المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محسنون بصمت ( خطبة جمعة )



محمدالمهوس
11-08-2016, 01:52
اَلْخُطْبَةُ الْأُولَى
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْمَحْمُود ، الرَّحِيمِ الْمَعْبُود ،الْمَوْصُوفِ بِالْكَرَمِ وَالْجُودِ ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ ،وَصَحِبَهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّيِنِ ،وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ :أَيُّهَا النَّاسُ / أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾
عِبَادَ اللَّهِ / حَدِيثُنَا بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عِبَادَةٍ تُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَطَرِيقٌ مُوصِلٌ إِلَى مَحَبَّتِهِ وَمَرْضَاتِهِ ؛تُثْمِرُ سَعَادَةَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَتُثْمِرُ مَحَبَّةَ النَّاسِ ، وَتَحْفَظُ لِلْإِنْسَانِ مَالَهُ وَبَدَنَهُ ،وَهِيَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ .
نَتَكَلَّمُ عِبَادَ اللَّهِ عَنْ صِدْقِ السِّرِّ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَنْهَا ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتؤْتُوهَا الفُقَرَاءِ فَهُوَ خَيرٌ لَّكُمْ ﴾ فَأَخْبِرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ إِعْطَاءَهَا لِلْفَقِيرِ فِي خِفْيَةٍ خَيْرٌ لِلْمُنْفَقِ مِنْ إِظْهَارِهَا وَإِعْلَانِهَا ؛ لِمَا فِي إِخْفَائِهَا مِنْ تَحِيقِ الْإِخْلَاصِ ، وَالْبُعْدِ عَنْ الرِّيَا ، وَعَدَمِ فَضْحِ الْفَقِيرِ بَيْنَ النَّاسِ فَيَزْهَدُونَ فِي مُعَامَلَتِهِ وَمُجَالَسَتِهِ ، وَقَدْ مَدَحَ النَّبِيُّ صَدَقَةَ السِّرِّ وَأَثْنَى عَلَى فَاعِلِهَا ،كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ )) وَذَكَرَ مِنَ الْسَّبْعَةِ ((رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ، فَأَخْفَاهَا حتِّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ))
عِبَادَ اللَّهِ / لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَحْرِصُونَ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ ؛ بَلْ كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى صَدَقَاتِ السِّرِّ أَكْثَرَ مِنْهَا عَلَانِيَةً ! لِمَا فِيهَا مِنْ الذُّخْرِ الْجَمِيلِ عِنْدَ الرَّبِّ الْجَلِيلِ الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : جَاءَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلاَّ الْمَاءُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟)) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ: أَنَا ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلاَّ قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً ،فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا؛ فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (( ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا )) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ .
كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ تُعِدُّ لَهُ زَوْجَتُهُ طَعَامَ الْإِفْطَارِ فِي الصَّبَاحِ فَيَنْوِي الصِّيَامَ ،وَيَأْخُذُ الطَّعَامَ مَعَهُ إِلَى الدُّكَّانِ يَتَصَدَّقُ بِهِ فِي الطَّرِيقِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ عِنْدَ الْمَغْرِبِ فَيَفْطِرُ هُنَالِكَ لَا يَظُنُّونَهُ إِلَّا انْهَ مُفْطِرٌ فِي النَّهَارِ .
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ : كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَعِيشُونَ لَا يَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ كَانَ مَعَاشُهُمْ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللهُ فَقَدُوا مَا كَانُوا يُؤْتَوْنَ بِهِ فِي اللَّيْلِ .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ : قَالَ لَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللهُ فَغَسَّلُوهُ جَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَى آثَارٍ سَوْدَاءَ بِظَهْرِهِ، فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: كَانَ يَحْمِلُ جُرُبَ الدَّقِيقِ لَيْلًا عَلَى ظَهْرِهِ يُعْطِيهِ فُقَرَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ عِبَادَ اللَّهِ ! فَالنِّسَاءُ كَانَ لَهُنَّ يَدًا فِي صَدَقَةِ السِّرِّ ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَجْمَعُ الشَّيْءَ حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهَا قَسَمَتْهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ .
أَمَّا أَسْمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَكَانَتْ لَا تَمْسِكُ شَيْئًا لِلْغَدِ ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ أُمُّ الْمَسَاكِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَكَسَّبُ لِتَتَصَدَّقَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : زَيْنَبُ مَفْزِعُ الْأَيْتَامِ وَالْأَرَامِلِ وَالْمَسَاكِين .
اللّهُمَّ إنّا نَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينَ .
أقولُ ما تَسْمَعُونَ، وأسْتغفِرُ اللهَ لِي ولكُم ولِجميعِ الْمُسلميِنَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فاسْتَغْفِروهُ إنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيم.
اَلْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، والشّكْرُ له على توفيقه وامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لَشَانَهُ ، وأشهدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ ، صَلّى الله عَليْهِ وَعَلى آلِهِ وأصْحَابِهِ وأعْوانِهِ وسَلّم تَسْلِيماً كثيراً .
أمّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ : اِتَّقُوْا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى ، وَاحْرِصُوا عَلَى إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ السِّرُّ فِي قَبُولِ الْعَمَلِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ هُنَاكَ فِي هَذَا الزَّمَنِ نَمَاذِجُ مُشَرِّفَةٍ مُضِيئَةٍ فِي مَيْدَانِ التَّنَافُسِ فِي صَدَقَةِ السِّرِّ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَعْرِفُهُ عَنْ أَحَدِ الْأَشْخَاصِ ، وَالَّذِي كَانَ لَهُ بَعْضُ الْعَمَائِرِ الْمُؤَجَّرَةِ .. لَمَّا مَاتَ وُجِدَ أَنَّ مَنْ كَانَ يَسْكُنُ فِيهَا فُقَرَاءُ لَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ شَيْئًا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً ، أَحَدُ الْفُقَرَاءِ لِمَا سَأَلَتْهُ عَنْ حَالِهِ أَجَابَ بِقَوْلِهِ جَزَى اللَّهَ خَيْرًا أَحَدَ الْأَشْخَاصِ اَلَّذِي لَا يُحِبُّ ذِكْرَ اسْمِهِ بَنَى لِي مَسْكَنًا ، وَزَوَّجَنِي فَأَنَا أَدْعُو لَهُ بِكُلِّ سَجْدَةٍ فِي صَلَاتِي ، أَحَدُهُمْ تُوُفِّيَ فَتَبِعَ جِنَازَتَهُ مَجْمُوعَةٌ مِنْ الشَّبَابِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَفَلَهُمْ مُنْذُ الصِّغَرِ ، رَجُلٌ يَأْتِي لِلْمَسْجِدِ قَبْلَ الْأَذَانِ يُنَظِّفُ الْمَسْجِدَ ، وَيُطَيِّبُهُ ، وَيُرَتِّبُ الْمَصَاحِفَ ، رَجُلٌ يُقَدِّمُ لِفُقَرَاءَ أَهْلِ الْحَيِّ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ التَّمْرِ قَبْلَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ مَعَ وَجْبَةِ الْعِيدِ مُنْذُ سِنِينَ ، وَغَيْرُهُمْ وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ ، فَاتَّقُوا اللَّهِ عِبَادِ اللَّهِ ، وَتَفَقَّدُوا إِخْوَانَكُمُ الْمُحْتَاجِينَ بِصَمْتٍ ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :((أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا ، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا ، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ كَتَمَ غَيْظَهُ ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا ، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ )) صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ .؛ هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا على مَنْ أَمَرَ اللهُ باِلصّلاةِ والسّلامِ عَلَيْهِ ، فَقَال ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا﴾