المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوفاء : بين الدائن والمستدين ( خطبة جمعة )



محمدالمهوس
08-03-2017, 21:47
الْخُطْبَةُ الْأُولَى
عِبَادَ اللَّهِ / رَوَى الْبُخَارِيُّ فِيِ صَحِيِحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ،عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ فَقَالَ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا قَالَ فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ قَالَ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا قَالَ صَدَقْتَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلَا فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِكَ وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ قَالَ هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ قَالَ أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا))
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ / فِي قِصَّةِ هَاذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بَيَانٌ بِأَنَّ دِينَنَا الْحَنِيفَ شَرَعَ الدِّيْنَ عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ إِلَيْهِ ، وَأَنَّ تَحْدِيدَ مَوْعِدِ السَّدَادِ ، وَكِتَابَةِ الدِّينِ وَأَجْلِهِ ، وَالْإِشْهَادِ عَلَى الدِّينِ ، وَالرَّهْنِ فِيهِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِي تَوْثِيقِ الدِّينِ وَضَمَانِ حَقِّ الدَّائِنِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ )) وَقَالَ فِي سِيَاقِهَا : (( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى)) وَقَالَ تَعَالَى ((وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ))
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الدَّائِنُ هَذِهِ الْأُمُورَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ،كَمَا قَالَ تَعَالَى ((فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ )) ثُمَّ لَا يَخْفَ عَلَيْكُمْ – عِبَادَ اللَّهِ - الْأَجْرَ الْعَظِيمَ لِلْمُقْرِضِ عِنْدَ أَنْظَارِهِ لِلْمُعْسِرِ ،وَتَأْجِيلِ السَّدَادِ ،وَالتَّوْسِعَةِ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ )) وَرَوَى مُسْلِمٌ فِيِ صَحِيِحِهِ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ )) وَرَوَىَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ )) قَالَ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : (( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ )) قُلْتُ : سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ ، ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ ؟ قَالَ :(( لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ )) وَالْحَدِيثُ صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي " الصَّحِيحَةِ "
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ / لَقَدْ انْتَشَرَ فِي الْآوِنَةِ الْأَخِيرَةِ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُقْتَرِضِينَ وَالْمُسْتَدِينِينَ :ظَاهِرَةُ عَدَمِ وَفَاءِ الْقَرْضِ ،أَوْ وَفَاءِ الدِّينِ ، فَتَجِدُ الشَّخْصَ يَأْتِي إِلَى أَخِيهِ فِي بِدَايَةِ الْأَمْرِ لِيَطْلُبَ مِنْهُ سُلْفَةً نَقْدِيَّةً أَوْ سِلْعَةً يَشْتَرِيهَا بِالدِّينِ ، وَيُظْهِرَ لَهُ حُسْنَ النِّيَّةِ بِكَلَامٍ جَمِيلٍ وَعِبَارَاتٍ مُنَمَّقَةٍ ، وَأَنَّهُ سَيُسَدِّدُهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُحَدِّدُهُ الْمُقْرِضُ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَالَ، وَتَمُرُّ عَلَيْهِ شُهُورٌ وَرُبَّمَا سَنَوَاتٌ دُونَ أَنْ يَعْتَذِرَ مِنْهُ ، أَوْ يَطْلُبَ فُسْحَةً فِي الْأَجَلِ ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ خُلُقِ الْمُسْلِمِ ، وَلَيْسَ مِنْ الْأَدَبِ الْإِسْلَامِيِّ فِي شَيْءٍ ، فَإِنَّ دِينَنَا يَحُثُّ عَلَى رَدِّ الْجَمِيلِ ، وَالْمُكَافَأَةِ لِلْمَعْرُوفِ بِمَثَلِهِ أَوْ أَحْسَنَ مِنْهُ وَالدُّعَاءِ لِصَاحِبِهِ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خَيْرُ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَاتَّقُوا اللَّهِ - عِبَادِ اللَّهِ - وَبَادِرُوا بِأَدَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ عَلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْحَلُوا مِنْ الدُّنْيَا فَيَكُونُ الْقِصَاصُ يَوْمئِذٍ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ، بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكَمَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنْ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ .
اَلْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، والشّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لَشَانِهِ ، وأشهدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ ، صَلّى الله عَليْهِ وَعَلى آلِهِ وأصْحَابِهِ وأعْوانِهِ وسَلّم تَسْلِيماً كثيراً .
‏عِبَادَ اللهِ / اَلْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ وَالْعَهْدِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ رَبِّنَا جَلَّ وَعَلَا ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ: (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ))
وَالْوَفَاءُ مِنْ هَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ((وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)) وَمِنْ سِمَاتِ الصَّالِحِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ((وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ ))
وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي تَكَلَّفَ الْعَنَاءَ لِيُوصِلَ الْمَالَ إِلَى صَاحِبِهِ فِي الْمَوْعِدِ الْمُحَدَّدِ ،وَاتَّجَهَ إِلَى الْبَحْرِ ، وَمَعَهُ النُّقُودَ لِيُوُصِلَهَا لِصَاحِبِهَا ؛لَكِنَّ الْبَحْرَ مُضْطَرِبٌ ،وَلَا يُوجَدُ سَفِينَةٌ تُوُصِلُهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقَةً إِلَّا هَذِهِ الْخَشَبَةَ.
وَمَعَ حِرْصِهِ وَتَأَكُّدِهِ مِنْ وُصُولِ الْمَالِ إِلَى صَاحِبِهِ رَكِبَ سَفِينَةً بَعْدَمَا هَدَى الْبَحْرُ وَأَخَذَ ومَعَهُ أَلْفَ دِينَارٍ أُخْرَى لِيُوَصِلَهَا إِلَى صَاحِبِهَا إِلَّا أَنَّهُ تَفَاجَأَ بِقَوْلِ صَاحِبِ الْمَالِ لَهُ بَعْدَ لِقَائِهِ بِهِ : لَقَدْ أَدَّى اللَّهَ عَنْكَ وَوَصَلَ مَالِيِ ، فَانْصَرَفَ الْمُسْتَقْرِضُ بِالْأَلِفِ دِينَارَ عَائِداً ، وَانْظُرُوا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى أَمَانَةِ الثَّانِي الَّذِي لَمْ يَقُلْ إِنَّهَا لَمْ تَصِلْ لِيَحْصُلَ عَلَى الْأَلِفِ دِينَارَ الثَّانِيَةِ ، فَاتَّقَوْا اللَّهَ عِبَادِ اللَّهِ وَاحْرِصُوا عَلَى الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ فَإِنَّ رَبَّكُمْ قَالَ ((وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً )) وَقَالَ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ))،هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ فَقَالَ (( إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا )) وقال ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(( مَنْ صَلّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلّى الله ُعَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا)) رَوَاهُ مُسْلِم .