45) (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (المدثر:39-46) ،فقولهم : (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) يدل على أنهم عوقبوا على ترك الصلاة.
    وأما البالغ: فهو الذي حصل له واحدة من علامات البلوغ ، وهي ثلاث بالنسبة للرجل، وأربع بالنسبة للمرأة. إحداها : تمام خمس عشرة سنة . والثانية : إنزال المني بلذة يقظة كان أم مناماً. والثالثة : إنبات العانة ، وهي الشعر الخشن حول القبل. هذه الثلاث العلامات تكون للرجال والنساء، وتزيد المرأة علامة رابعة : وهي الحيض، فإن الحيض من علامات البلوغ.
    وأما العاقل: فضده المجنون الذي لا عقل له ، ومنه الرجل الكبير أو المرأة الكبيرة إذا بلغ به الكبر إلى حد فقد التمييز، فإنه لا تجب عليه الصلاة حينئذ لعدم وجود العقل في حقه.
    وأما الحيض والنفاس : فهو مانع من وجوب الصلاة ، فإذا وجد الحيض والنفاس فإن الصلاة لا تجب.

    حكم تارك الصلاة
    السؤال (87): فضيلة الشيخ ، عرفنا حكم الصلاة وعلى من تجب ، فما حكم ترك الصلاة ؟
    الجواب : حكم ترك الصلاة ، أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة ، وذلك بدلالة الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة ، والنظر الصحيح.
    أما الكتاب: ففي قوله تعالى عن المشركين : (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (التوبة:11) ، وجه الدلالة من هذه الآية الكريمة ، أن الله اشترط لثبوت الأخوة بين هؤلاء المشركين ، وبين المؤمنين ثلاثة شروط : التوبة من الشرك ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فإذا تخلف أحد هذه الثلاثة لم يكونوا إخوة لنا في الدين ، ولا تنتفي الأخوة في الدين إلا بالكفر المخرج عن الملة، فإن المعاصي مهما عظمت إذا لم تصل إلى حد الكفر لا تخرج عن الأخوة في الدين ، ألا ترى إلى قوله تعالى في آية القصاص، فيمن قتل أخاه عمداً ، قال عز وجل : ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ )(البقرة: 178)، فجعل الله تعالى القاتل أخاً للمقتول ، مع أن قتل المؤمن عمداً من أعظم الكبائر، ثم ألا ترى إلى قوله تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (9) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )(الحجرات: 9-10)، فجعل الله الطائفة الثالثة المصلحة اخوة للطائفتين المقتتلتين ، مع أن قتال المؤمن من أعظم الذنوب ، وهذا يدل على أن الأخوة في الدين لا تنتفي بالمعاصي أبداً إلا ما كان كفراً.
    وشرح الآية المذكورة : أنهم إن بقوا على الشرك فكفرهم ظاهر ، وإن آمنوا ولم يصلوا فكفرهم أيضاً ظاهر معلوم من الجملة الشرطية( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ )أي تابوا من الشرك ، وأقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة، إلا أن مسألة الزكاة فيها خلاف بين أهل العلم، هل يكفر الإنسان إذا تركها أو لا يكفر ، وفيه عن أحمد روايتان.
    لكن الذي تقتضيه وتدل عليه السنة : أن تارك الزكاة لا يكفر، ويدل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها ، إلا إذا كان يوم القيامة ، صفحت له صفائح من نار ، فأحمي عليها في نار جهنم ، فيكوى به جنبه وجبينه وظهره ، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار"(77) ، فإن هذا الحديث يدل على أنه لا يكفر بمنع الزكاة إذ لو كفر لم يكن له سبيل إلى الجنة، وعلى هذا فتكون الزكاة خارجة من هذا الحكم بمقتضى دلالة السنة.
    أما الدليل من السنة على كفر تارك الصلاة ، فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"(78)، ووجه الدلالة من الحديث : أنه جعل هناك فاصلاً بين الإيمان والكفر وهو الصلاة ، وهو واضح في أنه لا إيمان لمن لم يصل، لأن هذا هو مقتضى الحد، إذ إن الحد يفصل بين المحدودين. وقوله "بين الرجل وبين الشرك والكفر"ولم يقل بين الرجل وبين كفر منكراً ، والكفر إذا دخلت عليه"أل" كان المراد به الكفر الحقيقي، بخلاف ما إذا كان منكراً ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب ، والنياحة على الميت"(79)، فإن هذا لا يقتضي الخروج من الإسلام ، لأنه قال : "هما بهم كفر" يعني هاتين الخصلتين.
    أما أقوال الصحابة رضي الله عنهم ، فقد قال عبد الله بن شقيق رحمه الله " كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة"(80) ، وقد نقل إجماعهم إسحاق بن راهويه رحمه الله على أن تارك الصلاة كافر.
    وأما المعنى فنقول : كل إنسان عرف الصلاة وقدرها وعناية الشريعة بها ، ثم يدعها بدون عذر، وليس له حجة أمام الله عز جل ، فإن ذلك دليل واضح على أنه ليس في قلبه من الإيمان شيء ، إذ لو كان في قلبه من الإيمان شيء ما ترك هذه الصلاة العظيمة ، التي دلت النصوص على العناية بها وأهميتها، والأشياء تعرف بآثارها ، فلو كان في قلبه أدنى مثقال من إيمان لم يحافظ على ترك هذه الصلاة مع أهميتها وعظمها.
    وبهذا تكون الأدلة السمعية والنظرية دالة على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة ، وتكون مقتضية للحذر من هذا العمل الشنيع ، الذي تهاون به اليوم كثير من الناس . ولكن باب التوبة مفتوح ولله الحمد كما قال تعالى : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (59) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) (60)(جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً) (61) (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) (مريم:59-62) .
    فنسأل الله أن يهدينا وإخواننا المسلمين للقيام بطاعته على الوجه الذي يرضيه عنا.

    الأحكام المترتبة على ترك الصلاة
    السؤال (88) : فضيلة الشيخ ، ما الذي يترتب على الحكم بالكفر على تارك الصلاة؟
    الجواب : يترتب على ترك الصلاة المؤدي إلى الكفر ، يترتب عليه ما يترتب على أي مرتد آخر بسبب يقتضي الردة ، والذي يترتب على ذلك أحكام دنيوية وأحكام أخروية .
    فمن الأحكام الدنيوية: أنه لا يحل أن يزوج لأن الكافر لا يحل أن يزوج بمسلمة، لقول الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (الممتحنة:10) ، ولقوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ )(البقرة: 221) ، ومن عقد لشخص على ابنته المسلمة ، وهذا الشخص لا يصلي فإن النكاح باطل، ولا تحل به المرأة لهذا الرجل ، ولا يستبيح منها ما يستبيح الرجل من امرأته ، لأنها محرمة عليه ، فإن هداه الله ومنَّ عليه بالتوبة فلابد من إعادة العقد.
    الحكم الثاني : سقوط ولايته ، فلا يكون وليا على بناته ، وعلى قريباته ، فلا يزوج أحداً منهن لأنه لا ولاية لكافر على مسلم .
    الحكم الثالث : سقوط حقه من الحضانة ، فلا يكون له حق في حضانة أولاده، لأنه لا حضانة لكافر على مسلم ، فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا.
    الحكم الرابع : تحريم ما ذكّاه من الحيوان ، فذبيحته التي يذبحها حرام، لأن من شرط حل الذبيحة، أن يكون الذابح مسلماً أو كتابياً وهو اليهودي والنصراني، والمرتد ليس من هؤلاء، فذبيحته حرام .
    الحكم الخامس : أنه لا يحل له دخول مكة وحرمها، لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة:28)، وعليه فلا يحل لأحد أن يمكِّن من لا يصلي من دخول مكة وحرمها لهذه الآية التي ذكرناها.
    وأما الأحكام الأخروية فمنها: أنه إذا مات لا يغَّسل، ولا يكفَّن ، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ، لأنه ليس منهم ، وإنما يخرج به إلى مكان منفرد فيدفن لئلا يتأذى الناس برائحته، أو يتأذى أهله بمشاهدته، ولا يحل لأحد أن يدعو بالرحمة لمن مات من أقاربه وهو يعلم أنه لا يصلي ، لقوله تعالى : (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة:113) ، ولا يقولن قائل: إن الله عز جل يقول : "أن يستغفروا للمشركين" وتارك الصلاة ليس بمشرك، لأننا نقول : إن ظاهر حديث جابر : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"(81) أن ترك الصلاة نوع من الشرك، ثم ،نقول : إن الله تعالى علل ذلك بقوله : (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) ، وتارك الصلاة قد تبين بمقتضى الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، والمعنى الصحيح، قد تبين لنا أنه من أصحاب الجحيم.
    فالعلة هي هي ، والحكم إذا ثبت بعلة شمل كل ما تؤثر فيه هذه العلة.
    ومن الأحكام الأخروية التي تترب على ترك الصلاة : أنه إذا كان يوم القيامة حُشر مع فرعون ، وهامان ، وقارون ، وأبيّ بن خلف - أئمة الكفر - والمحشور مع هؤلاء مآله مآلهم وهو النار والعياذ بالله.
    فليحذر الإنسان من ترك الصلاة ، وليخف ربّه ، وليؤد الأمانة التي حمّله الله إياها في نفسه ، فإن لنفسه عليه حقا.
    قد يقول قائل : إن قولكم بأنه يكفر كفراً مخرجاً عن الملة، معارض بقول من قال من أهل العلم: إنه كفر دون كفر ، وإنه لا يخرج به من الإسلام ، ويحمل الأحاديث الواردة في ذلك على من تركها جحوداً ، لا من تركها تهاوناً.
    وجوابنا عن ذلك أن نقول : إن المسألة لا شك مسألة خلافية ، ولكن الله عز وجل يقول: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)(الشورى: 10)، ويقول عز وجل : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(النساء: 59).
    وإذا رددنا هذه المسألة إلى الله ورسوله ، تبين لنا أن الحكم مرتب على الترك لا على الجحود، وقد ذكرنا ذلك في سؤال سابق.
    ثم إننا نقول : هل أحد من الناس يزعم أنه أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم في أحكام الله عز وجل؟ وهل أحد يدعي أنه أنصح من رسول الله صلى الله عليه وسلم للخلق؟ وهل أحد يزعم أنه أفصح من الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ينطق به؟ وهل أحد يزعم أنه أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم فيما يريده؟ كل هذه الأوصاف أو كل هذه الأمور الأربعة لا يمكن لأحد أن يدعيها، فإذا كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق بشريعة الله ، وأنصح الخلق لعباد الله ، وأفصح الخلق فيما ينطق به ، وأعلم الخلق بما يقول ، يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"(82)، ويقول : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"(83) ، فأي بيان أوضح من هذا في أن الحكم معلّق بالترك ، ثم نقول لمن زعم أن المراد من تركها جاحداً لها : إنك حرفت النص من وجهين :
    الوجه الأول : أنك ألغيت الوصف الذي رتب عليه الحكم وهو الترك.
    الوجه الثاني : أنك جعلت وصفاً يتعلق به الحكم لا يدل عليه اللفظ وهو الجحد، فأين الجحد في قول الرسول عليه الصلاة والسلام : " فمن تركها فقد كفر"؟
    ثم إننا نقول : إذا جحد الإنسان فرض الصلاة فهو كافر وإن صلى ، فهل تقول أنت : إنه إذا جحدها وصلى لم يكن كافراً؟ سيقول : لا ، إذا جحدها - أي جحد وجوبها فهو كافر وإن صلى ، فنقول: إذاً خالفت الحديث ، فالحديث يقول : "فمن تركها"، وأنت قلت : إن الحديث المراد به من تركها جاحداً لها ، والكفر مرتب على زعمك على من تركها جاحداً ، لا من جحدها بدون ترك ، وأنت لا تقول بهذا ، فعلى قولك يكون من جحدها بدون ترك يكون مسلماً!! فتبين بهذا واتّضح، أن القول الصواب أن من تركها متهاوناً متكاسلاً فهو كافر، أما من جحدها فهو كافر سواء صلى أم لم يصل.
    وما أشبه هذه الدعوى - أعني دعوى أن المراد من تركها جحداً لوجوبها ما أشبهها بما نقل عن الإمام أحمد في قوله تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء:93)، روي عن الإمام أحمد أن بعض الناس يقول : إن المراد من قتل مؤمناً مستحلاً لقتله، فتعجب الإمام أحمد من هذا ، وقال :إنه إذا استحل قتله فإنه كافر سواء قتله أم لم يقتله ، والآية علقت الحكم بالقتل ، وهذا نظير مسألتنا فيمن ترك الصلاة ، ونحن إذا قلنا بكفر تارك الصلاة ، فإننا نبرأ إلى الله عز وجل ، أن نقول عليه ما لا يدل عليه كلامه ، أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونرى أن القول بالتكفير كالقول بالإيجاب والتحريم، لا يتلقى إلا من جهة الشرع ، وإن الجرأة على القول بالتكفير كالجرأة على القول بالإيجاب فيما لم يجب، وبالتحريم فيما لم يحرم ، لأن الكل أمره إلى الله عز وجل ، التحليل والتحريم والإيجاب والبراءة والتكفير وعدم التكفير ، كلها أمرها إلى الله عز وجل ، فعلى المرء أن يقول بما يقتضيه كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يلاحظ أي اعتبار يخالف ذلك.

    شروط الصلاة
    السؤال (89): فضيلة الشيخ ، ما هي شروط الصلاة ؟ وماذا يترتب عليها؟
    الجواب : شروط الصلاة : ما يتوقف عليه صحة الصلاة ، لأن الشرط في اللغة: العلامة، كما قال الله تعالى : (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (محمد:18)، أي علاماتها ، والشرط في الشرع ، في اصطلاح أهل الأصول: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود.
    وشروط الصلاة عدة، أهمها : الوقت ، كما قال الله تعالى : ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)(النساء: 103)، ولهذا يسقط كثير من الواجبات مراعاة للوقت ، وينبغي بل يجب على الإنسان أن يحافظ على أن تكون الصلاة في وقتها ، وأوقات الصلاة ذكرها الله تعالى مجملة في كتابه ، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم مفصلة في سنته.
    أما في الكتاب العزيز ، فقال الله تعالى : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الاسراء:78) فقوله تعالى (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي زوالها. وقوله (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) أي انتصاف الليل ، لأن أقوى غسق في الليل نصفه، وهذا الوقت من نصف النهار إلى نصف الليل يشتمل على أوقات أربع صلوات: الظهر، والعصر ، والمغرب، والعشاء.
    وهذه الأوقات كلها متتالية، ليس بينها فاصل ، فوقت الظهر : من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء كطوله، ووقت العصر: من هذا الوقت إلى اصفرار الشمس: الوقت الاختياري، وإلى غروب الشمس : الوقت الاضطراري ، ووقت المغرب: من غروب الشمس إلى مغرب الشفق، وهو الحمرة التي تكون في الأفق بعد غروب الشمس ، ووقت العشاء : من هذا الوقت إلى منتصف الليل.هذه هي الأوقات الأربعة المتصلة بعضها ببعض . وأما من نصف الليل إلى طلوع الفجر، فليس وقتاً لصلاة فريضة . ووقت صلاة الفجر: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، ولهذا فصله الله تعالى عما قبله فقال(لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) ثم قال : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) ، والسنة جاءت مبينة لهذا على ما وصفته آنفاً.
    هذه الأوقات التي فرضها الله على عباده ، لا يجوز للإنسان أن يقدم الصلاة عن وقتها، ولا يجوز أن يؤخرها عن وقتها، فإن قدمها عن وقتها ، ولو بقدر تكبيرة الإحرام لم تصح، لأنه يجب أن تكون الصلاة في نفس الوقت ، لأن الوقت ظرف ، فلابد أن يكون المظروف داخله.
    ومن أخر الصلاة عن وقتها ، فإن كان لعذر من نوم أو نسيان أو نحوه ، فإنه يصليها إذا زال ذلك العذر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك"(84) ، ثم تلى قول الله تعالى : ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)(طـه: 14) ، وإن لم يكن له عذر فإن صلاته لا تصح ، ولو صلى ألف مرة، فإذا ترك الإنسان الصلاة فلم يصلها في وقتها ، فإنها لا تنفعه ، ولا تبرأ بها ذمته إذا كان تركه إياها لغير عذر، ولو صلاها آلاف المرات، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"(85).
    ومن ترك الصلاة حتى خرج وقتها لغير عذر ، فقد صلاها على غير أمر الله ورسوله ، فتكون مردودة عليه.
    لكن من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده ، أن وسع لهم فيما إذا كان لهم عذر يشق عليهم أن يصلوا الصلاة في وقتها، رخص لهم في الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، فإذا شق على الإنسان أن يصلي كل صلاة في وقتها من الصلاتين المجموعتين ، فإنه يجوز أن يجمع بينهما، إما جمع تقديم، وإما جمع تأخير، على حسب ما يتيسر له ، لقول الله تعالى : ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )(البقرة: 185)، وثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، من غير خوف ولا مطر، فسئل ابن عباس عن ذلك ، يعني لم صنع الرسول صلى الله عليه وسلم هذا؟ قال : أراد ألا يحرج أمته(86)، ففي هذا دليل على أن الإنسان إذا لحقته مشقة في ترك الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، فإنه يجوز له أن يجمع بينها.
    والوقت أهم الشروط ، ولهذا كان الوقت شرطاً وسبباً.
    من الشروط أيضاً : ستر العورة ، لقوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (الأعراف:31) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله في الثوب : " فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به"(87). وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة : " لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء"(88)، وهذا يدل على أنه يجب على الإنسان أن يكون مستتراً في حال الصلاة ، وقد نقل ابن عبد البر رحمه الله إجماع العلماء على ذلك ، وأن من صلى عرياناً مع قدرته على السترة ، فإن صلاته لا تصح.
    وفي هذا المجال قسم العلماء رحمهم الله العورة إلى ثلاثة أقسام : مخففة، ومغلظة، ومتوسطة، فالمغلظة: عورة المرأة الحرة البالغة، قالوا : إن جميع بدنها عورة في الصلاة ، إلا وجهها، واختلفوا في الكفين والقدمين . والمخففة: عورة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنين فإن عورته الفرجان القبل والدبر فلا يجب عليه أن يستر فخذه، لأنه صغير. والمتوسطة: ما عدا ذلك ، قالوا : فالواجب فيها : ستر ما بين السرة والركبة ، فيدخل في ذلك : الرجل البالغ عشراً فما فوق ، ويدخل في ذلك المرأة التي لم تبلغ ، ويدخل في ذلك الأم المملوكة، ومع هذا فإننا نقول : المشروع في حق كل إنسان ، أن يأخذ زينته عند كل صلاة، وأن يلبس اللباس الكامل، لكن لو فرض أنه كان هناك خرق في ثوبه على ما يكون داخلاً ضمن العورة، فإنه حينئذ يناقش فيه: هل تصح صلاته أو لا تصح؟ ، ثم إن المرأة إذا كان حولها رجال غير محارم، فإنه يجب عليها أن تستر وجهها ولو في الصلاة ، لأن المرأة لا يجوز لها كشف وجهها عند غير محارمها.

    توضيح
    السؤال (90) :فضيلة الشيخ ، قبل أن نخرج من الشرط الثاني ، قلتم إذا كان فيه خرق يناقش فيه ، كيف يناقش فيه؟
    الجواب : إذا كان فيه خرق فإنه يناقش فيه، إذ إنه يفرق بين اليسير والكثير ، ويفرق بين ما كان على حذاء العورة المغلظة كالفرجين ، وما كان متطرفاً ، كالذي يكون في طرف الفخذ وما أشبه ذلك ، أو يكون في الظهر من فوق الإليتين أو في البطن من دون السرة وفوق السوأة، المهم أن كل مكان له حظّه من تغليظ العورة.
    ولعل هذا السؤال أيضاً يجرنا إلى التنبيه على مسألة يفعلها بعض الناس في أيام الصيف، حيث يلبس سراويل قصيرة، ثم يلبس فوقها ثوباً شفافاً يصف البشرة ويصلي، فهذا لا تصح صلاته لأن السراويل القصيرة التي لا تصل إلى الركبة أو بعبارة أصح التي لا تستر ما بين السرة والركبة ، إذا لبس فوقها ثوباً خفيفاً يصف البشرة، فإنه لم يكن ساتراً لعورته التي يجب عليه أن يسترها في الصلاة . ومعنى قولنا " يصف البشرة": أي يبين من ورائه لون الجلد، هل هو أحمر أو أسود أو بين ذلك ، وليس المعنى أن يبين حجم الجلد، فإن هذا لا يضر ، وإن كان كلما كان أثخن فهو أفضل ، لكنه لا يضر ، لأنه ليس بشفاف ترى من ورائه البشرة.
    فمثلاً يوجد ثياب إذا كان تحتها سراويل تعرف الفرق بين حد السروال من بقية الجلد لكن لا يتبين لك لون الجلد، فهذا تصح الصلاة معه، لكن كما قلنا كلما كان أثخن فهو أفضل.
    ومن شروط الصلاة أيضاً : الطهارة ، وهي نوعان : طهارة من الحدث ، وطهارة من النجس.
    أولاً: الطهارة من الحدث:
    والحدث نوعان : حدث أكبر ، وهو ما يوجب الغسل ، وحدث أصغر ، وهو ما يوجب الوضوء .وقد سبق لنا ذكر الغسل والوضوء وأسبابهما، وهي نواقض الوضوء، وموجبات الغسل، فلا حاجة إلى إعادة ذلك مرة أخرى .
    لكن الذي يهمنا هنا، أن نبين أن الطهارة من الحدث شرط ، وهو من باب الأوامر التي يطلب فعلها لا التي يطلب اجتنابها ، والقاعدة المعروفة عند أهل العلم : أن ترك المأمور لا يعذر فيه بالنسيان والجهل، وبناء على ذلك : فلو أن أحداً من الناس صلى بغير وضوء ناسياً ، فإنه يجب عليه أن يعيد صلاته بعد أن يتوضأ، لأنه أخل بشرط إيجابي مأمور بفعله، وصلاته بغير وضوء ناسياً ليس فيها إثم لقوله تعالى : ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)(البقرة: 286)، لكنها صلاة غير صحيحة، فلا تبرأ بها الذمة، فيكون مطالباً بها.
    ولا فرق في هذا بين أن يكون الإنسان منفرداً ، أو مأموماً ، أو إماماً ، فكل من صلى بغير وضوء ، أو بغير غسل من حدث أكبر ناسياً ، فإنه يجب عليه إعادة الصلاة متى ذكر، حتى وإن كان إماماً ، إلا أنه إذا كان إماماً ، وذكر في أثناء الصلاة فإنه ينصرف ، ويأمر من خلفه أن يتم الصلاة ، فيقول لأحدهم : تقدم أتم الصلاة بهم ، فإن لم يفعل أي لم يعين من يتم الصلاة بهم قدموا واحداً منهم فأتم، فإن لم يفعلوا أتم كل واحد على نفسه، ولا يلزمهم أن يستأنفوا الصلاة من جديد، ولا أن يعيدوا الصلاة لو لم يعلموا إلا بعد ذلك ، لأنه معذورون حيث إنهم لا يعلمون حال إمامهم ، وكذلك لو صلى بغير وضوء جاهلاً ، فلو قدم إليه طعام وفيه لحم إبل، وأكل من لحم الإبل ، وهو لا يدري أنه لحم إبل ، ثم قام فصلى ، ثم علم بعد ذلك ، فإنه يجب عليه أن يتوضأ ويعيد صلاته ولا إثم عليه حين صلى ، وقد انتقض وضوءه وهو لا يدري بانتقاضه، لقوله تعالى : ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)(البقرة: 286).

    حكم صلاة الإمام بغير وضوء ناسياً
    السؤال (91): فضيلة الشيخ ، نحب أن نسأل إذا لم يعلم الإمام أن وضوءه منتقض إلا بعد انتهاء الصلاة ، فهل يلزمه الإعادة هو والمأمومون أم لا؟
    الجواب : حكم ذلك أن الإمام يجب عليه إعادة الصلاة ، وأما المأمومون فلا تجب عليهم إعادة الصلاة ، وهم في الأجر قد نالوا أجر الجماعة، لأنهم صلوا جماعة ، فيكبت لهم الأجر، ولا يخفى أيضاً أننا إذا قلنا : إنه إذا صلى بغير وضوء أو بغير غسل من الجنابة ، أنه إذا كان معذوراً لا يتمكن من استعمال الماء ، فإنه يتيمم بدلاً عنه ، فالتيمم عند تعذر استعمال الماء يقوم مقام الماء ، فإذا قدر أن هذا الرجل لم يجد الماء ، وتيمم وصلى ، فصلاته صحيحة، ولو بقي أشهراً ليس عنده ماء أو لو بقي أشهراً مريضاً لا يستطيع أن يستعمل الماء، فإن صلاته بالتيمم صحيحة، فالتيمم يقوم مقام الماء عند تعذر استعماله ، وإذا قلنا : إنه يقوم مقامه عند تعذر استعماله ، فإنه إذا تطهر بالتيمم ، بقي على طهارته حتى تنتقض الطهارة ، حتى لو خرج الوقت ، وهو على تيممه، فإنه لا يلزمه إعادة التيمم للصلاة الثانية، لأن التيمم مطهر ، كما قال الله تعالى في آية المائدة لما ذكر التيمم قال : ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ)(المائدة: 6) ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام :" جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"(89) .

    حكم ائتمام المتوضئ بالمتيمم
    السؤال (92): فضيلة الشيخ ، أيضاً ربما يستفسر: هل يجوز أن يؤم متيمم متوضئاً؟
    الجواب : نقول : نعم ، يجوز أن يكون المتيمم إماماً للمتوضئ ، لأن كلا منهما قد صلى بطهارة مأذون فيها .
    ثانياً الطهارة من النجاسة:
    أما الشق الثاني: الطهارة من النجاسة ومواضعها ثلاثة : البدن ، والثوب، والبقعة ، فلابد أن يتنزه الإنسان عن النجاسة في بدنه ، وثوبه، وبقعته، ودليل ذلك في البدن: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقبرين فقال : " إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول"(90).
    وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة الحائض إذا أصاب الحيض ثوبها ، أن تغسله ثم تصلي فيه"(91) . ففيه دليل على وجوب تطهير الثوب من النجاسة، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أتي بصبي لم يأكل الطعام ، فوضعه في حجره فبال عليه ، فدعا بإناء من ماء فأتبعه إياه(92) .
    وأما البقعة : ففي حديث أنس رضي الله عنه أن رجلاً أعرابياً جاء فبال في طائفة المسجد أي في جانب منه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يراق على بوله ذنوب من ماء(93) .
    إذن : فلابد أن يتجنب الإنسان النجاسة ، في بدنه وثوبه وبقعته التي يصلي عليها.
    فإن صلى وبدنه نجس أي قد أصابته نجاسة لم يغسلها أو ثوبه نجس ، أو بقعته نجسة ، ولكنه لم يعلم بهذه النجاسة ، أو علم بها ثم نسي أن يغسلها، حتى تمت صلاته ، فإن صلاته صحيحة، ولا يلزمه أن يعيد ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ذات يوم ، فخلع نعليه ، فخلع الناس نعالهم ، فلما أنصرف النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن سبب خلع نعالهم فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: " إن جبريل أتاني ، فأخبرني أن فيهما قذراً"(94) .
    ولو كانت الصلاة تبطل لاستصحاب النجاسة حال الجهل لأستأنف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ، فإن الإنسان لو ذكر أنه لم يتوضأ في أثناء صلاته ، وجب عليه أن ينصرف ويتوضأ ، إذن اجتناب النجاسة في البدن ، والثوب ، والبقعة شرط لصحة الصلاة ، لكن إذا لم يتجنب الإنسان النجاسة جاهلاً أو ناسياً وصلى ، فإن صلاته صحيحة، سواء علم بها قبل الصلاة ثم نسي أن يغسلها ، أو لم يعلم بها إلا بعد الصلاة .
    فإن قلت : ما الفرق بين هذا وبين ما إذا صلى بغير وضوء ناسياً أو جاهلاً ، حيث أمرنا من صلى بغير وضوء جاهلاً أو ناسياً بالإعادة ، ولم نأمر هذا الذي صلى بالنجاسة ناسياً أو جاهلاً بالإعادة؟
    قلنا : الفرق بينهما أن الوضوء أو الغسل من باب فعل المأمور ، وأما اجتناب النجاسة فهو من باب ترك المحظور ، وفعل المأمور لا يعذر فيه بالجهل والنسيان ، بخلاف ترك المحظور.
    ومن شروط الصلاة : استقبال القبلة ، لقول الله تعالى : (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة:144)، فاستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة ، فمن صلى إلى غير القبلة ، فصلاته باطلة غير صحيحة ، لا مبرئة لذمته إلا في أحوال أربعة:
    الحال الأولى : إذا كان عاجزاً عن استقبال القبلة، مثل أن يكون مريضاً ، وجهه إلى غير القبلة ، ولا يتمكن من الانصراف إلى القبلة، فإن صلاته تصح على أي جهة كان ، لقول الله تعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(التغابن: 16) ،وهذا الرجل لا يستطيع أن يتحول إلي القبلة ، لا بنفسه ولا بغيره.
    الحال الثانية:- إذا كان خائفاً من عدو أو كان هارباً واتجاهه إلى غير القبلة، ففي هذه الحال يسقط عنه استقبال القبلة، لقول الله تعالي: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً )(البقرة: 239) ومعلوم أن الخائف قد يكون اتجاهه إلى القبلة ، وقد يكون اتجاهه إلى غير القبلة، فإذا رخص الله له في الصلاة راجلاً أو راكباً، فمقتضى ذلك أن يرخص له في الاتجاه إلى غير القبلة، إذا كان يخاف على نفسه إذا اتجه إلى القبلة.
    الحال الثالثة : إذا كان في سفر وأراد أن يصلي النافلة ، فإنه يصلي حيث كان اتجاه سيره ، ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في السفر حيث كان وجهه، إلا أنه لا يصلي المكتوبة ، ففي النافلة يصلي المسافر حيث كان وجهه ، بخلاف الفريضة ، فإن الفريضة يجب عليه أن يستقبل القبلة فيها في السفر.
    الحال الرابعة : إذا كان قد اشتبهت عليه القبلة ، فلا يدري أي الجهات تكون القبلة، ففي هذه الحال يتحرى بقدر ما يستطيع ويتجه حيث غلب على ظنه أن تلك الجهة هي القبلة ، ولا إعادة عليه لو تبين له فيما بعد أنه صلى إلى غير القبلة.
    وقد يقول قائل : إن هذه الحالة لا وجه لاستثنائها، لأننا نلزمه أن يصلي إلى الجهة التي يغلب على ظنه أنها القبلة ، ولا يضره إذا لم يوافق القبلة، لأن هذا منتهى قدرته واستطاعته، وقد قال الله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا )(البقرة: 286) ، وقال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(التغابن: 16) .

    بقية شروط الصلاة
    السؤال (93): فضيلة الشيخ ، نريد أن نستكمل معكم بقية شروط الصلاة ، وقد ذكرتم منها : الوقت، وستر العورة ، والطهارة ، واستقبال القبلة؟
    الجواب : سبق أن تكلمنا على شرط استقبال القبلة لصحة الصلاة ، وذكرنا أنه يستثنى من ذلك أحوال أربع ، وأن الحالة الرابعة وهي ما إذا اشتبهت القبلة على الإنسان قد يناقش فيها . وعلى كل حال فإننا نقول : سواء جعلناها مما يستثنى ، أو مما لا يستثنى ، فإن الإنسان فيها يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع ، وأن يتحرى الصواب فيعمل به ولكن هاهنا مسألة وهي أنه يجب أن نعرف ، أن استقبال القبلة يكون إما إلى عين القبلة وهي الكعبة ، وإما إلى جهتها ، فإن كان الإنسان قريباً من الكعبة يمكنه مشاهدتها ، ففرض أن يستقبل عين الكعبة ، لأنها هي الأصل ، وأما إذا كان بعيداً لا يمكنه مشاهدة الكعبة، فإن الواجب عليه أن يستقبل الجهة ، وكلما بعد الإنسان عن مكة ، كانت الجهة في حقه أوسع لأن الدائرة كلما تباعدت اتسعت ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما بين المشرق والمغرب قبلة"(95)، هذا بالنسبة لأهل المدينة ، وذكر أهل العلم رحمهم الله أن الانحراف اليسير في الجهة لا يضر ، والجهات معروف أنها أربع : الشمال ، والجنوب ، والشرق ، والغرب ، فإذا كان الإنسان عن الكعبة شرقاً أو غرباً ، كانت القبلة في حقه ما بين الشمال والجنوب ، وإذا كان عن الكعبة شمالاً أو جنوباً ، صارت القبلة في حقه ما بين الشرق والغرب ، لأن الواجب استقبال الجهة.
    نعم لو فرض أن الإنسان كان شرقاً عن مكة واستقبل الشمال، فإن ذلك لا يصح ، لأنه جعل الجهة على يساره ، وكذلك لو استقبل الجنوب ، فإن ذلك لا يصح لأنه جعل القبلة عن يمينه، وكذلك لو كان من أهل الشمال واستقبل الغرب، فإن صلاته لا تصح ، لأنه جعل القبلة عن يساره ، ولو استقبل الشرق ، فإن ذلك لا يصح أيضاً، لأنه جعل القبلة عن يمينه.
    وقد يسر الله سبحانه وتعالى لعباده في هذا الوقت وسائل تبين القبلة بدقة وهي مجربة ، فينبغي للإنسان أن يصطحب هذه الوسائل معه في السفر، لأنها تدله على القبلة إذا كان في حال لا يتمكن معها من معرفة القبلة . وكذلك ينبغي لمن أراد إنشاء مسجد ، أن يتبع ما تقتضيه هذه الوسائل المجربة والتي عرف صوابها.
    من شروط الصلاة أيضاً : " النية" ، والنية محلها القلب ، واشتراط النية إنما يذكر من أجل التعيين أو التخصيص ، أما من حيث الإطلاق، فإنه لا يمكن لأحد عاقل مختار، أن يقوم فيتوضأ ، ثم يذهب ويصلي، لا يمكن أن يفعل ذلك وقد نوى للصلاة ، لكن الكلام على التعين فالتعيين لابد منه في النية، فينوي الظهر ظهراً، والعصر عصراً ، والمغرب مغرباً ، والعشاء عشاء، والفجر فجراً ، لابد من ذلك ، ولا يكفي نية الصلاة المطلقة ، لأن نية الصلاة المطلقة أعم من نية الصلاة المعينة ، والأعم لا يقضي على الأخص ، فمن نوى الأعم لم يكن ناوياً للأخص ومن نوى الأخص كان ناوياً للأعم لدخوله به.
    ولهذا نقول : إذا انتقل الإنسان من مطلق إلى معين ، أو من معين إلى معين لم يصح ما انتقل إليه ، وأما ما انتقل منه فإن كان من مطلق إلى معين تبطل نية الإطلاق، وإن كان من معين إلى معين بطل الأول والثاني ، وهذا القول المجمل أبينه في الأمثلة :
    رجل أخذ يصلي ناوياً نفلاً مطلقاً، ثم أراد أن يقلب النية في أثناء الصلاة إلى نفل معين ، أراد أن يجعل هذا النفل المطلق راتبة، فهنا نقول : لا ينفع ذلك ، لأن الراتبة لابد أن تكون منوية من قبل تكبيرة الإحرام ، وإلا لم تكن راتبة ، لأن الجزء الأول الذي خلا من نية الراتبة ، صار بغير نية الراتبة، لكن لو كان يصلي راتبة ، ثم نواها نفلاً مطلقاً ، وألغى نية التعيين صح ذلك ، وذلك لأن الصلاة المعينة تضمين نية التعيين ونية الإطلاق، فإذا ألغى نية التعيين بقيت نية الإطلاق.
    مثال آخر : رجل دخل يصلي بنية العصر ، ثم ذكر في أثناء الصلاة ، أنه لم يصل الظهر، فحول نية العصر إلى الظهر، فهنا لا تصح ، لا صلاة الظهر ، ولا صلاة العصر ، أما صلاة العصر فلا تصح ، لأنه قطعها ، وأما صلاة الظهر فلا تصح ، لأنه لم ينوها من أولها، لكن إذا كان جاهلاً ، صارت هذه الصلاة في حقه نفلاً ، لأنه لما ألغى التعيين ، بقي الإطلاق.
    والخلاصة: أني أقول : إن النية المطلقة في العبادات لا أظن أحداً لا ينويها أبداً ، إذ ما من شخص يقول فيفعل إلا وقد نوى ، لكن الذي لابد منه هو نية التعيين والتخصيص.
    كذلك أيضاً مما يدخل في النية: نية الإمامة بعد أن كان منفرداً ، أو الائتمام بعد أن كان منفرداً ، وهذا فيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا بأس به ، فنية الإمامة بعد أن كان منفرداً ، مثل أن يشرع الإنسان في الصلاة وهو منفرد ، ثم يأتي رجل آخر يدخل معه، ليصيرا جماعة فلا بأس بذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي من الليل، وكان ابن عباس رضي الله عنهما نائماً ، ثم قام ابن عباس فتوضأ ودخل مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم (96)، والأصل أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل.
    فلو شرع الإنسان يصلي وحده ، ثم جاء آخر فدخل معه فجعله إماماً له فلا بأس، ويكون الأول إماماً والثاني مأموماً، وكذلك بالعكس، لو أن أحداً شرع في الصلاة منفرداً ، ثم جاء جماعة ، فصلوا جماعة ، فانضم إليهم ، فقد انتقل من انفراد إلى ائتمام ، وهذا أيضاً لا بأس به، لأن الانتقال هنا ليس إبطالاً للنية الأولى، ولكنه انتقال من وصف إلى وصف فلا حرج فيه.
    هذه من أهم الشروط التي ينبغي الكلام عليها ، وهناك شروط أخر كالإسلام ، والتمييز ، والعقل ، لكن هذه شروط في كل عبادة .

    صفة الصلاة
    السؤال (94): فضيلة الشيخ ، ما هي صفة الصلاة المفروضة؟
    الجواب : إن معرفة صفة الصلاة كمعرفة صفة غيرها من العبادات من أهم ما يكون ، وذلك لأن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا بمعرفة طريقة عبادة الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يتبعه الإنسان فيها، فمعرفة صفة الصلاة مهمة جداً ، وإني أحث نفسي وإخواني المسلمين على أن يتلقوا صفة النبي من الكتب الصحيحة، من كتب الحديث المعتبرة ، حتى يقيموها على حسب ما أقامها النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو قدوتنا وإمامنا وأسوتنا صلوات الله وسلامه عليه، وجعلنا من أتباعه بإخلاص ، وها نحن نذكرها ، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للصواب، فنقول :
    فصفة الصلاة أن يقوم الإنسان بشروطها السابقة التي تسبق عليها كالطهارة من الحدث والخبث، واستقبال القبلة وغيرها من الشروط، لأن شروط الصلاة تتقدم عليها ، ثم يكبر ، فقول : الله أكبر ، رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ثم يضع يديه اليمنى على ذراعه اليسرى على صدره، ثم يستفتح بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاستفتاح، يستفتح بأي نوع ورد ، إما بقول " اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد(97) أو بقول " سبحانك اللهم وبحمدك ، تبارك اسمك وتعالى جدك ، ولا إله غيرك"(98)، أو بغيرهما مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم .
    ثم يقول :أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يقرأ الفاتحة ، ويقف على كل آية منها فيقول نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعيالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (2) (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (3) (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (:4) (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (5) (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (6) (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (7) ثم يقرأ ما تيسر من القرآن ، والأفضل أن يقرأ سورة تامة تكون في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره غالباً، وفي الباقي من أوساطه.
    ثم يرفع يديه مكبراً في الركوع فيقول : الله أكبر ، ويضع يديه مفرجتي الأصابع على ركبتيه ، ويمد ظهره متسوياً مع رأسه، لا يرفع رأسه ولا يصوبه ويقول : سبحان ربي العظيم ، يكررها ثلاثاً وهو أدنى الكمال ، وإن زاد فلا بأس .
    ثم يرفع رأسه قائلاً : سمع الله لمن حمده ، ويرفع يديه كذلك كما رفعهما عند تكبيرة الإحرام ، وعند الركوع، ثم يقول بعد قيامه : ربنا ولك الحمد ، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد ، ثم يسجد مكبراً ، ولا يرفع يديه حال السجود ، ولا يرفع يديه إذا هوى إلى السجود. قال ابن عمر رضي الله عنهما : وكان لا يفعل ذلك - يعني الرفع - في السجود ويسجد على ركبتيه ، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، يسجد على أعضاء سبعة : الجبهة والأنف ، وهما عضو واحد، والكفين ، والركبتين، وأطراف القدمين ، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويرفع ظهره ولا يمده ، ويجعل يديه حذاء وجهه ، أو حذاء منكبيه، مضمومتي الأصابع ، مبسوطة ، ورؤوس الأصابع نحو القبلة ، فيقول : سبحان ربي الأعلى ، أدنى الكمال ثلاث ، ويزيد ما شاء ، ولكن يغلب في السجود جانب الدعاء ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا من الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم(99).
    ثم يرفع من السجود مكبراً ، ولا يرفع يديه، ويجلس مفترشاً رجله اليسرى ، ناصباً رجله اليمنى ، ويضع يديه على فخذيه أو على أعلى ركبتيه ، وتكون اليمنى مضمومة الأصابع الثلاثة : الخنصر ، والبنصر، والإبهام ، وإن شاء حلق الإبهام مع الوسطى، وأما السبابة فتبقى مفتوحة، ويحركها عند الدعاء ، ويقول : رب اغفر لي ، وارحمني ، وأجبرني ، وعافني وارزقني. وكلما دعا حرك أصبعه نحو السماء، إشارة إلى علو المدعو، أما اليد اليسرى ، فإنها تبقى على الرجل اليسرى ، على الفخذ ، أو على طرف الركبة ، مبسوطة ، مضمومة أصابعها ، متجهاً بها إلى القبلة ، ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى فيما يقال وما يفعل.
    ثم يرفع من السجود إلى القيام مكبراً، ولا يرفع يديه عند هذا القيام ، لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر لكن تكون قراءته دون القراءة في الركعة الأولى ، ويصلي الركعة الثانية كما صلاها في الركعة الأولى .
    ثم يجلس للتشهد ، وجلوسه للتشهد كجلوسه للدعاء بين السجدتين ، أي يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى ، ويضع يده اليمنى على رجله اليمنى ، ويده اليسرى على رجله اليسرى ، على صفة ما سبق في الجلوس بين السجدتين ، ويقرأ التشهد: " التحيات لله ، والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"
    ثم إن كان ي ثنائية كالفجر والنوافل ، فإنه يكمل التشهد ، فيستمر فيه "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أعوذ بالله من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال"، ثم إن أحب أطال في الدعاء ، ما شاء ، ثم يسلم عن يمينه : " السلام عليكم ورحمة الله " وعن يساره : "السلام عليكم ورحمة الله".
    أما إذا كان في ثلاثة أو رباعية ، فإنه بعد أن يقول في التشهد:"أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" يقوم ، فيصلي ما بقي من صلاته مقتصراً على قراءة الفاتحة ، أما عن الركوع والسجود ، فكما سبق في الركعتين الأوليين ، ثم يجلس للتشهد الثاني ، وهو التشهد الأخير ، لكن يكون جلوسه توركاً.
    والتورك له ثلاث صفات : إما أن ينصب رجله اليمنى ، ويخرج اليسرى من تحت ساقها ، وإما أن يفرش الرجل اليمنى والرجل اليسرى من تحت ساقها ، أي من تحت ساق اليمنى ، وإما أن يفرش اليمنى ويدخل اليسرى بين ساق اليمنى وفخذها، كل ذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا أكمل التشهد سلم عن يمينه وعن يساره كما سبق.
    هذه هي صفة الصلاة والواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فليجتهد الإنسان باتباعها ما استطاع ، لأن ذلك أكمل في عبادته ، وأقوى في إيمانه وأشد في اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم .




  8. #8
    مراقب المضايف الاسلامية الصورة الرمزية ابو ضاري


    تاريخ التسجيل
    03 2007
    الدولة
    الجبي
    العمر
    38
    الاقامة:
    الجبي
    الجنس:
    ذكر
    المشاركات
    15,734
    مقالات المدونة
    1
    Thanks
    785
    شُكِر 518 في 160مشاركة

    معرض الأوسمه



    وضع الرجلين أثناء القيام في الصلاة
    السؤال : (95): فضيلة الشيخ ، ذكرتم- جزاكم الله خيراً - بالتفصيل وضع الأيدي في القيام وفي الركوع ، وكذلك في السجود، وكذلك في الجلسة بين السجدتين، لكننا لم نسمع شيئاً عن وضع الرجلين ، ونحن نشاهد الآن كثيراً من الناس يفرج ما بين رجليه، فيتسع ما بين مناكب المصلين. فما الصحيح في ذلك؟
    الجواب : وضع الرجلين في حال القيام طبيعي ، بمعنى أنه لا يدني بعضهما من بعض ، ولا يباعد ما بينهما ، كما روي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما ، ذكره في شرح السنة أنه كان رضي الله عنهما لا يباعد بين رجليه ولا يقارب بينهما، هذا في حال القيام وفي حال الركوع .
    أما في حال الجلوس فقد عرفناه فيما سبق ، وأما في حال السجود فالأفضل أن يلصق إحدى القدمين بالأخرى ، وألا يفرق بينهما ، كما يدل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها ، حين وقعت يدها على قدمي النبي صلى الله عليه وسلم منصوبتين وهو ساجد(100)، ومعلوم أن اليد الواحدة لا تقع على قدمين منصوبتين إلا وبعضها قد ضم إلى بعض ، وكذلك جاء صريحاً في صحيح ابن خزيمة رحمه الله أنه يلصق إحدى القدمين بالأخرى في حال السجود(101).
    وقبل أن ننتهي من صفة الصلاة نود أن نبين أنه ينبغي للإنسان إذا فرغ من صلاته أن يذكر الله عز وجل بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن الله تعالى أمر بذلك في قوله : (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ )(النساء: 103) ، ومن ذلك : أن يستغفر الإنسان ثلاث مرات : أستغفر الله ، أستغفر الله ، أستغفر الله ، ويقول : اللهم أنت السلام ، ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، ثم يذكر الله عز وجل بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ، ويكبر ثلاثاً وثلاثين ، ويحمد ثلاثاً وثلاثين ، إن شاء قالها كل واحدة على حدة، وإن شاء قالها جميعاً ، أي أنه إن شاء قال : سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين ، وإن شاء قال : سبحان الله ، سبحان الله ، سبحان الله ، ثلاثاً وثلاثين ، ثم : الحمد لله ، ثلاثاً وثلاثين، ثم : الله أكبر ثلاثاً وثلاثاً ، كل ذلك جائز، بل وتجوز أيضاً صفة أخرى : أن يسبح عشراً ، ويكبر عشراً ، ويحمد عشراً ، وتجوز صفة رابعة: أن يقول : سبحان الله ،والحمد لله ، ولا إله إلا الله ،والله أكبر خمساً وعشرين مرة ، فتتم مائة .
    والمهم أن كل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأذكار بعد الصلاة فليقله، إما على سبيل البدل ، أو على سبيل الجمع ، لأن بعض الأذكار يذكر بعضها بدلاً عن بعض ، وبعض الأذكار يذكر بعضها مع بعض فتكون مجموعة ، فليحرص الإنسان على ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله : ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ )(البقرة: 198) ، وأتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    وإذا كان في المسجد فإن الأفضل أن يجهر بهذا الذكر، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم(102) . فيسن للمصلين أن يرفعوا أصواتهم بهذا الذكر اقتداء بالصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان يرفع صوته بذلك، كما قال ابن عباس : ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير(103)، وقول بعض أهل العلم : أنه يسن الإسرار بهذا الذكر ، وأن جهر النبي صلى الله عليه وسلم كان للتعليم ، فيه نظر ، فإن الأصل فيما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون مشروعاً في أصله ووصفه ، ومن المعلوم أنه لو لم يكن وصفه وهو رفع الصوت به مشروعاً ، لكان يكفي ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته فإنه قد علمهم هذا الذكر بقوله ، فلا حاجة إلى أن يعلمهم برفع الصوت ، ثم إنه لو كان المقصود التعليم لكان التعليم يحصل بمرة أو مرتين ، ولا يحافظ عليه الرسول عليه الصلاة والسلام ، كلما سلم رفع صوته بالذكر.

    أركان الصلاة
    السؤال (96): فضيلة الشيخ ، ما هي أركان الصلاة ؟
    الجواب : صفة الصلاة التي ذكرناها آنفاً تشتمل على أركان الصلاة وواجباتها وسننها ، وأهل العلم رحمهم الله ذكروا أن ما يقع في هذه الصلاة ، أو أن ما يكون من هذه الصفة ينقسم إلى أركان وواجبات وسنن ، على اتفاق فيما بينهم في بعض الأركان والواجبات ، وخلاف فيما بينهم في بعضها ، فنذكر مثلاً من الأركان:
    الأول : القيام مع القدرة : وهذا ركن في الفرض خاصة ، لقوله تعالى : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة:238) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين : " صل قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب"(104).
    الثاني من الأركان : تكبيرة الإحرام ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة فكبر"(105). ولابد أن يقول : الله أكبر ، فلا يجزئ أن يقول : الله أجل ، أو الله أعظم ، وما أشبه ذلك. وينبغي أن يعلم أنه لا يصح أن يقول : الله أكبر بمد الهمزة، لأنها تنقلب حينئذ استفهاماً، ولا أن يقول : الله أكبار بمد الباء ، لأنها حينئذ تكون جمعاً للكبر، والكَبَر هو الطبل، فأكبار كأسباب جمع سبب، وأكبار جمع كبر ، هكذا قال أهل العلم فلا يجوز أن يمد الإنسان الباء ، لأنها تنقلب بلفظها إلى جمع كبر ، وأما ما يقوله بعض الناس : الله وكبر فيجعل الهمزة واواً، فهذا له مساغ في اللغة العربية ، فلا تبطل به الصلاة .
    الركن الثالث : قراءة الفاتحة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"(106)، ولكن إذا كان لا يعرفها فإنه يلزمه أن يتعلمها ، فإن لم يتمكن من تعلمها ، قرأ ما يقوم مقامها من القرآن إن كان يعلمه ، وإلا سبح وحمد الله وهلّل.
    الركن الرابع : الركوع : لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا )(الحج: 77)، ولقول البني صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أساء في صلاته ولم يصلها على وجه التمام: " ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" *.
    الركن الخامس : الرفع من الركوع ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته : "ثم ارفع حتى تطمئن قائماً"(107) .
    الركن السادس : السجود ، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا )(الحج: من الآية77) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته : "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً(108) .
    الركن السابع: الجلوس بين السجدتين، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته : " ثم ارفع حتى تطمئن جالساً(109).
    الركن الثامن : السجود الثاني ، لأنه لابد في كل ركعة من سجودين لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته : " ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً"(110) بعد أن ذكر قوله : " ثم ارفع حتى تطمئن جالساً".
    أما الركن التاسع : فهو التشهد الأخير ، لقول ابن مسعود رضي الله عنه : كنا نقوم قبل أن يفرض علينا التشهد ،فدل هذا على أن التشهد فرض.
    الركن العاشر : وهو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد.
    الركن الحادي عشر : الترتيب بين الأركان : القيام ، ثم الركوع ، ثم الرفع منه، ثم السجود ، ثم الجلوس بين السجدتين ، ثم السجود ، فلو بدأ بالسجود قبل الركوع لم تصح صلاته، لأنه أخل بالترتيب.
    الثالث عشر : الطمأنينة في الأركان ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته : "ثم اركع حتى تطمئن"، ثم ارفع حتى تطمئن "، "ثم اسجد حتى تطمئن".
    والطمأنينة: أن يسكن الإنسان في الركن حتى يرجع كل فقال إلى موضعه ، قال العلماء : وهي السكون وإن قل ، فمن لم يطمئن في صلاته فلا صلاة له ولو صلى ألف مرة.
    وبهذا نعرف خطأ ما نشاهده من كثير من المصلين من كونهم لا يطمئنون ولا سيما في القيام بعد الركوع ، والجلوس بين السجدتين ، فإنك تراهم قبل أن يعتدل الإنسان قائماً إذا هو ساجد وقبل أن يعتدل جالساً إذا هو ساجد ، وهذا خطأ عظيم ، فلو صلى الإنسان على هذا الوصف ألف صلاة لم تقبل منه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي كان يخل بالطمأنينة، فجاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم : "ارجع فصل فإن لم تصل"(111) ، وهذا يدل على أن من صلى صلاة أخل فيها بشيء من أركانها أو واجباتها على وجه أعم ، فإنه لا صلاة له ، بل ولو كان جاهلاً في مسألة الأركان ، فإنه لا صلاة له .
    والركن الأخير وهو الرابع عشر: التسليم ، بأن يقول في منتهى صلاته : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، والصحيح أن التسليمتين كلتاهما ركن ، وأنه لا يجوز أن يخل بواحدة منهما ، لا في الفرض ولا في النفل ، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في الفرض والنافلة ، وذهب آخرون إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في النافلة دون الفريضة ، فلابد فيها من التسليمتين ، لكن الأحوط أن يسلم الإنسان التسليمتين كلتيهما ، هذه هي الأركان.

    حكم من ترك ركنا من أركان الصلاة
    السؤال (97): فضيلة الشيخ ، ما حكم من ترك ركناً من هذه الأركان؟
    الجواب : إذا ترك ركناً من هذه الأركان متعمداً فصلاته باطلة ، تبطل بمجرد تركه ، أما إذا كان ناسياً فإنه يعود إليه ، فلو نسي أن يركع ، ثم سجد حين أكمل قراءته ، ثم ذكر وهو ساجد أنه لم يركع ، فإنه يجب عليه أن يقوم فيركع ثم يكمل صلاته ، ويجب عليه أن يرجع للركن الذي تركه ما لم يصل إلى مكانه من الركعة الثانية، فإن وصل إلى مكانه من الركعة الثانية قامت الركعة الثانية مقام الركعة التي تركه منها.
    فلو أنه لم يركع ، ثم سجد ، جلس بين السجدتين ، وسجد الثانية ، ثم ذكر ، فإنه يجب عليه أن يقوم فيركع ، ثم يستمر فيكمل صلاته ، أما لو لم يذكر أنه ركع إلا بعد أن وصل إلى موضع الركوع من الركعة التالية، فإن هذه الركعة الثانية تقوم مقام الركعة التي ترك ركوعها.
    وهكذا لو نسي الإنسان السجدة الثانية ، ثم قام من السجدة الأولى ، ولما قرأ ذكر أنه لم يسجد السجدة الثانية ، ولم يجلس أيضاً بين السجدتين فيجب عليه حينئذ أن يرجع ويجلس بين السجدتين ، ثم يسجد السجدة الثانية ، ثم يكمل صلاته ، بل لو لم يذكر أنه ترك السجدة الثانية والجلوس بين السجدتين إلا بعد أن ركع ، فإنه يجب عليه أن ينزل ، ويجلس ، ويسجد ، ثم يستمر في صلاته ، أما لو لم يذكر أنه ترك السجود الثاني من الركعة الأولى إلا بعد أن جلس بين السجدتين في الركعة الثانية ، فإن الركعة الثانية تقوم مقام الأولى ، وتكون هي ركعته الأولى.
    وفي كل هذه الأحوال ، أو في كل هذه الصور التي ذكرناها ، يجب عليه أن يسجد سجود السهو ، لما حصل من الزيادة في الصلاة بهذه الأفعال ، ويكون سجوده بعد السلام ، لأن سجود السهو إذا كان سببه الزيادة فإن محله بعد السلام ، كما تدل على ذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .

    إذا شك المصلي في أنه ترك ركناً
    السؤال (98): فضيلة الشيخ ، هذا بالنسبة لمن تأكد لديه أنه ترك ركناً من الأركان، لكن لو شك في تركه ماذا يفعل؟
    الجواب : إذا شك في تركه ، فهو لا يخلو من ثلاث حالات :
    إما أن يكون هذا الشك وهماً لا حقيقة له ، فهذا لا يؤثر عليه ، يستمر في صلاته ولا كأنه حصل له هذا الشك ، وإما أن يكون هذا الشك كثيراً معه، كما يوجد في كثير من الموسوسين ، نسأل الله لنا ولهم العافية ، فلا يلتفت إليه أيضاً ، بل يستمر في صلاته حتى لو خرج من صلاته وهو يرى أنه مقصر فيها فليفعل ولا يهمنه ذلك ، وإما أن يكون شكه بعد الفراغ من الصلاة ، فكذلك أيضاً لا يتلفت إليه ولا يهتم به ، ما لم يتيقن أنه ترك.
    أما إذا كان الشك في أثناء الصلاة ، فإن العلماء يقولون : من شك في ترك ركن فكتركه، فإذا كان الشك في أثناء الصلاة ، وكان شكاً حقيقياً، ليس وهماً ولا وسواساً فلو أنه سجد وفي أثناء سجوده شك هل ركع أو لم يركع ، فإنا نقول له : قم فاركع ، لأن الأصل عدم الركوع ، إلا إذا غلب على ظنه أنه ركع ، فإن الصحيح أنه إذا غلب على ظنه أنه ركع ، فإنه يعتد بهذا الظن الغالب ، ولكن يسجد للسهو بعد السلام.
    وسجود السهو في الحقيقة أم مهم ، ينبغي للإنسان أن يعرفه، ولا سيما الأئمة ، وقد كان كثير منهم يجهل ذلك ، وهو أمر لا ينبغي من مثلهم ، بل الواجب على المؤمن أن يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.

    مأموم يدخل مع الإمام وينسى كم صلى
    السؤال (99): فضيلة الشيخ، بعض الناس يأتي بعد إقامة الصلاة ، ويدخل مع الإمام ، وينسى عدد الركعات التي فاتته ، ثم يقتدي بمن في جانبه ممن دخل الصلاة معه فما حكم ذلك؟
    الجواب : هذا يقع كثيراً كما قلت ، يدخل اثنان مع الإمام ، ثم ينسى أحدهما كم صلى ، أو كم أدرك مع إمامه ، فيقتدي بالشخص الذي إلى جنبه ، فنقول: لا بأس أن يقتدي بالشخص الذي إلى جنبه ، إذا لم يكن عنده ظن يخالفه أو يقين يخالفه، لأن هذا رجوع إلى ما يغلب على ظنه ، والرجوع إلى ما يغلب على ظنه في باب العبادات لا بأس به على القول الراجح.

    واجبات الصلاة
    السؤال (100): فضيلة الشيخ ، عرفنا صفة الصلاة وأركانها، ونود أن نعرف ما هي واجبات الصلاة؟
    الجواب : واجبات الصلاة : هي الأقوال أو الأفعال التي إذا تركها الإنسان عمداً بطلت صلاته، وإن تركها سهواً فإنه يجبرها بسجود السهو ، فمنها التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، فإنها من واجبات الصلاة ، أما تكبيرة الإحرام فإنها ركن من أركان الصلاة ، لا تنعقد الصلاة إلا بها ، ويستثنى من هذه التكبيرات : تكبيرة الركوع ، إذا أتى المأموم والإمام راكع، فإنه يكبر تكبيرة الإحرام قائماً منتصباً ، فإذا أهوى إلى الركوع ، فإن التكبير في حقه سنة ، هكذا قرره الفقهاء رحمهم الله.
    ومن الواجبات : التسبيح في الركوع والسجود، ففي الركوع : سبحان الله ربي العظيم ، وفي السجود : سبحان ربي الأعلى .
    ومن الواجبات : التشهد الأول وجلسته.
    ومن الواجبات أيضاً: التسميع والتحميد ، أي قول : سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع ، وقول : ربنا ولك الحمد بعد القيام من الركوع للإمام والمنفرد.
    أما المأموم فإنه يقول : ربنا ولك الحمد ، حين رفعه من الركوع .
    هذه الواجبات إذا تركها الإنسان متعمداً بطلت صلاته ، وإن تركها سهواً فصلاته صحيحة ، ويجبرها سجود السهو، لحديث عبد الله بن بحينة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الركعتين فلم يجلس في صلاة الظهر ، فلما قضى الصلاة وانتظر الناس التسليمة ، سجد سجدتين ثم سلم(112) .

    سنن الصلاة
    لسؤال (101): فضيلة الشيخ ، مادمنا عرفنا واجبات الصلاة ، نود أن نعرف أيضاً شيئاً من سنن الصلاة؟
    الجواب : إذا عرف الإنسان أركان الصلاة وواجباتها ، فكل ما عداها فهو سنن ، فمن ذلك : الزيادة على الواحدة في تسبيح الركوع والسجود.
    ومن ذلك : صفة الجلوس في الصلاة ، فإنه يجلس مفترشاً في جميع جلسات الصلاة ، والافتراش: أن يجلس على رجله اليسرى ، وينصب رجله اليمنى - أي القدم - إلا في الجلسة الثانية في الصلاة ذات التشهدين ، فإنه يجلس متوركاً ، والتورك : أن ينصب قدمه اليمنى ، ويخرج رجله اليسرى من تحت الساق من يمينه.
    ومن السنن في الصلاة : أن يرفع الإنسان يديه إلى حذو منكبيه، أول إلى فروع أذنيه عند تكبيرة الإحرام ، وعند الركوع ، وعند الرفع منه ، وعند القيام من التشهد الأول ، والسنن كثيرة يعرفها من تتبع كتب الفقهاء في هذا.

    سجود السهو موجباته ومواضعه
    السؤال (102): فضيلة الشيخ ، نود أن نعرف أيضاً سجود السهو في الصلاة من حيث موجباته ومواضعه؟
    الجواب : سجود السهو في الصلاة أسبابه في الجملة ثلاثة : الزيادة ، والنقص ، والشك.
    فالزيادة : مثل أن يزيد الإنسان ركوعاً ، أو سجوداً ، أو قياماً ، أو قعوداً .
    والنقص : مثل أن ينقص الإنسان ركناً ، أو ينقص واجباً من وجبات الصلاة.
    والشك : أن يتردد كم صلى ثلاثاً أم أربعاً مثلاً .
    أما الزيادة : فإن الإنسان إذا زاد في الصلاة ركوعاً ، أو سجوداً ، أو قياماً ، أو قعوداً متعمداً بطلت صلاته ، لأنه إذا زاد متعمداً فقد أتى بالصلاة على غير الوجه الذي أمر به الله ورسوله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"(113) .
    أما إذا زاد ذلك ناسياً ، فإن صلاته لا تبطل ، ولكنه يسجد للسهو بعد السلام ، ودليل ذلك : حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم من ركعتين في إحدى صلاته ، إما الظهر وإما العصر، فلما ذكروه ، أتى صلى الله عليه وسلم بما بقي من صلاته وسلم ، ثم سجد سجدتين بعدما سلم(114)، ولحديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بهم الظهر خمساً، فلما انصرف قيل له : أزيد في الصلاة؟ قال : "وما ذاك؟" قالوا : صليت خمساً ، فثنى رجليه ، واستقبل القبلة ، وسجد سجدتين(115).
    أما النقص : فإن نقص الإنسان ركناً من أركان الصلاة ، فلا يخلو، إما أن يذكره قبل أن يصل إلى موضعه من الركعة الثانية ، فحينئذ يلزمه أن يرجع فيأتي بالركن وبما بعده ، وإما ألا يذكره حتى يصل إلى موضعه من الركعة الثانية ، وحينئذ تكون الركعة الثانية بدلاً عن الذي تركه منها، فيأتي بدلها ، أي بدل الذي تركها منها بركعة ، وفي هاتين الحالين يسجد بعد السلام.
    مثال ذلك : رجل قام حين سجد السجدة الأولى من الركعة الأولى، ولم يجلس ، ولم يسجد للسجدة الثانية، ولما شرع في القراءة، ذكر أنه لم يسجد ولم يجلس بين السجدتين ، فحينئذ يرجع ويجلس بين السجدتين، ثم يسجد ، ثم يقوم فيأتي بما بقي من صلاته ، ويسجد للسهو بعد السلام.
    ومثال من لم يذكره إلا بعد وصوله إلى محله من الركعة الثانية ، أنه قام من السجدة الأولى في الركعة الأولى ، ولم يسجد السجدة الثانية ، ولم يجلس بينها وبين الأولى ولكنه لم يذكر إلا حين جلس بين السجدتين من الركعة الثانية ، ففي هذه الحال تكون الركعة الثانية هي الركعة الأولى ، ويزيد ركعة في صلاته ، ويسلم ثم يسجد للسهو.
    أما نقص الواجب : فإذا أنقص واجباً وانتقل من موضعه إلى الموضع الذي يليه، مثل أن لو نسي قول " سبحان ربي الأعلى" ولم يذكر إلا بعد أن رفع من السجود ، فهذا قد ترك واجباً من واجبات الصلاة سهواً، فيمضي في صلاته ويسجد للسهو قبل السلام ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ترك التشهد الأول ، مضى في صلاته ، ولم يرجع ، وسجد للسهو قبل السلام(116) .
    أما الشك : فإن الشك هو التردد بين الزيادة والنقص، بأن يتردد المصلي هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، وهذا لا يخلو من حالين : إما أن يترجح عنده أحد الطرفين الزيادة أو النقص ، فيبني على ما ترجح عنده ، ويتم عليه ، ويسجد للسهو بعد السلام ، وإما ألا يترجح عنده أحد الأمرين ، فيبني على اليقين وهو الأقل ، فيتم عليه ، ويسجد للسهو قبل السلام.
    مثال ذلك: رجل صلى الظهر، ثم شك هل هو الآن في الركعة الثالثة أو الرابعة، وترجح عنده أنها الثالثة، فيأتي بركعة ، ثم يسلم ، ثم يسجد للسهو ، ومثال ما يستوي فيه الأمران : رجل يصلي الظهر ، فشك هل هذه الركعة الثالثة أو الرابعة ، ولم يترجح عنده أنها الثالثة أو الرابعة، فيبني على اليقين وهو الأقل ، فيجعلها الثالثة، ثم يأتي بركعة ، ويسجد للسهو قبل أن يسلم .
    وبهذا تبين أن سجود السهو يكون قبل السلام ، فيما إذا ترك واجباً من الواجبات، أو إذا شك في عدد الركعات ولم يترجح عنده أحد الطرفين ، وأنه يكون بعد السلام ، فيما إذا زاد في صلاته أو شك وترجح عنده أحد الطرفين.

    حكم السلام بعد سجود السهو
    السؤال (103): فضيلة الشيخ ، لكن إذا كان سجود السهو بعد الصلاة هل يلزم أيضاً سلام؟
    الجواب : إذا كان السجود بعد السلام ، فإنه يجب له السلام فيسجد سجدتين ثم يسلم.
    السؤال (104): فضيلة الشيخ ، وهل يجب له التشهد.
    الجواب : في هذا خلاف بين العلماء ، والراجح أنه لا يجب له التشهد.

    مبطلات الصلاة
    السؤال (105): فضيلة الشيخ ، ما هي مبطلات الصلاة ولو على سبيل الإجمال؟
    الجواب : مبطلات الصلاة تدور على شيئين : إما ترك ما يجب فيها ، أو فعل ما يحرم فيها.
    فأما ترك ما يجب : فمثل أن يترك الإنسان ركناً من أركان الصلاة متعمداً ، أو شرطاً من شروطها متعمداً ، أو واجباً من واجباتها متعمداً .
    مثال ترك الركن : أن يترك الركوع متعمداً .
    ومثال ترك الشرط : أن ينحرف عن القبلة في أثناء الصلاة متعمداً.
    ومثال ترك الواجب : أن يترك التشهد الأول متعمداً ، فإذا ترك أي واجب من واجبات الصلاة متعمداً فصلاته بطالة، سواء سمي ذلك الواجب شرطاً أم ركناً أم واجباً.
    الشيء الثاني مما يدور عليه بطلان الصلاة : فعل المحرم فيها ، كأن يحدث في صلاته ، أو يتكلم بكلام الآدميين ، أو يضحك ، أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي هي حرام في أثناء الصلاة ، يفعلها متعمداً ، فإن صلاته تبطل في هذه الحال.

    حكم صلاة الجماعة
    السؤال (106): فضيلة الشيخ ، تحدثنا عن الصلاة ، وحكمها ، وشروطها ، وكذلك الأركان ، والواجبات ، وأيضاً عن السجود للسهو لها ، ونود أن نسأل ونركز على حكم صلاة الجماعة؟
    الجواب : صلاة الجماعة اتفق العلماء على أنها من أجل الطاعات وأوكدها وأفضلها ، وقد أشار الله تعالى إليها في كتابه وأمر بها حتى في صلاة الخوف ، فقال الله تعالى : (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء:102) .
    وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث العدد الكثير الدال على وجوب الصلاة مع الجماعة ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم : "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار"(117) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : " من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر"(118) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الأعمى الذي طلب منه أن يرخص له في الصلاة في بيته : "أتسمع النداء ؟" فقال : نعم قال : " فأجب"(119). وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لقد رأيتنا وما يتخلف عنها - أي عن صلاة الجماعة - إلا منافق معلوم النفاق ، أو مريض ، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف(120). والنظر الصحيح يقتضي وجوبها ، فإن الأمة الإسلامية أمة واحدة ، ولا يتحقق كمال الوحدة إلا بكونها تجتمع على عباداتها ، وأجل العبادات وأفضلها وأوكدها : الصلاة ، فكان من الواجب على الأمة الإسلامية أن تجتمع على هذه الصلاة.
    وقد اختلف العلماء رحمهم الله بعد اتفاقهم على أنها من أوكد العبادات وأجل الطاعات ، اختلفوا : هل هي شرط لصحة الصلاة ، أو أن الصلاة تصح بدونها مع الإثم ، مع خلافات أخرى ، والصحيح أنها واجب للصلاة ، وليست شرطاً في صحتها، لكن من تركها فهو آثم ، إلا أن يكون له عذر شرعي ، ودليل كونها ليست شرطاً لصحة الصلاة هو أن الرسول عليه الصلاة والسلام فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وتفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ يدل على أن في صلاة الفذ فضلاً ، وذلك لا يكون إلا إذا كانت صحيحة.
    وعلى كل حال فيجب على كل مسلم ذكر بالغ أن يشهد صلاة الجماعة ، سواء كان ذلك في السفر أم في الحضر.

    علاقة المأموم بإمامه
    السؤال (107): فضيلة الشيخ ، مادمنا عرفنا حكم صلاة الجماعة، فما هي علاقة المأموم بإمامه
    الجواب : أما علاقة المأموم بإمامه، فإنها علاقة متابعة ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، ولا تكبروا حتى يكبر ، وإذا ركع فاركعوا ، ولا تركعوا حتى يركع ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : اللهم ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ، ولا تسجدوا حتى يسجد ، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإذا صلى قاعداً ، فصلوا قعوداً أجمعون"(121).
    ومقام المأموم مع إمامه في هذه الناحية يتنوع إلى أربع مقامات : متابعة ، وموافقة، مسابقة ، وتأخر.
    فأما المتابعة: فأن يأتي الإنسان بأفعال الصلاة بعد إمامه مباشرة، إذا ركع ركع بدون تأخر ، وإذا سجد سجد بدون تأخر، وهكذا في بقية أفعال الصلاة.
    وأما الموافقة : فأن يفعل هذه الأفعال مع إمامه، يركع مع ركوعه، ويسجد مع سجوده ، ويقوم مع قيامه ، ويقعد مع قعوده.
    وأما المسابقة : فأن يتقدم إمامه في هذه الأفعال ، فيركع قبله، ويسجد قبله، ويقوم قبله ، ويقعد قبله.
    وأما التأخر : فأن يتوانى في متابعة الإمام، فإذا ركع الإمام ، بقي واقفاً يقرأ الفاتحة، وإذا سجد بقي قائماً يحمد وهكذا ، وكل هذه المقامات مذمومة إلا مقام المتابعة.
    فالموافق لإمامه مخالف لقول الرسول عليه الصلاة والسلام : " لا تكبروا حتى يكبر الإمام ، ولا تركعوا حتى يركع"(122).
    والسابق له واقع في التحذير الشديد الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله : " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار"(123).
    والمتخلف : لم يحقق المتابعة ، لأن قول الرسول عليه الصلاة والسلام : " إذا كبر الإمام فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا" جملة شرطية تقتضي أن يقع المشروط فور وجود الشرط ، وألا يتأخر عنه ، فهو منهي عنه.
    فالمسابقة : حرام. والموافقة : قيل : إنها مكروهة، وقيل : إنها حرام . والتأخر : أقل أحواله الكراهة. أما المتابعة فهي الأمر الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم.

    أشد حالات مخالفة الإمام
    السؤال (108): فضيلة الشيخ ، لكن أي الحالات الثلاث أشد: المسابقة ، أم الموافقة أم التخلف عنه؟
    الجواب : المسابقة أشدها ، لأنه ورد فيها الوعيد الذي سمعت، ولأن القول الراجح أن الإنسان إذا سبق إمامه، بطلت صلاته ، سواء سبقه إلى الركن أو بالركن، لأنه إذا سبق إمامه فقد فعل فعلاً محرماً في الصلاة.
    والقاعدة الشرعية : أن من فعل فعلاً محرماً في العبادة، فإن العبادة تبطل به.

    صلاة التطوع ( فضلها - أنواعها)
    السؤال (109): فضيلة الشيخ ، نود أن تحدثونا عن صلاة التطوع من حيث الفضل والأنواع؟
    الجواب : من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، أن جعل لكل نوع من أنواع الفريضة تطوعاً يشبهه ، فالصلاة لها تطوع يشبهها من الصلوات ، والزكاة لها تطوع يشبهها من الصدقات ، والصيام له تطوع يشبهه من الصيام ، وكذلك الحج، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده ليزدادوا ثواباً وقرباً من الله تعالى ، وليرقعوا الخلل الحاصل في الفرائض ، فإن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة. فمن التطوع في الصلاة : الرواتب التابعة للصلوات المفروضة ، وهي أربع ركعات قبل الظهر بسلامين ، وتكون بعد دخول وقت صلاة الظهر ، ولا تكون قبل دخول وقت الصلاة ، وركعتان بعدها ، فهذه ست ركعات ، كلها راتبة للظهر، أما العصر فليس لها راتبة ، أما المغرب فلها راتبة ركعتان بعدها، وركعتان بعد العشاء ، وركعتان قبل الفجر ، وتختص الركعتان قبل الفجر ، بأن الأفضل أن يصليهما الإنسان خفيفتين، وأن يقرأ فيهما بـ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (الكافرون:1) في الركعة الأولى ، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الإخلاص:1) في الركعة الثانية ، أو بقوله تعالى : (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ) الآية ، في سورة البقرة في الركعة الأولى ، و (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ )(آل عمران: 64) الآية في سورة آل عمران في الركعة الثانية ، وبأنها - أي راتبة الفجر -تصلى في الحضر والسفر ، وبأن فيها فضلاً عظيماً ، قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام : " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"(124) .
    ومن النوافل في الصلوات : الوتر ، وهو من آكد النوافل ، حتى قال بعض العلماء بوجوبه ، وقال فيه الإمام أحمد رحمه الله : من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة . وتختم به صلاة الليل ، فمن خاف ألا يقوم من آخر الليل أوتر قبل أن ينام ، ومن طمع أن يقوم آخر الليل ، فليوتر آخر الليل بعد إنهاء تطوعه، قال النبي عليه الصلاة والسلام : " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً"(125) ، وأقله ركعة واحدة ، وأكثره إحدى عشر ركعة ، وأدنى الكمال : ثلاث ركعات ، فإن أوتر بثلاث فهو بالخيار ، إن شاء سردها سرداً بتشهد واحد ، وإن شاء سلم من ركعتين ، ثم أوتر بواحدة ثم صلى واحدة، وإن أوتر بخمس سردها جميعاً بتشهد واحد وسلام واحد ، وإن أوتر بسبع فكذلك، يسردها جميعاً بتشهد وحد وسلام واحد ، وإن أوتر بتسع فإنه يسردها ، ويجلس في الثامنة ويتشهد، ثم يقوم فيأتي بالتاسعة ويسلم ، فيكون فيها تشهدان وسلام واحد، وإن أوتر بإحدى عشرة ركعة ، فإنه يسلم من ركعتين ويأتي بالحادية عشرة وحدها.
    وإذا نسى الوتر ، أو نام عنه ، فإنه يقضيه من النهار، لكن مشفوعاً ، لا وتراً ، فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث ، صلى أربعاً ، وإن كان من عادته أن يوتر بخمس ، صلى ستاً وهكذا ، لأنه ثبت في الصحيح ، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل، صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة"(126).

    الفرق في الأحكام بين الفرض والنافلة
    السؤال (110): فضيلة الشيخ ، هل هناك فرق بين صلاة الفرض والنافلة؟
    الجواب : نعم هناك فوارق بين صلاتي الفرض والنافلة ، من أوضحها : أن النافلة تصح في السفر على الراحلة، ولو بدون ضرورة ، فإذا كان الإنسان في سفر ، وأحب أن يتنفل وهو على راحلته ، سواء كانت الراحلة السيارة، أم طيارة ، أم بعيراً، أم غير ذلك ، فإنه يصلي النافلة على راحلته متجهاً حيث يكون وجهه، يومئ بالركوع والسجود، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل ذلك(127).
    ومن الفروق بين الفريضة والنافلة : أن الإنسان إذا شرع في الفريضة حرم أن يخرج منها إلا لضرورة قصوى، وأما النافلة فيجوز أن يخرج منها لغرض صحيح، وإن كان بغير غرض فإنه لا يأثم إذا خرج منها ولكنه يكره كما ذكر ذلك أهل العلم.
    ومن الفروق : أن الفريضة يأثم الإنسان بتركها ، وأما النافلة فلا.
    ومن الفروق : أن الفريضة تشرع لها صلاة الجماعة ، وأما النافلة فلا تشرع ، إلا في صلوات معينة ، كالاستسقاء، وصلاة الكسوف على القول بأنها سنة، ولا بأس أن يصليها الإنسان - أي النافلة - أحياناً جماعة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ببعض أصحابه جماعة في بعض الليالي، فقد صلى معه مرة ابن عباس ، ومرة حذيفة ، ومرة ابن مسعود.
    وأما في رمضان ، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أقام بهم ثلاث ليال ثم تأخر خوفاً من أن تفرض على الناس(128) ، وهذا يدل على أن صلاة الجماعة في قيام رمضان سنة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها ، ولكن تركها خوفاً من أن تفرض، وهذا مأمون بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

    ----------------------------------------------

    (75) أخرجه الترمذي ، كتاب الإيمان ، باب ما جاء في حرمة الصلاة ، رقم (2616)، وقال : حسن صحيح.
    (76) أخرجه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب وجوب الزكاة ، رقم (1395)، ومسلم، كتاب الإيمان ، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، رقم (19).
    (77) أخرجه مسلم ، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة ، رقم (987).
    (78) أخرجه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ، رقم (82).
    (79) أخرجه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة على الميت ، رقم (67).
    (80) أخرجه الترمذي ، كتاب الإيمان ، باب ما جاء في ترك الصلاة ، رقم (2622)، قال الألباني: وإسناده صحيح . ووصله الحاكم(1/8)، عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة قال : فذكره . وقال صحيح على شرطهما ، وقال الذهبي : إسناده صحيح. اهـ . انظر : "المشكاة" (1/183).
    (81) تقدم تخريجه ص (147).
    (82) أخرجه الترمذي ، كتاب الإيمان ، باب ما جاء في ترك الصلاة ، رقم (2621)، والنسائي ، كتاب الصلاة ، باب الحكم في تارك الصلاة ، رقم (463)، وأحمد في " المسند" (5/546)، والحاكم في " المستدرك" (1/7) وقال : صحيح الإسناد . ووافقه الذهبي، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب.
    (83) تقدم تخريجه ص (147).
    (84) تقدم تخريجه ص (137).
    (85) تقدم تخريجه ص (111).
    (86) أخرجه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم (705م).
    (87) أخرجه البخاري ، كتاب الوضوء ، باب إذا كان الثوب ضيقاً، رقم (361).
    (88) أخرجه البخاري ، كتاب الصلاة ، باب إذا صلى في الثوب الواحد ، رقم (359)، ومسلم ، كتاب الصلاة ، باب الصلاة في ثوب واحد، رقم (516).
    (89) أخرجه البخاري ، كتاب الصلاة ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" رقم (438)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، رقم (521).
    (90) أخرجه البخاري ، كتاب الوضوء ، باب من الكبائر ألا يستتر من بوله ، رقم (216، 218)، ومسلم ، كتاب الطهارة ، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، رقم (292).
    (91) أخرجه أبو داود ، كتاب الطهارة ، باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها ، رقم (365).
    (92) أخرجه البخاري ، كتاب الوضوء ، باب بول الصبيان ، رقم (222)، ومسلم ، كتاب الطهارة ، باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله، رقم (286، 287).
    (93) تقدم تخرجيه ص (133).
    (94) تقدم تخريجه ص (114).
    (95) أخرجه الترمذي ، كتاب الصلاة ، باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة ، رقم (344)، وابن ماجه ، كتاب إقامة الصلاة ، باب القبلة ، رقم (1011)، وقال الترمذي : حسن صحيح ، وأخرجه الحاكم في المستدرك (1/205) وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي
    (96) أخرجه البخاري ، كتاب الوضوء ، باب التخفيف في الوضوء ، رقم (138)ومسلم ، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم (763).
    (97) أخرجه البخاري ، كتاب الأذان ، باب ما يقول بعد التكبير ، رقم (744)، ومسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بعد تكبيرة الإحرام ، رقم (598).
    (98) أخرجه مسلم ، كتاب الصلاة ، باب حجة من قال : لا يجهر بالبسملة، رقم (399).
    (99 أخرجه مسلم ، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ، رقم (479).
    (100) أخرجه مسلم ، كتاب الصلاة ، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم (486).
    (101) صحيح ابن خزيمة 1/328) رقم (654) كتاب الصلاة ، ولفظه: قالت عائشة رضي الله عنها : "فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان معي على فراشي ، فوجدته ساجداً راصاً عقبيه ، مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة .." الحديث
    (102) أخرجه البخاري ، كتاب الأذان ، باب الذكر بعد الصلاة ، رقم (841)، ومسلم كتاب المساجد ، باب الذكر بعد الصلاة ، رقم (583)
    (103) أخرجه البخاري ، كتاب الأذان ، باب الذكر بعد الصلاة ، رقم (842)، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب الذكر بعد الصلاة ، رقم (583).
    (104) أخرجه البخاري ، كتاب تقصير الصلاة ، باب إذا لم يطق قاعداً صلى على جنب ، رقم (1117).
    (105) أخرجه البخاري ، كتاب الأيمان والنذور ، باب إذا حنث ناسياً في الأيمان رقم (6667)، ومسلم ، كتاب الصلاة ، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ، رقم (397).
    (106) أخرجه البخاري ، كتاب الأذان ، باب وجوب قراءة الفاتحة للإمام والمأموم ، رقم (756)، ومسلم ، كتاب الصلاة ، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ، رقم (394).
    * أخرجه البخاري ، كتاب الآذان، باب وجوب قراءة الفاتحة للإمام والمأموم رقم (757) ومسلم كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم (397).
    (107) الحديث السابق نفسه.
    (108) الحديث السابق نفسه.
    (109) الحديث السابق نفسه.
    (110) الحديث السابق نفسه.
    (111) الحديث السابق نفسه.
    (112) أخرجه البخاري ، كتاب السهو ، باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة ، رقم (1224، 1225)،ومسلم ، كتاب المساجد ، باب السهو في الصلاة والسجود له ، رقم (570).
    (113) تقدم تخريجه ص (111).
    (114) أخرجه البخاري ، كتاب السهو ، باب إذا سلم في ركعتين أو في ثلاث سجد سجدتين ، رقم (1227)، ومسلم ، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له ، رقم (573).
    (115) أخرجه البخاري ، كتاب السهو ، باب إذا صلى خمساً ، رقم (1226)، ومسلم ، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له ، رقم (572).
    (116) أخرجه الترمذي ، كتاب الصلاة ، باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسياً ، رقم (364)، وصححه العلامة أحمد شاكر في حاشيته على الترمذي (1/199).
    (117) أخرجه البخاري، كتاب الأذان ، باب وجوب صلاة الجماعة ، رقم (644)، ومسلم ، كتاب المساجد ، باب فضل صلاة الجماعة ، رقم (651),
    (118) أخرجه ابن ماجه، كتاب الصلاة ، باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، رقم (793)، وهو في صحيح الجامع رقم (6300).
    (119 أخرجه مسلم ، كتاب المساجد ، باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء ، رقم (653).
    (120) أخرجه مسلم ، كتاب المساجد ، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى ، رقم (654).
    (121) أخرجه أبو داود ، كتاب الصلاة ، باب إمامة من يصلي بقوم وقد صلى تلك الصلاة رقم (603).
    (122) تقدم تخريجه ص (96).
    (123) أخرجه البخاري ، كتاب الأذان ، باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام، رقم (691)، ومسلم ، كتاب الصلاة ، باب النهي عن سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما ، رقم (427).
    (124) أخرجه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين ، باب استحباب ركعتي سنة الفجر، رقم (725).
    (125) أخرجه البخاري ، كتاب الوتر ، باب ليجعل آخر صلاته وتراً ، رقم (998)، ومسلم ، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى، رقم (751).
    (126) أخرجه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين ، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض ، رقم (746).
    (127) أخرجه البخاري ، كتاب الوتر ، باب الوتر في السفر، رقم (1000)، ومسلم ، كتاب صلاة المسافرين ، باب جواز صلاة النافلة على الداب في السفر حيث توجهت ، رقم (700).
    (128) أخرجه البخاري، كاب صلاة التراويح ، باب فضل من قام رمضان ، رقم (2012)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين ، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، رقم (761).




  9. #9
    مراقب المضايف الاسلامية الصورة الرمزية ابو ضاري


    تاريخ التسجيل
    03 2007
    الدولة
    الجبي
    العمر
    38
    الاقامة:
    الجبي
    الجنس:
    ذكر
    المشاركات
    15,734
    مقالات المدونة
    1
    Thanks
    785
    شُكِر 518 في 160مشاركة

    معرض الأوسمه



    فتاوى الزكاة
    المقصود بالزكاة لغة وشرعاً
    السؤال (111): فضيلة الشيخ ، ما المقصود بالزكاة في اللغة، وفي الشرع؟ وما العلاقة بين المفهومين؟
    الجواب : الزكاة في اللغة : الزيادة والنماء، فكل شيء زاد عدداً ، أو نما حجماً فإنه يقال : زكا. فيقال : زكا الزرع ، إذا نما وطال.
    وأما في الشرع : فهي التعبد لله تعالى بإخراج قدر واجب شرعاً في أموال مخصومة لطائفة أو جهة مخصوصة.
    والعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، أن الزكاة وإن كان ظاهرها النقص، نقص كمية المال ، لكن آثارها زيادة المال، زيادة المال بركة ، وزيادة المال كمية، فإن الإنسان قد يفتح الله له من أبواب الرزق ما لا يخطر على باله إذا قام بما أوجب الله عليه في ماله ، قال الله تعالى : (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم:39)، وقال تعالى : ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(سـبأ: 39) ، يخلفه : أي يأتي بخلفه وبدله.
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ما نقصت صدقة من مال"(129). وهذا أمر مشاهد ، فإن الموفقين لأداء ما يجب عليهم في أموالهم يجدون بركة فيما ينفقونه، وبركة فيما يبقى عندهم ، وربما يفتح الله لهم أبواب رزق يشاهدونها رأي العين ، بسبب إنفاقهم أموالهم في سبيل الله .
    ولهذا كانت الزكاة في الشرع ملاقية للزكاة في اللغة من حيث النماء والزيادة.
    ثم إن في الزكاة أيضاً زيادة أخرى ، وهي زيادة الإيمان في قلب صاحبها، فإن الزكاة من الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة تزيد في إيمان الرجل ، لأن مذهب أهل السنة والجماعة أن الأعمال الصالحة من الإيمان ، وأن الإيمان يزداد بزيادتها ، وينقص بنقصها، وهي أيضاً تزيد الإنسان في خلقه ، فإنها بذل وعطاء، والبذل والعطاء يدل على الكرم والسخاء، والكرم والسخاء لا شك أنه خلق فاضل كريم ، بل إن له آثاراً بالغة في انشراح الصدر، ونور القلب ، وراحته، ومن أراد أن يطلع على ذلك فليجرب الإنفاق ، يجد الآثار الحميدة التي تحصل له بهذا الإنفاق، ولا سيما فيما إذا كان الإنفاق واجباً مؤكداً كالزكاة، فإن الزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهي التي تأتي كثيراً مقرونة بالصلاة التي هي عمود الإسلام ، وهي في الحقيقة محك تبين كون الإنسان محبا لما عند الله عز وجل ، لأن المال محبوب إلى النفوس ، وبذل المحبوب لا يمكن أن يكون إلا من أجل محبوب يؤمن به الإنسان وبحصوله، ويكون هذا المحبوب أيضاً أحب مما بذله.
    ومصالح الزكاة، وزيادة الإيمان بها ، وزيادة الأعمال ، وغير ذلك أمر معلوم ، يحصل بالتأمل فيه أكثر مما ذكرنا الآن.

    آثار الزكاة على المجتمع والاقتصاد
    السؤال (112): فضيلة الشيخ، ذكرتم تعريف الزكاة أو مفهوم الزكاة اللغوي والشرعي، والعلاقة بينهما ، ثم تحدثتم أيضاً عن الآثار التي تنعكس على الفرد، لكن أيضاً مادمنا عرفنا الآثار التي تنعكس على الفرد، فما هي الآثار التي تنعكس على المجتمع، وعلى الاقتصاد الإسلامي أيضاً؟
    الجواب: آثار الزكاة على المجتمع وعلى الاقتصاد الإسلامي ظاهرة أيضاً، فإن فيها من مواساة الفقراء والقيام بمصالح العامة ما هو معلوم ظاهر من مصارف هذه الزكاة ، فإن الله سبحانه وتعالى قال في مصارف هذه الزكاة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (التوبة:60) .
    وهؤلاء الأصناف الثمانية منهم من يأخذها لدفع حاجته ، ومنهم من يأخذها لحاجة المسلمين إليه، فالفقراء والمساكين والغارمون لأنفسهم، هؤلاء يأخذون لحاجتهم، وكذلك ابن السبيل والرقاب، ومنهم من يأخذ لحاجة الناس إليه، كالغارم لإصلاح ذات البين ، والعاملين عليها والمجاهدين في سبيل الله.
    فإذا عرفنا أن توزيع الزكاة على هذه الأصناف يحصل بها دفع الحاجة الخاصة لمن يعطاها ، ويحصل بها دفع الحاجة العامة للمسلمين، عرفنا مدى نفعها للمجتمع.
    وفي الاقتصاد تتوزع الثروات بين الأغنياء والفقراء ، بحيث يؤخذ من أموال الأغنياء هذا القدر ليصرف إلى الفقراء، ففيه توزيع للثروة حتى لا يحدث التضخم من جانب والبؤس والفقر من جانب آخر.
    وفيها أيضاً من صلاح المجتمع : ائتلاف القلوب ، فإن الفقراء إذا رأوا من الأغنياء أنهم يمدونهم بالمال، ويتصدقون عليهم بهذه الزكاة التي لا يجدون فيها منة عليهم ، لأنها مفروضة عليهم من قبل الله ، فإنهم بلا شك يحبون الأغنياء ويألفونهم ويرجون ما أمرهم الله به من الإنفاق والبذل، بخلاف ما إذا شح الأغنياء بالزكاة وبخلوا بها واستأثروا بالمال ، فإن ذلك قد يولد العداوة والضغينة في قلوب الفقراء ، ويشير إلى هذا ختم الآيات الكريمة التي فيها بيان مصارف الزكاة بقوله تعالى : ( فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(التوبة: 60).

    شروط وجوب الزكاة
    السؤال (113): فضيلة الشيخ ، حبذا لو عرفنا شروط وجوب الزكاة ؟
    الجواب : شروط وجوب الزكاة : الإسلام، والحرية ، وملك النصاب ، واستقراره، ومضي الحول ، إلا في المعشرات .
    فأما الإسلام : فإن الكافر لا تجب عليه الزكاة ، ولا تقبل منه لو دفعها باسم الزكاة، لقول الله تعالى : (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة:54)الآية .
    ولكن ليس معنى قولنا إنها لا تجب على الكافر ولا تصح منه ولا تقبل منه، أنه معفى عنها في الآخرة ، بل إنه يعاقب عليها ، لقوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (38) (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) (39) (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ) (40) (عَنِ الْمُجْرِمِينَ) (41) (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (42) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (43) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (44) (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (45) (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (46) (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) (المدثر38-47) ، وهذا يدل على أن الكفار يعذبون على إخلالهم بفروع الإسلام ، وهو كذلك.
    وأما الحرية : فلأن المملوك لا مال له ، إذ إن ماله لسيده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من باع عبداً له مال ، فماله لبائعه إلا أن يشترط المبتاع"(130). فهو إذن غير مالك للمال حتى تجب عليه الزكاة، وإذا قدر أنه أي العبد ملك بالتمليك، فإن ملكه في النهاية يعود إلى سيده، لأن سيده له أن يأخذ ما بيده، وعلى هذا ففي ملكه نقص ، ليس مستقراً استقرار أملاك الأحرار.
    وأما ملك النصاب: فمعناه أن يكون عند الإنسان مال يبلغ النصاب الذي قدره الشرع ، وهو يختلف باختلاف الأموال ، فإذا لم يكن عند الإنسان نصاب فإنه لا زكاة عليه ، لأن ماله قليل لا يحتمل المواساة ، والنصاب يختلف باختلاف الأموال، ففي المواشي الأنصبة فيها مقدرة ابتداء وانتهاء ، وفي غيرها الأنصبة مقدرة فيها ابتداء وما زاد فبحسابه.
    وأما مضي الحول : فلأن إيجاب الزكاة في أقل من الحول يستلزم الإجحاف بالأغنياء ، وإيجابها فيما فوق الحول يستلزم الضرر في حق الفقراء، فكان من حكمة الشرع أن يقدر لها زمناً معيناً تجب فيه وهو الحول ، وفي ربط ذلك بالحول توازن بين حق الأغنياء وحق أهل الزكاة ، وعلى هذا فلو مات الإنسان مثلاً أو تلف المال قبل تمام الحول سقطت الزكاة، إلا أنه يستثنى من تمام الحول ثلاثة أشياء : ربح التجارة ، ونتاج السائمة ، والمعشرات.
    أما ربح التجارة : فإن حوله حول أصله ، وأما نتاج السائمة : فحول النتاج حول الأمهات، وأما المعشرات فحولها تحصيلها أي وقت تحصيلها مثال ذلك في الربح : أن يشتري الإنسان سلعة بعشرة آلاف ريال، ثم قبل تمام حول الزكاة بشهر تزيد هذه السلعة أو تربح نصف الثمن الذي اشتراها به ، فيجب عليه زكاة رأس مال وزكاة ربح وإن لم يتم للربح حول ، لأنه فرع ، والفرع يتبع الأصل .
    وأما النتاج : فمثل أن يكون عند الإنسان من البهائم نصاب ، ثم في أثناء الحول يتوالد هذا النصاب حتى يبلغ نصابين ، فيجب عليه الزكاة للنصاب الذي حصل بالنتاج وإن لم يتم عليه الحول ، لأن النتاج فرع فيتبع الأصل.
    وأما المعشرات : فحولها حين أخذها مثل الحبوب والثمار، فإن الثمار في النخل مثلاً لا يتم عليه الحول حتى يجذّ ، فتجب الزكاة عند جذه، وكذلك الزرع يزرع ويحصد قبل أن يتم عليه الحول ، فتجب عليه الزكاة عند حصاده، لقول الله تعالى : ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ )(الأنعام: 141).
    فهذه الأشياء الثلاثة تستثنى من قولنا إنه يشترط لوجوب الزكاة تمام الحول.

    مال المملوك هل يعفى من الزكاة
    السؤال (114): فضيلة الشيخ، ذكرتم من شروط وجوب الزكاة وعددتم منها أن يكون مالك المال حراً ، وتحدثتم عن مال المملوك وأن المملوك لا يؤدي أو لا يجب عليه زكاة ، لأن المال مال مالكه ، لكن : هل يعفى المال من التزكية أم يدفع المالك من المال؟
    الجواب : زكاة المال الذي عند المملوك على مالكه، لأنه هو مالك المال كما أسلفنا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام : "من باع عبداً له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع"(131) ، وعلى هذا فتكون الزكاة على مالك المال، وليس على المملوك منها شيء ، ولا يمكن أن تسقط الزكاة عن هذا المال.

    الأصناف التي تجب فيها الزكاة ومقدار كل نوع
    السؤال (115): فضيلة الشيخ ، ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة ، ومقدار الزكاة في كل نوع منها؟
    الجواب : الأموال التي تجب فيها الزكاة هي :
    أولاً : الذهب والفضة ، والزكاة فيهما واجبة بالإجماع من حيث الجملة ، لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (34) (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة:34-35) .
    وكنز الذهب والفضة هو ألا يخرج الإنسان ما أوجب الله عليه فيه من زكاة أو غيرها، وإن كان ظاهراً على سطح الأرض، وإذا أخذ الإنسان ما يجب لله فيه من الزكاة وغيرها فهو غير كنز وإن دفن في الأرض ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم ، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره ، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار(132).
    والزكاة في الذهب والفضة واجبة على أي حال كان ، سواء كانت دراهم من الفضة ودنانير من الذهب ، أو كانت تبراً أي قطعاً من الذهب أو كانت قطعاً من الفضة، أو كانت حلياً يستعمل أو لا يستعمل، لعموم الأدلة الواردة في ذلك ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في خصوص الحلي حين أتته امرأة معها ابنة لها ، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أتؤدين زكاة هذا ؟" قالت : لا . قال : " أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار". فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالت : هما لله ورسوله(133). وهذا نص صريح في وجوب الزكاة في الحلي ولو كان ملبوساً . وإنما وجه النبي صلى الله عليه وسلم الخطاب إلى أم البنت لأنها هي ولية أمرها.
    وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء أعني مسألة الحلي ولكن الراجح ما قلناه، لأن الأحاديث عامة ، والأحاديث الخاصة فيها جيدة ، بل صححها بعضهم ، ولا شك أنها تقوم بها الحجة، لأنه يشهد بعضها لبعض، والأصل وجوب الزكاة في الذهب والفضة حتى يقوم دليل على التخصيص.
    والواجب في الذهب والفضة ربع العشر، أي واحد من أربعين، وطريقة استخراج ذلك أن تقسم ما عندك على أربعين ، فما خرج من القسمة فهو الزكاة ، فإذا كان عند الإنسان أربعون ألفاً من الفضة ، أي أربعون ألف درهم ، فليقسم الأربعين على أربعين ، يخرج واحد فهو الزكاة.
    وكذلك لو كان عنده أربعون ديناراً ، أن يقسم الأربعين على أربعين يخرج واحد أي دينار واحد فهو الواجب ، وعلى هذا فقس، قل المال أو كثر ، بشرط أن يبلغ النصاب.
    نصاب الذهب خمسة وثمانون جراماً (85) وتساوي عشرة جنيهات سعودية ونصف وزيادة قليلة ، يعني خمسة من ثمانية ، فإذا كان الذهب تبلغ زنته هذا وجبت فيه الزكاة ، وإن كان دون ذلك لم تجب فيه الزكاة .
    أما الفضة فنصابها مائة وأربعون مثقالاً ، وهي أيضاً خمسمائة وخمسة وتسعون جراماً (595)، وتساوي بالدراهم دراهم الفضة السعودية ستة وخمسين ريالاً ، أي ما يزن ستة وخمسين ريالاً من ريال الفضة السعودية ، فإذا بلغ عند الإنسان من الفضة ما يزن ذلك، فقد وجبت فيه الزكاة ، ومادون هذا لا زكاة فيه.
    وليعلم أن القول الراجح من أقوال أهل العلم ، أن الذهب لا يضم إلى الفضة في تكميل النصاب، لأنهما جنسان مختلفان ، وهما وإن اتفقا في المنفعة والغرض ، فإن ذلك لا يقتضي ضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، لأن الشارع قدر لكل واحد منهما نصاباً معيناً يقتضي ألا تجب الزكاة فيما دونه ، ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص بضم أحدهما إلى الآخر ، وكما أن البر لا يضم إلى الشعير في تكميل النصاب مع أن مقصودهما واحد، فكذلك الذهب والفضة.
    وبناء على ذلك : لو كان عند الإنسان نصف نصاب من الذهب ، ونصف نصاب من الفضة ، لم تجب عليه الزكاة في واحد منهما، لما ذكرنا من أنه لا يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب .
    ويلحق بالذهب والفضة ما جعل بدلاً عنهما في كونه نقداً يتعامل به ، كالأوراق النقدية المعروفة بين الناس اليوم ، فإذا كان عند الإنسان من هذه الأوراق ما تساوي قيمتيه نصاباً من الذهب أو الفضة، فإن الزكاة تجب عليه فيها، لأنها نقود وليست عروض تجارة، إذ إنها هي قيم الأشياء التي تقدر بها ، وهي وسيلة التبادل بين الناس ، فكانت كالدنانير والدراهم وليست كعروض التجارة كما زعمه بعضهم.
    وليعلم أن الزكاة في الذهب والفضة واجبة وإن كان الإنسان قد ادخرهما لنفقاته وحاجاته ، فإذا كان عند الإنسان عشرة آلاف درهم ، أعدها لشراء بيت يسكنه، فإن الزكاة واجبة فيها ولو بقيت سنوات ، وكذلك لو كان قد أعدها ليتزوج بها فإن الزكاة واجبة فيها ولو بقيت سنة أو أكثر.
    المهم أن الزكاة واجبة في عين الذهب والفضة ، فتجب فيهما بكل حال ، وما يظنه بعض الناس من أن الدراهم إذا أعدت للنفقة ، أو لحاجة الزواج ونحوه لا زكاة فيها ، فإنه ظن خاطئ لا أصل له ، لا في الكتاب ، ولا في السنة ، ولا في أقوال أهل العلم ، وهذا بخلاف العروض ، فإن العروض هي التي يشترط فيها نية التجارة ، أما الذهب والفضة فالزكاة في أعيانهما فتجب فيهما بكل حال.
    هذا أحد الأموال التي تجب فيها الزكاة ، وهو الذهب والفضة .
    الثاني : الخارج من الأرض من الحبوب والثمار ، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ )(البقرة:267) ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : " فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر"(134)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"(135) ، فتجب الزكاة في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار ، من الحبوب : كالبر والذرة ، والأرز وغيرها.
    ومن الثمار : كالنخيل والأعناب التي تزبب ويحصل منها الزبيب ، وأما الأعناب التي لا تزبب ففيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال : إنه لا زكاة فيها ، لأنها ملحقة بالفواكه، في كالبرتقال والتفاح ، ومنهم من قال : إنها تجب فيها الزكاة اعتباراً بأصل العنب، لأن أصل العنب أن يزبب ، فهو شبيه بثمار النخيل، أي شبيه بالتمر، والاحتياط أن يخرج الإنسان الزكاة منه ، وأما ما ليس بحبوب ولا ثمار ، يكال ويدخر ، مثل الفواكه على اختلاف أنواعها ، والخضروات على اختلاف أنواعها، فإنه لا زكاة فيها ولو كثرت.
    ومقدار الزكاة في الحبوب والثمار العشر، أي : عشرة في المائة إذا كانت تسقى بلا مؤونة، كالذي يشرب بعروقه، لكون الأرض رطبة ، أو الذي يشرب بالطل ، أو الذي يشرب بالأنهار ، أو الذي يشرب بالقنوات التي تضرب في الأرض ثم ينبع منها الماء، هذا كله يجب فيه العشر، لأنه لا مؤونة في استخراج الماء الذي يسقى به، وأما إذا كان يسقى بمؤونة ، كالذي يسقى بالسواني أو بالمكائن أو بالغرافات ، أو ما أشبهها ، فإن الواجب فيه نصف العشر ، فأسقط الشارع عنه نصف العشر مراعاة لحاله، ونصف العشر خمسة في المائة ، فإذا قدرنا أن هذه المزرعة أنتجت خمسة آلاف صاع ، كان الواجب فيها إذا كان الزرع يسقى بلا مؤونة خمسمائة صاع ، وإذا كان يسقى بمؤونة كان الواجب مائتين وخمسين صاعاً ، وعلى هذا فقس.
    ولكن لا تجب الزكاة في الحبوب والثمار حتى تبلغ نصاباً، والنصاب خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون مجموع الآصع ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، فما دون ذلك فلا زكاة فيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"(136).
    هذان مالان مما تجب فيهما الزكاة.

    زكاة الفواكه والخضروات إذا بيعت
    السؤال (116): فضيلة الشيخ، بالنسبة للفواكه التي لا زكاة فيها ، هل إذا باعها الإنسان وجب عليه الزكاة في قيمتها"؟.
    الجواب : هذه الفواكه والخضروات لا زكاة فيها ، ولكن الإنسان إذا باعها ، فإن في ثمنها الزكاة إن بقي حتى تم عليه الحول وكان من النقدين، الذهب والفضة أو ما جرى مجراهما، أما لو باعها بعروض ، مثل أن باعها بسيارات أو بأقمشة أو بأواني ، فإنه لا زكاة فيها أيضاً ما لم ينو التجارة بما جعله بدلاً ، فإن نوى التجارة كانت الزكاة واجبة وجوب زكاة العروض التي سنتكلم عنها إن شاء الله تعالى فيما بعد.

    تابع الأصناف التي تجب فيها الزكاة
    ومن الأموال الزكوية التي تجب فيها الزكاة : بهيمة الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم، ولكن يشترط لوجوب الزكاة فيها شرطان : الشرط الأول : أن تكون معدة للدر والنسل والتسمين، لا للبيع والشراء .
    والشرط الثاني : أن تكون سائمة الحول أو أكثره، يعني أن تتغذى على السوم- وهو الرعي - الحول أو أكثره.
    فإن كانت غير معدة للدر والتسمين ، وإنما هي معدة للاتجار والتكسب، فهي عروض التجارة ، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى ، وإن كانت معدة للدر والتسمين، ولكنها تعلف فإنها لا زكاة فيها ، فلو كان عند الفلاح عشرون بعيراً أبقاها للتناسل وللدر والتسمين وللقنية، فإنها لا زكاة عليها في ذلك مادام يعلفها أكثر الحول لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، فيما كتبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم قال : "في الغنم في سائمتها"(137). وفي حديث بهز بن حيكم عن أبيه عن جده : " في الإبل في سائمتها"(138). وهذا يدل على أن غير السائمة ليس فيها زكاة وهو كذلك .
    وأما مقدار الزكاة في البهائم - أي بهيمة الأنعام - فإنه يختلف ، وذلك لأن الأنصبة في بهيمة الأنعام مقدرة ابتداء وانتهاء ، ولكل قدر منها واجب خاص به ، فمثلاً في الغنم في كل أربعين شاة شاة واحدة ، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان ، فما بين الأربعين إلى مائة وعشرين ليس فيها إلا شاة واحدة ، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، فما بين مائة وإحدى وعشرين إلى مائتين ليس فيه إلا شاتان ، ثم في كل مائة شاة ، ففي مائتين وواحدة ثلاث شياه، وفي ثلاثمائة وواحدة ثلاث شياه، وفي أربعمائة أربع شياه، وهلم جرا ، ولهذا لا يمكن أن نحدد الواجب في بهيمة الأنعام ، وذلك لاختلاف الأنصبة ابتداء وانتهاء ، ومرجع ذلك إلى كتب الحديث وأهل الفقه.
    أما غير السائمة ، كالخيل والحمير والبغال ، فهذه لا زكاة فيها ولو كثرت ، ولو سامت، إذا لم تكن للتجارة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة"(139).
    فلو كان عند الإنسان مائة فرس يعدها للركوب والجهاد وغير ذلك من المصالح ، فإنه لا زكاة عليه فيها ولو كانت تساوي دراهم كثيرة. إلا إن كان يتّجر في الخيل، يبيع ويشتري، ويتكسب ، فعليه فيها زكاة العروض. هذه ثلاثة أموال تجب فيها الزكاة ، النقدان وهما الذهب والفضة ، والخارج من الأرض ، والثالث بهيمة الأنعام.
    الرابع : عروض التجارة ، وعروض التجارة هي الأموال التي عند الإنسان يريد بها التكسب، ولا تختص بنوع معين من المال، بل كل ما أراد به الإنسان التكسب من أي نوع كان من المال ففيه الزكاة ، سواء كان المال عقاراً ، أو حيواناً ، أو مملوكاً من الآدميين ، أو سيارات أو أقمشة ، أو أواني ، أو أطياب ، أو غير ذلك ، المهم كل ما أعده الإنسان للتجارة والتكسب ففيه الزكاة ، ودليل ذلك عموم قوله تعالى : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) (24) (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (المعارج:24-25) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم(140) ، فالأصل في الأموال وجوب الزكاة إلا ما دل عليه الدليل، والقول ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"(141).
    وصاحب العروض إنما نوى قيمة العروض ، ليس له حاجة أو غرض في نفس العروض بدليل أنه يشتري السلعة في أول النهار ، فإذا ربحت في آخر النهار باعها ، وليس كالإنسان المقتني للسلع الذي يبقيها عنده سواء زادت أم نقصت، فإذن يكون مراد هذا المالك هو القيمة ، وهي الذهب والفضة أو ما جرى مجراهما ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
    ولأننا لو قلنا بعدم وجوب الزكاة في العروض لسقطت الزكاة عن كثير من أموال التجار، لأن غالب أموال التجار التي يتجرون بها إنما هي عروض التجارة.
    هذه أربعة أنواع من المال تجب فيها الزكاة ، واختلف العلماء في العسل، هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب ؟ فمنهم من قال لا تجب الزكاة فيه ، ومنهم من قال : إنها تجب ، واستدلوا بأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، والمسألة عندي محل توقف ، والعلم عند الله.
    وبناء على ذلك : فإنه لا زكاة على الإنسان فيما يقتنيه من الأواني والفرش ، والمعدات ، والسيارات ، والعقارات ، وغيرها ، حتى وإن أعده للإجارة ، فلو كان عند الإنسان عقارات كثيرة تساوي قيمتها الملايين ، ولكنه لا يتجر بها ، أي لا يبيعها ويشتري بدلها للتجارة مثلاُ ، وإنما أعدها للاستغلال ، فإنه لا زكاة في هذه العقارات ولو كثرت، وإنما الزكاة فيما يحصل منها من أجرة أو نماء ، فتجب الزكاة في أجرتها إذا تم عليها الحول من العقد، فإن لم يتم عليها الحول فلا زكاة فيها ، لأن هذه الأشياء - ما عدا الأصناف الأربعة السابقة - الأصل فيها براءة الذمة حتى يقوم دليل على الوجوب ، بل قد دل الدليل على أن الزكاة لا تجب فيها ، في قول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس على المؤمن في عبده ولا فرسه صدقة"(142). فإنه يدل على أن ما اختصه الإنسان لنفسه من الأموال غير الزكوية ليس فيه صدقة ، أي ليس فيه زكاة ، والأموال التي أعدها الإنسان للاستغلال من العقارات وغيرها لا شك أن الإنسان قد أرادها لنفسه ولم يردها لغيره ، لأنه لا يبيعها بل يستبقيها للاستغلال والنماء.

    تقدير قيمة الأراضي لإخراج زكاتها
    السؤال (117): فضيلة الشيخ، لكن بالنسبة للأراضي التي اشتراها أصحابها، وكسدت في أيديهم نظراً لقلة قيمتها ، فهم يقدرونها بتقديرات عالية ، مع أنها لا تساوي إلا القليل في السوق ، فكيف تزكى هذه الأراضي؟
    الجواب : الأراضي التي اشتراها أهلها للتجارة كما هو الغالب ينتظرون بها الزيادة هذه عروض تجارة ، وعروض التجارة تقوّم عند حول الزكاة بما تساوي ، ثم يخرج ربع الشعر منها ، لأن العبرة بقيمتها ، وقيمتها من الذهب والفضة، والذهب والفضة زكاتهما ربع العشر، ولا فرق بين أن تكون قيمة هذه الأراضي تساوي قيمة ما اشتريت به أو لا ، فإذا قدرنا أن رجلاً اشترى أرضاً بمائة ألف وكانت عند الحول تساوي مائتي ألف، فإنه يجب عليه أن يزكي عن المائتين جميعاً ، وإذا كان الأمر بالعكس ، اشترها بمائة ألف وكانت عند تمام الحول تساوي خمسين ألفاً فقط ، فإنه لا يجب عليه أن يزكي إلا عن خمسين ألفاً ، لأن العبرة بقيمتها عند وجوب الزكاة.
    فإن شك الإنسان لا يدري: هل تزيد قيمتها عما اشتراها به أو تنقص ، أو هي هي ، فالأصل عدم الزيادة وعدم النقص ، فيقومها بثمنها الذي اشتراها به ، فإذا قدرنا أن هذه الأرض التي اشتراها بمائة ألف تساوي عند تمام الحول إن طلبت مائة وعشرين ، وتساوي إن جلبت ثمانين ألفاً ، وهو متردد ، نقول : قومها بما اشتريتها به ، لأن الأصل عدم الزيادة والنقص، ولكن يشكل على كثير من الناس اليوم أن عندهم أراضي كسدت في أيديهم ، ولا تساوي شيئاً ، بل إنهم يعرضونها للبيع ولا يجدون من يشتريها ، فكيف تزكى هذه الأراضي؟ نقول : إن كان عند الإنسان أموال يمكن أن يزكى منها - من الأموال التي عنده - أدى زكاتها من أمواله التي عنده ، وإن لم يكن عنده إلا هذه الأراضي الكاسدة، فإن له أن يأخذ ربع عشرها ويوزعها على الفقراء إن كانت في مكان يمكن أن ينتفع بها الفقير ويعمرها، وإلا فليقيد قيمتها وقت وجوب الزكاة ليخرج زكاتها فيما بعد إذا باعها.
    وتكون هذه الأراضي مثل الدين الذي عند شخص فقير لا يستطيع الوفاء ، فالزكاة لا تجب عليه إلا إذا قبضها ، أي إلا إذا قبض الدين ، والصحيح أنه إذا قبض الدين من مدين معسر، فإنه يزكيه سنة واحدة فقط ولو كان قد بقي سنين كثيرة عند الفقير. ويمكن أن يقال في هذه الأراضي التي كسدت ولم يجد من يشتريها ، يمكن أن يقال : إنه لا يزكيها إلا سنة واحدة ، سنة البيع ، ولكن الأحوط إذا باعها أن يزكيها لكل ما مضى من السنوات، لأن الفرق بينها وبين الدين أن هذه ملكه بيده ، والدين في ذمة فقير خربت لكونه أعسر.

    تزكية الديون التي في ذمم الناس
    السؤال (118): فضيلة الشيخ ، كيف تزكى الديون التي في ذمم الناس؟
    الجواب : الديون التي في ذمم الناس ، سواء كانت ثمن مبيع ، أو أجرة ، أو قرضاً ، أو قيمة متلف ، أو أرش جناية، أو غير ذلك مما يثبت في الذمة ، تنقسم إلى قسمين :
    الأول : أن تكون مما لا تجب الزكاة في عينه ، كالعروض ، بأن يكون عند الإنسان لشخص ما مائة صاع من البر أو أكثر ، فهذا الدين لا زكاة فيه ، وذلك لأن الزروع أو -الحبوب -لا تجب الزكاة في عينها إلا لمن زرعها.
    وأما الثاني: فهي الديون التي تجب الزكاة في عينها كالذهب والفضة ، وهذا فيه الزكاة على الدائن ، لأنه صاحبه ويملك أخذه والإبراء منه ، فيزكيه كل سنة ، إن شاء زكاه مع ماله ، وإن شاء قيد زكاته وأخرجها إذا قبضه ، فإذا كان عند شخص لآخر مائة ألف فإن من له المائة يزكيها كل عام ، أو فإن الزكاة تجب على من هي له كل عام . لكن هو بالخيار، إما أن يخرج زكاتها مع ماله ، وإما أن ينتظر حتى يقبضها ثم يزكيها لما مضى ، هذا إذا كان الدين على موسر باذل ، فإن كان الدين على معسر ، فإن الصحيح أن الزكاة لا تجب فيه ، لأن صاحبه لا يملك المطالبة به شرعاً ، فإن الله تعالى يقول : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ )(البقرة: 280) ، فهو في الحقيقة عاجز شرعاً عن ماله ، فلا تجب عليه الزكاة فيه ، لكن إذا قبضه فإنه يزكيه سنة واحدة فقط وإن بقي في ذمة المدين عشر سنوات، لأن قبضه إياه يشبه تحصيل ما خرج من الأرض ، يزكى عند الحصول عليه .
    وقال بعض أهل العلم: لا يزكيه لما مضى ، وإنما يبتدئ به حولاً من جديد. وما ذكرناه أحوط وأبرأ للذمة ، أنه يزكيه سنة واحدة لما مضى ثم يستأنف به حولاً ، والأمر في هذا سهل ، وليس من الصعب على الإنسان أن يؤدي ربع العشر من دينه الذي قبضه بعد أن أيس منه ، فإن هذا من شكر نعمة الله عليه بتحصيله .
    هذا هو القول في زكاة الديون وخلاصته : أنها ثلاثة أقسام : قسم لا زكاة فيه ، وهو ما إذا كان الدين مما لا تجب الزكاة في عينه، مثل أن يكون في ذمة شخص لآخر أصواع من البر، أو كيلوات من السكر أو الشاي أو ما أشبه ذلك ، فهذا لا زكاة فيه ، فما دام الدين مما لا تجب الزكاة في عينه ، فلا زكاة فيه ولو كان عنده مئات الأصواع.
    والقسم الثاني : الدين الذي تجب الزكاة في عينه ، كالذهب والفضة ولكنه على معسر، فهذا لا زكاة فيه إلا إذا قبضه ، فإنه يزكيه لسنة واحدة ثم يستأنف فيه حولاً ، وقيل : إنه يستأنف فيه حولاً على كل حال ، ولكن ما قلناه أولى لما ذكرنا من التعليل.
    القسم الثالث : ما تجب فيه الزكاة كل عام ، وهو الدين الذي تجب فيه الزكاة في عينه ، وهو على موسر باذل ، فهذا فيه الزكاة كل عام ، لكن إن شاء صاحب الدين أن يخرج زكاته مع ماله ، وإن شاء أخرها حتى يقبضه من المدين .

    خرص عروض التجارة
    السؤال (119) : فضيلة الشيخ ، هل يجوز خرص التجارة أو عروض التجارة إذا تعذر إحصاؤها أو شق على التجار؟
    الجواب : لا يجوز خرصها ، لأن الخرص إنما ورد في الثمار، وألحق به بعض العلماء الزروع ، وأما الأموال فلا يمن خرصها ، لأنها أنواع متعددة، لكن على الإنسان أن يتحرى ما استطاع ، وأن يحتاط لنفسه ، فإذا قدر أن هذه البضاعة تبلغ قيمتها مائة ويحتمل أن تكون مائة وعشرين ، فليخرج عن مائة وعشرين إبراء لذمته.




  10. #10
    مراقب المضايف الاسلامية الصورة الرمزية ابو ضاري


    تاريخ التسجيل
    03 2007
    الدولة
    الجبي
    العمر
    38
    الاقامة:
    الجبي
    الجنس:
    ذكر
    المشاركات
    15,734
    مقالات المدونة
    1
    Thanks
    785
    شُكِر 518 في 160مشاركة

    معرض الأوسمه



    الزكاة في مال الصغير والمجنون
    السؤال (120): فضيلة الشيخ ، هل تجب الزكاة في مال غير المكلف ، كالصغير والمجنون؟
    الجواب : هذا فيه خلاف بين العلماء ، فمنهم من قال : إن الزكاة في مال الصغير والمجنون غير واجبة نظراً إلى تغليب التكليف بها ، ومعلوم أن الصغير والمجنون ليسا من أهل التكليف فلا تجب الزكاة في مالهما.
    ومنهم من قال : بل الزكاة واجبة في مالهما، وهو الصحيح نظراً لأن الزكاة من حقوق المال، لا ينظر فيها إلى المالك ، لقول الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ )(التوبة: 103) ، فقال (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) - فجعل مناط الحكم أو موضع الوجوب : المال.
    ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم ، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"(143). وعلى هذا فتجب الزكاة في مال الصبي والمجنون ، ويتولى إخراجها وليهما.

    مصارف الزكاة
    السؤال (121): فضيلة الشيخ ، ما هي المصارف التي يجب أن تصرف فيها الزكاة؟
    الجواب : المصارف التي يجب أن تصرف فيها الزكاة ثمانية بينها الله تعالى بياناً شافياً كافياً ، وأخبر عز وجل أن ذلك فريضة ، وأنه مبنى على العلم والحكمة، فقال جل ذكره: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (التوبة:60) ، قال الله تعالى بعد ( فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(التوبة:60) .
    فهؤلاء أصناف أهل الزكاة الذين تدفع إليهم ، وهم ثمانية كالتالي:
    الفقراء والمساكين: وهؤلاء يعطون من الزكاة لدفع ضرورتهم وحاجتهم.
    والفرق بين الفقراء والمساكين : أن الفقراء أشد حاجة ، لا يحد الواحد منهم ما يكفيه وعائلته لنصف سنة ، والمساكين أعلى حالاً من الفقراء ، لأنهم يجدون نصف الكفاية فأكثر دون كمال الكفاية . هؤلاء يعطون لحاجتهم ، ولكن كيف نقدر الحاجة؟ قال العلماء : يعطون لحاجتهم ما يكفيهم وعائلتهم لمدة سنة ، ويحتمل أن يعطون ما يكونون به أغنياء، لكن الذين قدروا ذلك بسنة قالوا: لأن السنة إذا دارت وجبت الزكاة في الأموال ، فكما أن الحول هو تقدير الزمن الذي تجب فيه الزكاة ، فكذلك ينبغي أن يكون الحول هو تقدير الزمن الذي تدفع فيه حاجة الفقراء والمساكين الذين هم أهل الزكاة . وهذا قول حسن جيد ، أي أننا نعطي الفقير والمسكين ما يكفيه وعائلته لمدة عام كامل ، سواء أعطيناه أعياناً من أطعمة وألبسة ، أو أعطيناه نقوداً يشتري بها هو ما يناسبه ، أو أعطيناه صنعة إذا كان يحسن الصنعة ، يعني آلة يصنع بها إذا كان يحسن الصنعة ، كخياط ونجار ، وحداد ونحوه ، المهم أن نعطيه ما يكفيه وعائلته لمدة سنة.
    الثالث : العاملون عليها : أي الذين لهم ولاية عليها من قبل ولي الأمر ، ولهذا قال : " والعاملين عليها" ولم يقل : العاملون فيها ، إشارة إلى أن لهم نوع ولاية ، وهم جباتها الذين يجبونها من أهلها ، وقسامها الذين يقسمونها في أهلها ، وكتابها ونحوهم، فهؤلاء عاملون عليها يعطون من الزكاة، ولكن : كم يعطون؟ ننظر : هم عاملون عليها ، فهم مستحقون بوصف العمالة ، ومن استحق بوصف أعطي بقدر ذلك الوصف ، وعليه فيعطون من الزكاة بقدر عمالتهم فيها ، سواء كانوا أغنياء أم فقراء ، لأنهم يأخذون الزكاة لعملهم لا لحاجتهم ، وعلى هذا فيعطون ما يقتضيه العمل من الزكاة ، فإن قدر أن العاملين عليها فقراء، فإنهم يعطون بالعمالة ويعطون بالفقر كذلك ، فيعطون ما يكفيهم لمدة سنة لفقرهم .
    فهؤلاء يأخذون لعمالتهم أيضاً ، لأنهم استحقوا الصدقة أو الزكاة بوصفين : العمالة عليها ، والفقر ، فيعطون بكلا الوصفين ، ولكن إذا أعطيناهم للعمالة فيبقون أغنياء بقدر ما أخذوا من العمالة، فنكمل لهم المؤونة لمدة سنة ، مثال ذلك : إذا قدرنا أنه يكفيهم لمدة سنة عشرة آلاف ريال ، وأننا إذا أعطيناهم لفقرهم أخذوا عشرة آلاف ريال ، وأن نصيبهم من العمالة ألفا ريال، فعلى هذا نعطيهم ألفي ريال للعمالة ، ونعطيهم ثمانية آلاف ريال للفقر، هذا وجه قولنا : يعطون كفايتهم لمدة سنة ، لأنهم إذا أخذوا بالعمالة صاروا لا يحتاجون إلا ما زاد على استحقاقهم العمالة لمدة سنة .
    الرابع : المؤلفة قلوبهم: وهم الذين يعطون لتأليفهم على الإسلام ، إما كافر يرجى إسلامه ، وإما مسلم نعطيه لتقوية الإيمان في قلبه، وإما شرير نعطيه لدفع شره عن المسلمين ، أو نحو ذلك ممن يكون في تأليفه مصلحة للمسلمين، ولكن هل يشترط في ذلك أن يكون سيداً مطاعاً في قومه حتى يكون في تأليفه مصلحة عامة؟ أو يجوز أن يعطى لتأليفه ولو لمصلحة شخصية كرجل دخل في الإسلام حديثاً يحتاج إلى تأليفه وتقوية إيمانه بإعطائه؟
    هذا محل خلاف بين العلماء ، والراجح عندي أنه لا بأس أن يعطى لتأليفه على الإسلام بتقوية إيمانه ، وإن كان يعطى بصفة شخصية وليس سيداً في قومه لعموم قوله تعالى: (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) ولأنه إذا جاز أن نعطي الفقير لحاجته البدنية الجسمية ، فإعطاؤنا هذا الضعيف الإيمان لتقويه إيمانه من باب أولى ، لأن تقوية الإيمان بالنسبة لشخص أهم من غذاء الجسد.
    هؤلاء الأربعة يعطون الزكاة على سبيل التمليك ، ويملكونها ملكاً تاماً ، حتى لو زال الوصف منهم في أثناء الحول لم يلزمهم رد الزكاة بل تبقى حلالاً لهم ، لأن الله عبر عن استحقاقهم باللام، فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) (التوبة:60) ، فأتى باللام ، وفائدة ذلك أن الفقير لو استغنى في أثناء الحول فإنه لا يلزمه رد الزكاة ، مثل : لو أعطيناه عشرة آلاف لفقره وهي تكفيه لمدة سنة ، ثم إن الله تعالى أغناه في أثناء الحول باكتساب مال أو موت قريب له يرثه ، أو ما أشبه ذلك ، فإنه لا يلزمه رد ما بقي من المال الذي أخذه من الزكاة لأنه ملكه.
    أما الخامس من أهل الزكاة : فهم الرقاب ، لقوله تعالى: (وَفِي الرِّقَابِ) . والرقاب فسرها العلماء بثلاثة أشياء : الأول : مكاتب اشترى نفسه من سيده بدراهم مؤجلة في ذمته ، فيعطى ما يوفي به سيده ، والثاني : رقيق مملوك اشتري من الزكاة ليعتق ، والثالث : أسير مسلم أسره الكفار، فيعطى الكفار من الزكاة لفكهم هذا الأسير ، ومثله أيضاً الاختطاف ، فلو اختطف المسلمَ أحد من المسلمين أو الكفار فلا بأس أن يفدى هذا المختطِف بشيء من الزكاة، لأن العلة واحدة وهي فكاك المسلم من الأسر ، وهذا إذا لم يمكننا أن نرغم المختطف على فكاكه بدون بذل المال، إذا كان المختطِف من المسلمين.
    والصنف السادس من أهل الزكاة : الغارمين : الغارم هو المدين ، وقسم العلماء -رحمهم الله - الغرم إلى قسمين : الأول : غرم لإصلاح ذات البين ، وغرم لسداد الحاجة، أما الغرم لإصلاح ذات البين فمثلوا له بأن يقع بين قبيلتين تشاحن وتشاجر أو حروب ، فيأتي رجل من أهل الخير والجاه واشرف والسؤدد ويصلح بين هاتين القبيلتين بدراهم يتحملها في ذمته، فإننا نعطي هذا الرجل المصلح الدراهم التي تحملها من الزكاة ، جزاء له على هذا العمل الجليل الذي قام به ، والذي فيه إزالة الشحناء والعداوة بين المؤمنين وحقن دماء الناس ، وهذا يعطى سواء كان غنياً أم فقيراً ، لأننا لسنا نعطيه لسد حاجته ، ولكننا نعطيه لما قام به من المصلحة العامة.
    أما الثاني فهو الغارم لنفسه ، الذي استدان لنفسه باستقراض شيء ليدفعه في حاجته ، أو بشراء شيء يحتاجه ، يشتريه في ذمته وليس عنه مال ، فهذا نوفي دينه من الزكاة بشرط أن يكون فقيراً ولو لم يعلم بذلك ، وعليه فهل الأفضل أن نعطي هذا المدين من الزكاة ليوفي دينه ؟ أو أن نذهب نحن إلى دائنه ونوفي عنه؟ هذا يختلف، فإن كان هذا الرجل المدين حريصاً على وفاء دينه وإبراء ذمته ، وهو أمين فيما يعطى لوفاء الدين ، فإننا نعطيه هو بنفسه يقضي دينه ، لأن هذا استر له وأبعد عن تخجيله أمام الناس الذين يطلبونه.
    أما إذا كان المدين رجلاً مبذراً يفسد الأموال ، ولو أعطيناه مالاً ليقضي دينه ذهب يشتري به أشياء لا ضرورة لها ، فإننا لا نعطيه وإنما نذهب نحن إلى دائنه ونقول له : ما دين فلان لك ؟ ثم نعطيه هذا الدين أو بعضه ، حسب ما يتيسر .
    وهل يقضى منها -أي من الزكاة -دين على ميت لم يخلف تركة؟ ذكر ابن عبد البر وأبو عبيدة أنه لا يقضى منها دين على الميت بالإجماع ، ولكن الواقع أن المسألة فيها خلاف ولكن أكثر العلماء يقولون : إنه لا يقضى منها دين على ميت، وأن الميت انتقل إلى الآخرة ولا يلحقه من الذل والهوان بالدين الذي عليه ما يلحق الأحياء، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقضي ديون الأموات من الزكاة، بل كان يقضيها عليه الصلاة والسلام من أموال الفيء حين فتح الله عليه ، وهذا يدل على أنه لا يصح قضاء دين الميت من الزكاة ، ويقال : الميت إن كان قد أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله تعالى يؤدي عنه بفضله وكرمه ، وإن كان قد أخذها يريد إتلافها فهو الذي جنى على نفسه ، ويبقى الدين في ذمته يستوفى يوم القيامة ، وعندي أن هذا أقرب من القول بأنه يقضى منها الدين على الميت.
    وقد يقال : يفرق بين ما إذا كان الأحياء يحتاجون إلى الزكاة، لفقر أو غرم أو جهاد أو غير ذلك ، وما إذا كان الأحياء لا يحتاجون إليها، ففي الحال لا التي يحتاج إليها الأحياء يقدم الأحياء على الأموات ، وفي الحال التي لا يحتاج إليها الأحياء لا حرج أن نقضي ديون الأموات الذين ماتوا ولم يخلفوا مالاً ، ولعل هذا قول يكون وسطاً بين القولين.
    ثم الصنف السابع: في سبيل الله ، وسبيل الله هنا المراد بها الجهاد في سبيل الله لا غير، ولا يصح أن يراد بها جميع سبل الخير، لأنه لو كان المراد بها جميع سبل الخير لم يكن للحصر فائدة في قوله : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) الآية. إذ يكون الحصر عديم التأثير، فالمراد بسبيل الله هو الجهاد في سبيل الله، فيعطى المقاتلون في سبيل الله الذين يظهر من حالهم أنهم يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا ، يعطون من الزكاة ما يحتاجون إليه من النفقات والأسلحة وغير ذلك . ويجوز أن تشترى الأسلحة لهم من الزكاة ليقاتلوا بها ، ولكن لابد أن يكون القتال في سبيل الله.
    والقتال في سبيل الله بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بميزان عدل من قسط حين سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة ، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال : " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"(144)، فالرجل المقاتل حمية لوطنه أو قوميته أو غير ذلك من أنواع الحميات ليس يقاتل في سبيل الله ، فلا يستحق ما يستحقه المقاتل في سبيل الله ، لا من الأمور المادية الدنيوية ولا من أمور الآخرة، والرجل الذي يقاتل شجاعة أي أنه يحب القتال لكونه شجاعاً ، والمتصف بصفة غالباً يحب أن يقوم بها على أي حال كانت ، هو أيضاً ليس يقاتل في سبيل الله ، والمقاتل ليرى مكانه، يقاتل رياء وسمعة، ليس من المقاتلين في سبيل الله ، وكل من لا يقاتل في سبيل الله فإنه لا يستحق من الزكاة، لأن الله تعالى يقول: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) .
    والذي يقاتل في سبيل الله هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، قال أهل العلم: ومن سبيل الله : الرجل يتفرغ لطلب العلم الشرعي ، فيعطى من الزكاة ما يحتاج إليه من نفقة ، من كسوة وطعام وشراب ومسكن وكتب علم يحتاجها، لأن العلم الشرعي نوع من الجهاد في سبيل الله ، بل قال الإمام أحمد رحمه الله: " العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته". فالعلم هو أصل الشرع كله، ولا شرع إلا بعلم، والله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط ويتعلموا أحكام شريعته وما يلزم من عقيدة وقول وفعل ، أما الجهاد في سبيل الله فنعم ، هو من أشرف الأعمال، بل هو ذروة سنام الإسلام ، ولا شك في فضله، لكن العلم له شأن كبير في الإسلام، فدخوله في الجهاد في سبيل الله دخول واضح لا إشكال فيه، فإذا جاءنا رجل أهل للعلم، وقال : أنا إن ذهبت اكتسب لنفسي وأهلي لم أتمكن من طلب العلم، وإن تفرغت لطلب العلم فإنني أحصل فيه ، ولكن لا أجد ما يدفع حاجتي ، فإننا نقول له : تفرغ لطلب العلم ونعطيه ما يدفع به حاجته من الزكاة.
    الثامن : بقي من أصناف أهل الزكاة صنف واحد وهو ابن السبيل ، وابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به السفر ونفدت نفقته ، فإنه يعطى من الزكاة ما يوصله إلى بدله وإن كان في بلده غنياً ، لأنه محتاج ، ولا نقول له في هذه الحال: يلزمك أن تستقرض وتوفي ، لأننا في هذه الحال نلزم ذمته ديناً ، ولكن لو اختار هو أن يستقرض ولا يأخذ من الزكاة فالأمر إليه ، فإذا وجدنا شخصاً مسافراً من مكة إلى المدينة ، وفي أثناء السفر ضاعت نفقته ولم يبق معه شيء ، وهو غني في المدينة، فإننا نعطيه ما يوصله إلى المدينة فقط، لأن هذه هي حاجته ، ولا نعطيه أكثر.
    وإذا كنا قد عرفنا أصناف أهل الزكاة الذين تدفع إليهم، فإن ما سوى ذلك من المصالح العامة أو الخاصة لا تدفع فيه الزكاة ، وعلى هذا فلا تدفع الزكاة في بناء المساجد، ولا في إصلاح الطرق، ولا في بناء المكاتب وشبه ذلك ، لأن الله عز وجل لما ذكر أصناف أهل الزكاة قال : ( فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) . يعني أن هذا التقسيم جاء فريضة من الله عز وجل : (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
    نقول : هل هؤلاء المستحقون يجب أن يعطى كل واحد منها، أي كل صنف، لأن الواو تقتضي الجمع؟
    فالجواب : أن ذلك لا يجب ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم ، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"(145). فلم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا صنفاً واحداً ، وهذا يدل على أن الآية يبين الله تعالى فيها جهة الاستحقاق ، وليس المراد أنه يجب أن تعمم هذه الأصناف.
    ولكن إذا قيل : أيها أولى أن يصرف فيه الزكاة ؟
    قلنا : إن الأولى ما كانت الحاجة إليه أشد، لأن كل هؤلاء استحقوا بوصف، فمن كان أشد إلحاحاً وحاجة فهو أولى ، والغالب أن الأشد هم الفقراء والمساكين ، ولهذا بدأ الله تعالى بهم فقال : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) .

    حكم صرف الزكاة للأقارب الفقراء
    السؤال (122): فضيلة الشيخ ، ما حكم جعل الزكاة في الأقارب المحتاجين؟
    الجواب : الزكاة في الأقارب الذين لهم من أهلها أولى من أن تكون في غير الأقارب ، لأن الصدقة على الأقارب صدقة وصلة، فإذا كان أخوك ، أو عمك ، أو أبوك، أو أمك من أهل الزكاة، فهم أولى بها من غيرهم، لكن إذا كانوا يأخذون الزكاة لحاجتهم، وأنت تجب عليك نفقتهم، فإنه لا يجوز أن تعطيهم من الزكاة في هذه الحال، لأنك إذا أعطيتهم من الزكاة رفدت مالك ووقيته بما تعطيه من الزكاة ، فإذا قدرنا أن لك أخاً فقيراً وأنت عندك زكاة ونفقته تجب عليك ، فإنه لا يجوز أن تعطيه لفقره، لأنك إذا أعطيته لفقره رفدت مالك ووقيته بما تعطيه ، إذ لو لم تعطه من الزكاة لوجب عليك الإنفاق عليه، أما لو كان على أخيك هذا دين لا يستطيع وفاءه، مثل أن يحصل منه إتلاف شيء أو جناية على أحد ، ويلزمه مال، ففي هذه الحال يجوز أن تقضي دينه من زكاتك ، لأنه لا يجب عليك قضاء دينه، وإنما الواجب عليك نفقته.
    وقاعدة ذلك : أن الأقارب إذا أعطاهم الإنسان زكاة ماله لدفع حاجتهم وهم ممن تجب عليه نفقتهم ، فإن ذلك لا يصح ، وإن أعطاهم لدفع أمر لا يلزمه القيام به ، فإن ذلك جائز ، بل هم أحق بذلك من غيرهم.
    فإن قال قائل : ما دليلك على هذا ؟ قلنا : الدليل عموم الأدلة ، بل عموم آية الصدقة التي أشرنا إليها فيما سبق: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) .
    وإنما منعنا إعطائهم فيما إذا كان إعطاؤهم لدفع حاجتهم التي يجب عليك دفعها، لأن هذا من باب إسقاط الواجب عن الإنسان بالحيلة، والواجب لا يمكن إسقاطه بالحيل.

    توضيح
    السؤال (123): فضيلة الشيخ ، نريد التمثيل أيضاً لدفع المال للوالد أو الوالدة، فيما لا يجب على الإنسان ؟
    الجواب : مثال ذلك : اشترى أبوك سيارة بخمسة آلاف ريال مثلاً ، واحترقت السيارة فلزمه خمسة آلاف ريال ، وأنت لا يلزمك أن تدفعها له، لأن هذا ليس من النفقة ، فيجوز لك أن تقضي دينه هذا من زكاتك ، وكذلك لو لزم أحداً من أقاربك الآخرين شيء من أجل جناية أو إتلاف. فإنه يجوز لك أن تدفع زكاتك في قضاء هذا الشيء.

    حكم إسقاط الدين عن المدين واعتبار ذلك من الزكاة
    السؤال (124): فضيلة الشيخ ، هل يجوز إسقاط الدين عن المدين ويكون ذلك من الزكاة؟
    الجواب : لا يجوز ذلك ، لأن الله تعالى يقول : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ )(التوبة: 103) ، فقال تعالى (خُذْ) ، والأخذ لابد أن يكون ببذل من المأخوذ منه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد"(146) ، فقال "تؤخذ من أغنيائهم فترد"،فلابد من أخذ ورد ، والإسقاط لا يوجد فيه ذلك ، ولأن الإنسان إذا أسقط الدين عن زكاة العين التي في يده، فكأنما أخرج الرديء عن الطيب، لأن قيمة الدين في النفس ليست كقيمة العين، لأن العين ملكه وفي يده، والدين في ذمة الآخرين قد يأتي وقد لا يأتي ، فصار الدين دون العين ، وإذا كان دونها فلا يصح أن يخرج أي الدين زكاة عنها لنقصه ، وقد قال الله تعالى : ( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ )(البقرة: 267) .
    ومثال ما سألت عنه : لو كان على الإنسان عشرة آلاف ريال زكاة ، وهو يطلب رجلاً فقيراً عشرة آلاف ريال ، فذهب إلى الرجل الفقير، وقال : قد أسقطت عنك عشرة آلاف ريال وهي زكاتي لهذا العام ، قلنا : هذا لا يصح ، لأنه لا يصح إسقاط الدين وجعله عن زكاة عين ، لما أشرنا إليه آنفاً . وهذه مسألة يخطئ فيها بعض الناس ويتجاوزها جهلاً منهم، وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله : إنه لا يجزئ إسقاط الدين عن زكاة العين بلا نزاع.

    دفع الزكاة للفقير المدين بشرط أن يردها للدافع
    السؤال (125): فضيلة الشيخ ، هل يجوز دفعها للفقير المدين بشرط أن يردها للدافع؟
    الجواب : لا ، لا يجوز ، يعني لو كان عندك مدين فقير ، ودفعت إليه زكاتك فلا بأس ، ولا حرج ، حتى لو ردها عليك من بعد فلا حرج ، لكن إذا اشترطت عليه ذلك ، فلا يجوز ، لأنك إذا فعلت هذا فقد علمنا أنك إنما تريد بهذا العمل أن تسترد مالك الذي في ذمة الفقير، والزكاة لا يجوز أن يحابي الإنسان فيها أحداً لا نفسه ولا غيره.

    حكم الزكاة في الإسلام
    السؤال (126): فضيلة الشيخ ، ما حكم الزكاة في الإسلام؟
    الجواب : الزكاة في الإسلام أحد أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج بيت الله الحرام"(147)، وهي فرض بإجماع المسلمين ، فمن أنكر وجوبها فقد كفر ، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو ناشئاً في بادية بعيدة عن العلم وأهله، فيعذر ولكنه يعلم، فإن أصر بعد علمه فقد كفر مرتداً.
    وأما من منعها بخلاً وتهاوناً ففيه خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال : إنه يكفر ، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ومنهم من قال: إنه لا يكفر ، وهذا هو الصحيح ، لكنه قد أتى كبيرة، عظيمة، والدليل على أنه لا يكفر حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عقوبة مانع زكاة الذهب والفضة ثم قال : " حتى يقضى بين العباد ، فيرى سبيله إما إلى الجنة ، وإما إلى النار"(148). وإذا كان يمكن أن يرى سبيلاً له إلى الجنة فإنه ليس بكفار ، لأن الكافر لا يمكن أن يرى سبيلاً له إلى الجنة.
    ولكن على مانعها بخلاً وتهاوناً من الإثم العظيم ما ذكره الله في قوله: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران:180) ، وفي قوله : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)(34) (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة:34-35) . فعلى المرء المسلم أن يشكر الله على نعمته عليه بالمال، وأن يؤدي زكاته ، حتى يزيد الله له في ماله بركة ونماء ، والله الموفق.

    ------------------------

    (129) أخرجه مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب استحباب العفو والتواضع، رقم (2588).
    (130) أخرجه أبو داود ، كتاب الإجارة ، باب في العبد يباع وله مال ، رقم (3435)وفي إسناده مجهول وهو الراوي عن جابر رضي الله عنه ، ويشهد له بالصحة حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: ".. ومن ابتاع عبداً فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع". أخرجه البخاري ، كتاب المساقاة ، باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل ، رقم (2379)، ومسلم ، كتاب البيوع ، باب من باع نخلاً عليها ثمر ، رقم (1543).
    (131) تقدم تخريجه ص (207).
    (132) تقدم تخريجه ص (147).
    (133)أخرجه أبو داود ، كتاب الزكاة ، باب الكنز ما هو وزكاة الحلي ، رقم (1563)، والترمذي ، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الحلي، رقم (637)، والنسائي كتاب الزكاة ، باب زكاة الحلي ، رقم (2479)، والحاكم في المستدرك" (1/390) وقال : حديث صحيح.
    (134) أخرجه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب العشر فيما يسقى من ماء السماء ، رقم (1483).
    (135)أخرجه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب زكاة الورق ، ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب ما ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، رقم(979).
    (136) تقدم تخريجه ص (214).
    (137) أخرجه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب زكاة الغنم ، رقم (1454).
    (138) أخرجه أبو داود ، كتاب الزكاة ، باب زكاة السائمة ، رقم (1575)، والنسائي، كتاب الزكاة ، باب سقوط الزكاة عن الإبل إذا كانت رسلاً لأهلها ولحمولتهم ، رقم (2449).
    (139) أخرجه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب ليس على المسلم في عبده صدقة ، رقم (1464)، وسلم ، كتاب الزكاة ، باب لا زكاة على المسلم في عبده ولا فرسه ، رقم (982).
    (140) تقدم تخريجه ص (144).
    (141) أخرجه البخاري ، كتاب بدء الوحي ، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقم (1)، ومسلم ، كتاب الإمارة ، باب قوله صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات" ، رقم (1907).
    (142) تقدم تخريجه ص (108).
    (143) تقدم تخريجه ص (108)
    (144) أخرجه البخاري ، كتاب العلم ، باب من سأل وهو قائم عالماً جالساً ، رقم (123)، ومسلم، كتاب الجهاد ، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ، رقم (1904).
    (145) تقدم تخريجه ص (108).
    (146) تقدم تخريجه ص (108).
    (147) أخرجه البخاري ، كتاب الإيمان ، باب دعاؤهم إيمانكم ، رقم (8) ، ومسلم ، كتاب الإيمان ، كتاب بني الإسلام على خمس، رقم(16).
    (148) تقدم تخريجه ص (147).




صفحة 1 من 6 1 2 3 4 5 6 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
بريد وماسنجر شبكة شمر w.......@shammar.net
جميع ما يطرح بالمضايف يعبر عن وجهة نظر صاحبه وعلى مسؤوليته ولا يعبر بالضرورة عن رأي رسمي لإدارة شبكة شمر أو مضايفها
تحذير : استنادا لنظام مكافحة الجرائم المعلوماتية بالمملكة العربية السعودية, يجرم كل من يحاول العبث بأي طريقة كانت في هذا الموقع أو محتوياته