المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رســالة لــمن أدرك عشـــر ذ ي الحجــــــــــــة ( خطبة جمعة )



محمدالمهوس
06-09-2017, 01:44
الْخُطْبَةُ الْأُولَى
الحمدُ للهِ عَزَّ جَاهاً وحُكْماً , وَوسِعَ كُلَّ شيءٍ رحمةً وعِلْماً , وأشهدُ أن لَا إلهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ لا نُقِرُّ لهُ نَظيراً ولا ندّاً , وأشهدُ أنَّ مُحمداً نبيُّهُ ورسولُهُ عَظُمَ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً وكَرُمَ عَبْداً, صَلَّى اللهُ وَسَلّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلهِ وأصْحابِه الَّذينَ كانوا لهُ سَنَداً ورِدْءًا , ومنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ ولَزِمَ أمْرَهُم تَعبُّداً وقصْداً ، أمَّا بعدُ :أيُّها النَّاسُ / اتقُوا اللهَ تعالى واشكرُوه وَأطِيعوهُ وراقبوهُ ولا تَعصُوه وقَصِّرُوا الأمَلَ واسْتَعِدُّوا ليومِ الأجَل، فما أطالَ الْعَبْدُ الأملَ إلاّ وأسَاءَ الْعَمَلَ((ياأيّها الّذينَ ءامنُو اتقُوا اللهَ حقَّ تُقاتِهِ ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مُسلمونَ ))
تَدَاعَتْ رِفَاقاً بِالرَّحِيلِ فَمَا تَرَى ** سِوَى دَمْعِ عَيْنٍ بِالدِّمَاءِ مَزَجْنَاهُ
لِفُرْقَةِ بَيْتِ اللَّهِ وَالْحَجَرِ الَّذِي ** لأَجْلِهِمَا صَعْبَ الأُمُورِ سَلَكْنَاهُ
وَوَدَّعَتِ الْحُجَّاجُ بَيْتَ إِلَهِهَا ** وَكُلُّهُمُ تَجْرِي مِنَ الْحُزْنِ عَيْنَاهُ
فَلِلَّهِ كَمْ بَاكٍ وَصَاحِبِ حَسْرَةٍ ** يَوَدُّ بَأَنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَفَّاهُ
فَلَوْ تَشْهَدُ التَّوْدِيعَ يَوْمًا لِبَيْتِهِ ** فَإِنَّ فِرَاقَ الْبَيْتِ مُرٌّ وَجَدْنَاهُ
فَمَا فُرْقَةُ الأَوْلادِ وَاللَّهِ إِنَّهُ ** أَمَرُّ وَأَدْهَى ذَاكَ شَيءٌ خَبَرْنَاهُ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ / في الأَيَّامِ القَلِيلَةِ المَاضِيَةِ وفي رِحلَةٍ مِن أَروَعِ الرَّحَلاتِ ، قَضَى الحُجَّاجُ عِبَادَةً مِن أَعظَمِ العِبَادَاتِ، وَقَدَّمُوا قُربَةً مِن أَجَلِّ القُرُبَاتِ، عَادُوا بَعدَهَا فَرِحِينَ بما آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضلِهِ، مُستَبشِرِينَ بما مَنَّ عَلَيهِم مِنْ تَوفِيقِهِ وَحَجِّ بَيتِهِ، ((قُلْ بِفَضلِ اللهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَليَفرَحُوا هُوَ خَيرٌ ممَّا يَجمَعُونَ)). فَهَنِيئًا لَلحُجَّاجِ حَجُّهُم وَعِبَادَتُهُم وَاجتِهَادُهُم، هَنِيئًا لهم وُقُوفُهُم بِتِلكَ المَشَاهِدِ وَالمَشَاعِرِ، وَهَنِيئًا لهم قَولُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَن حَجَّ فَلم يَرفُثْ ولم يَفسقْ رَجَعَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَومَ وَلَدَتهُ أُمُّهُ))، وَقَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((والحَجُّ المبرُورُ لَيسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وَهَنِيئًا لَهُمْ بِبُشْرَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ (( مَنْ حَجَّ ولَمْ يرفُث ولم يفسُقْ رجعَ مِنْ ذُنوبِهِ كَيَوْمِ ولدتْهُ أمُّه)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَإِنِّي لأَدعُوَ اللهَ أَسأَلُ عَفوَهُ ** وَأَعلمُ أَنَّ اللهَ يَعفُو وَيَغفِرُ
لَئِن أَعظَمَ النَّاسُ الذُّنُوبَ فَإِنَّهَا ** وَإِن عَظُمَت ففي رَحمَةِ اللهِ تَصْغَرُ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ / كَمَا أَكرَمَ اللهُ الحُجَّاجَ بِالحَجِّ ؛ فَقَد أَنعَمَ عَلَى سَائِرِ المُسلِمِينَ من غير الحُجاج بِنِعَمٍ عَظِيمَةٍ، وَيَسَّرَ لهم عِبَادَاتٍ جَلِيلَةً، كَأَيَّامِ عَشرِ ذِي الْـحِجَّةِ الَّتي هِيَ أَفضَلُ أَيَّامِ الدُّنيَا عِندَ اللهِ، وَيَومُ عَرَفَةَ الَّذِي يُكَفِّرُ صِيَامُهُ سَنَتَينِ، وَمَرَّ بهم يَومُ النَّحرِ فَصَلَّوا وَضَحَّوا , وتقرّبوا إلى ربِّهم بِالْأَعْمَالِ الصَّالـِحَةِ ، نسألُ اللهَ أنْ تكونَ خالصةً لِوَجْهِهِ صَواباً عَلى سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَوَصِيَّتِي لَكُمْ بِإِخْلَاصِ العَمَلِ لِلهِ ، وَالبُعْدِ عَنْ الرِّيَاءِ والسُّمْعَةِ؛ فَمِنَ الحُجَّاجِ وَغَيْرِهِمْ مَنْ يَذْكُرُ أَعْمَالَهُ فِي الحَجِّ أَوْ فِي العَشْرَ لِلنَّاسِ؛ وَلَوْ أَخْفَاهَا لِكَانَ أَفْضَلُ، وَاللّهُ يَقُولُ ((ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )) يَقُولُ اِبْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ((تَضَرُّعًا وَخُفْيةً)) أَيْ سِرًّا .
وَيَقُولُ الحَسَنُ البَصْريُّ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَقَدْ جَمَعَ القُرْانَ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ، وَان كَانَ الرِّجْلُ قَدْ فَقُهَ الفِقْهَ الكَثِيرَ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ، وَان كَانَ الرَّجُلُ لِيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الطَّوِيلَةَ فِي بَيْتِهِ وَعِنْدَهُ مِنْ عِنْدَهُ وَمَا يَشْعُرُونَ بِهِ، وَلَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ يَقْدِرُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ فِي السِرِّ فَيَكُونُ عَلَانِيَّةً أَبَدًا، وَلَقَدْ كَانَ الْـمُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَمَا يُسْمَعُ لَهُمْ صَوْتٌ، إِنْ كَانَ إِلَّا هَمْسًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللّهَ تَعَالَى يَقُولُ ((ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ))
وَلِذَلِكَ كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ رَحِمَهُمُ اللهُ أَشَدَّ النَّاسِ خَوْفًا عَلَى أَعْمَالِهِمْ مِنْ أَنْ يُخَالِطَهُ الرِّيَاءُ ،أَوْ تَشُوبُهَا شَائِبَةُ الشَّرَكِ؛ فَكَانُوا رَحِمَهُمُ الله يُجَاهِدُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، كِي تَكُونُ خَالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْمُلَ لَهُ عَمَلُهُ، فَلِيُحْسِنْ نِيَّتَهُ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأجَرُ العَبْدَ إِذَا أُحْسِنَتْ نِيَّتُهُ حَتَّى بِاللُّقْمَةِ.
فَأَخْلِصُوا أَعْمَالَكُمْ ،وَتَابِعُوا رَسُولَ رَبِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَناطُ القَبُولِ عَلَى ذَلِكَ فَرُبَّ عَابِدٍ فِي ذُرَى جِبَالِ السِّنْد هُوَ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ مِنْ مُتَعَبِّدٍ عِنْدَ الكَعْبَةِ، وَرُبَّ مُصَلٍّ عِنْدَ جَبَلِ طَارِق تَبْلُغُ صَلَاتُهُ مَا لَمْ تَبْلُغُهُ صَلَاةُ مُصَلٍّ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ، فَإِنَّ الجَامِعَ لِذَلِكَ هُوَ الإِخْلَاصُ لِلهِ جَلَّ جَلَالُهُ (( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ )) باركَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الكتابِ والسُّنة، وَنَفَعنا بِما فِيهِما مِنَ الآياتِ وَالْحِكْمَةِ ،أقولُ قَوْلِي هَذا، واسْتغفرِ اللهُ لِي وَلَكُم مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَإنّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيم
اَلْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، والشّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لَشَانِهِ ، وأشهدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلى آلِهِ وأصْحَابِهِ وأعْوانِهِ وسَلّم تَسْلِيماً كثيراً ، أمّا بَعْدُ :
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ / رِسَالَةٌ لِكُلِّ مَن حَجَّ بَيتَ اللهِ الحَرَامَ ، وَوَقَفَ في تِلكَ المَوَاقِفِ العِظَامِ، نَقُولُ لَهُ وَلِمـَنْ لَمْ يَحُجّْ مِمّنْ تَقَرّبَ للهِ بِمَا تَيَسّرَ لَهُ مِنْ أَعْمَالٍ فِي عَشْرِ ذِي الْحَجّةِ : أَبشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُم وَافرَحُوا، فَبُشرَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِدقٌ، وَوَعدُ اللهِ حَقٌّ ((ذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ)). لَقَد دَعوتُم رَبًّا عَظِيمًا كَرِيمًا، وَسَأَلتُم إِلهًا بَرًّا رَحِيمًا، وَلُذْتُم بِرَؤُوفٍ وَدُودٍ، لا يَتَعَاظَمُهُ أَن يَغفِرَ ذنبًا وَإِنْ كَبُرَ، وَلا أَنْ يُعطِيَ فَضْلاً وَإِنْ كَثُرَ، فَأَحْسِنُوا ظَنَّكُم بِرَبِّكُم، فَإِنَّهُ سُبحَانَهُ عِندَ ظَنِّ عَبدِهِ بِهِ، يَقُولُ تَعَالَى في الحَدِيثِ القُدسِيِّ: ((أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بي، وَأَنا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَني، فَإِن ذَكَرَني في نَفسِهِ ذَكَرتُهُ في نَفسِي، وَإِن ذَكَرَني في مَلأٍ ذَكَرتُهُ في ملأٍ خَيرٍ مِنهُم، وَإِن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبرًا تَقَرَّبتُ إِلَيهِ ذِرَاعًا، وَإِن تَقَرَّبَ إِليَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبتُ إِلَيهِ بَاعًا، وَإِن أَتَاني يَمشِي أَتَيتُهُ هَروَلَةً)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فَاتَّقُوْا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَقَرَّبُوا إِلَى رَبِّكِمْ بِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ ، فَحَقٌّ عَلَى مَنْ يَعُودُ شَبابُهُ هَرَمًا، ونَشاطُهُ وَهنًا ،وقوّتُهُ ضَعْفًا ، وزَيادَتُهُ نَقْصًا ، وَحَياتُهُ مَوتًا ، أنْ يُبادِرَ بِالتَّوبةِ وَالإقْبالِ عَلى اللهِ، وَلَا يَتَمادَى في اغتِرارِهِ، ولَا يَتَنَاهَى عَلى إِصْرَارِهِ، والتائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ ، فَقَالَ (( إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا )) وقال ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(( مَنْ صَلّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا)) رَوَاهُ مُسْلِم .