المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة جمعة بعنوان ( مسؤولية الأذان في رمضان )



الشيخ/عبدالله الواكد
09-06-2016, 00:06
خطبة جمعة
بعنوان
( مسؤولية الأذان في رمضان )

كتبها / عبدالله بن فهد الواكد

إمام وخطيب جامع الواكد بحائل

الخطبة الأولى

الْحَمْدُ لِلَّهِ القائلُ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ، وأَشهدُ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، عدد ما كانَ وما يكونُ ، وما تسرونَ وما تعلنونَ ، وأَشهدُ أنَّ نبينا محمداً عَبدُ اللهِ ورسولُهُ وصفيُّهُ وخليله ، وخيرته مِنْ خلقِهِ ، وأمينُه على وحيِه ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى نبينا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ.
أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ : فأُوصيكُمْ ونفسِي بتقوَى اللهِ ، قَالَ تعالَى) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )
أيهَا المسلمونَ: إغتنموا هذهِ الأوقاتِ الفاضلاتِ ، وتداركوا الأيامَ الباقياتِ ، واعلموا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قالَ في الحديثِ القدسيِّ ( الصومُ لي وأنا أجزي بهِ ) فكفى باللهِ جازياً ومُثيباً فتعرَّضُوا لنفحاتِ الرحمةِ وشآبيبِ المغفرةِ
أيها المسلمون : هناكَ مسألةٌ ربَّما تساهلَ الناسُ بهاَ وهيَ محكٌّ حرجٌ ، ألا وهيَ الأكلُ والشربُ بعدَ سماعِ المؤذنِ ، فيا أيُّها المسلمونَ : إعلموا أنهُ يحرُمُ على المسلمِ بعدَ طلوعِ الفجرِ أنْ يأكلَ أو يشربَ أو يأتيَ شيئاً منَ المفطِّراتِ ، وهوَ يريدُ الصومَ في رمضانَ لقولِهِ تعالى : (فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) فإذا طلعَ الفجرُ فإنَّهُ يجبُ على الصائمِ الإمساكُ ، سواءً أذَّنَ المؤذنُ أم لم يؤذنْ فالعبرةُ بطلوعِ الفجرِ في الإمساكِ ، كما أنَّ العبرةَ بغروبِ الشمسِ في الإفطارِ ، لقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ كما في الصحيحينِ ( إذا أقبلَ الليلُ منْ هاهُنا وأدبرَ النهارُ منْ هاهُنا وغربت الشمسُ فقد أفطرَ الصائمُ ) وحيثُ أننا في هذهِ المدنِ لا نرى طلوعَ فجرٍ ولا غروبَ شمسٍ وطالما أنَّ المؤذنينَ يؤذنونَ على مواقيتَ مضبوطةٍ أجازَ الإعتمادُ عليها العلماءُ وأمرَ بالعملِ بها ولاةُ الأمرِ وهي تقويمُ أمِّ القرى فلا يؤذِّنُ المؤذنُ إلا عندَ دخولِ الوقتِ مباشرةً ليعلمَ الناسُ فيُمسكونَ ويُفطرونَ ويسعونَ للمساجدِ وتصلي النساءُ في البيوتِ ، فالمؤذِّنُ في عُنقِهِ أمانةٌ عظيمةٌ ، فهو عمدةُ الناسِ في ذلكَ ، وليسَ الأذانُ هو الذي يُدخِلُ الوقتَ ، إنَّما الأذانُ إعلامٌ للناسِ بدخولِ أوقاتِ الصلاةِ ، فإذا كُنتَ في بَرِّ أو في خلاءٍ والسماءُ صحوٌ وليسَ حولُك أنوارٌ تحجِبُ رؤيةَ الفجرِ وأنتَ تُشاهدُ المشرقَ فلكَ أنْ تأكلَ وتشربَ حتى يتبينَ لكَ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ سواءً أذَّنَ أم لم يؤذنْ لأنهُ لا يحولُ بينَ الطبيعةِ وبينَ حِسِّكَ ورؤيتِكَ شيءٌ وأما في المدنِ التي لا يستطيعُ الناسُ فيها رؤيةَ الفجرِ ولا غروبَ الشمسِ فعلى المسلمِ الإمساكُ على الوقتِ وعلى سماعِ المؤذنِ الثقةِ الأمينِ
قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ( لايمنعنَّكُم من سحورِكُم أذانُ بلالٍ فإنهُ يؤذنُ ليوقظَ نائمَكُم ويُرجِعَ قائمَكم فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذانَ بنِ أمِّ مكتوم فإنه لا يؤذنُ حتى يطلعَ الفجرُ ) ولقوله صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ( إنَّ بلالاً يؤذنُ بليلٍ فكلوا واشربوا حتى يؤذنَ بنُ أمِّ مكتوم )
وحرفُ حتى في اللغةِ هو حرفُ غايةٍ حتى يؤذنَ بنُ أمِّ مكتومٍ أي كلوا واشربوا لغايةِ أنْ يؤذنَ بنُ أمِّ مكتومٍ فإذا شرعَ في الأذانِ فأمسكوا هذا هوَ المقصودُ من الحديثينِ والعلةُ في ذلكَ أنَّ ابنَ أمِّ مكتومٍ لا يؤذِّنُ حتى يطلعَ الفجرُ ، لأنَّ الأصلَ في الأذانِ هو الإعلامُ بدخولِ الوقتِ ، فإنْ لم يكنْ كذلكَ فلا معنى للأذان ، ولا فائدةَ منهُ ، وحاشا أنْ تأتيَ الشريعةُ بعبثٍ كهذاَ ، ولذا إذا أذنَ المؤذنُ الثقةُ الذي يؤذنُ على الوقتِ وبعدَ طلوعِ الفجرِ ، فيحرُمُ على الصائمِ الأكلُ والشربُ وغيرُهُما من المفطِّراتِ منْ وقتِ سماعِهِ الأذانَ حتى غروبَ الشمسِ ، ومَنْ فعلَ شيئاً من ذلكَ عالماً بالحكمِ غيرَ جاهلٍ قاصداً غيرَ مخطيءٍ ذاكراً غيرَ ناسي فإنَّ صيامَهُ يبطُلُ ويأثمُ بفعلِهِ ، لأنَّهُ مِنَ الناسِ مَنْ يجهلُ هذهِ المسألةَ ويقولُ بالأكلِ والشربِ بعدَ الأذانِ ويستدلُ بأذانِ بلالٍ فحديثُ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ واضحٌ قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ ( إنَّ بلالاً يؤذنُ بليلٍ فكلوا واشربوا حتى يؤذنَ ابنُ أمِّ مكتومٍ ) وهذا الحديثُ يحتاجُ لبيانٍ وتفصيلٍ .
أولاً : أنَّ بلالَ بنَ رباحٍ وابنَ أمِّ مكتومٍ رضي اللهُ عنهُما ليسا في مسجدينِ مختلفينِ إنما كلاهُما يؤذِّنانِ في مسجدِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فبلالٌ يؤذنُ في رمضانَ الأذانَ الأولَ ليوقظَ النائمَ ويُرجعَ القائمَ وأذانُهُ الأولُ ليسَ فيهِ جملةُ ( الصلاةُ خيرٌ من النومِ ) ولو صلى مسلماً صلاةَ الفجرِ بعدَ أذانِ بلالٍ الأولِ لم تصحْ صلاتُهُ لأنَّهُ صلاها قبلَ وقتِها ودخولُ الوقتِ شرطٌ لصحةِ الصلاةِ فأذانُ بلالٍ لإيقاظِ النائمينَ لأنه ليسَ في زمنِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ منبهاتٌ ولا ساعاتٌ ولا كهرباءُ والناسُ في المدينةِ آنذاكَ يميِّزونَ بينَ صوتِ بلالٍ وصوتِ ابنِ أمِّ مكتومٍ ، فأذِنَ لهم النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أنْ يتسحروا ويأكلوا ويشربوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أمِّ مكتومٍ لأنه يؤذنُ لطلوعِ الفجرِ ودخولِ الوقتِ ، وأمَّا الآنَ أيها المسلمونَ فإنَّ الأذانَ الأولَ قدْ تلاشى إلا في قلةٍ منَ المساجدِ لأنَّ الناسَ عندَهُم منبهاتٌ وساعاتٌ ، بلْ إنَّ غالبَهُم لا ينامُ لقِصَرِ الليلِ ، والذي يُؤذَّنُ الآنَ هو الأذانُ الثاني المُؤْذِنُ بطلوعِ الفجرِ ودخولِ الوقتِ ، فللناسِ أنْ يأكلوا ويشربوا قبلَ الأذانِ فإذا أذَّنَ المؤذنُ وجبَ على المسلمِ أنْ يُمسكَ عندَ سماعِ الأذانِ لأنهُ ليسَ لدى الناسِ في المدنِ وسيلةٌ أخرى يتيقنونَ بها من طلوعِ الفجرِ غيرَ الأذانِ ، ومَنْ شرعَ في الشُّربِ من إناءٍ وأذنَ المؤذنُ فلا يقطعْ شُربَهُ ونِهمَتَهُ إنما يُتمُّ شُربَهُ ويَقضي حاجَتَهُ منهُ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ ) ، ذلكَ يا عبادَ اللهِ : أنَّ بعضَ المسلمينَ هداهم اللهُ إذا سمعَ المؤذنَ بدأَ يؤذنُ ذهبَ يبحثُ عن الماءِ وبدأَ يشربُ وبعضُهُم يفعلُ ذلكَ حتى بعدَ فراغِ المؤذنِ فهذا العملُ لا يجوزُ ومَنْ فعلَ ذلك عالماً بالحكمِ قاصداً ذاكراً ففي صحةِ صيامِهِ نظرٌ ويأثمُ على فعلِهِ ، فاتقوا اللهَ ياعبادَ اللهِ ، وتنبهوا لدينِكم ، وتحرزوا لصيامِكُم ، أقولُ ما تسمعونَ وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المؤمنينَ



الثانية
أما بعدُ أيُّها المسلمونَ :
بما أنَّناَ نَبهناَ الناسَ لهذاَ الأمرِ الشائكِ ، وأنَّهُ إذا أذَّنَ المؤذنُ حَرُمَ عليهم أنْ يأكلوا أو يَشربُوا فإنَّناَ نريدُ أنْ نُنَبِّهَ المؤذنينَ بعِظَمِ الأمانةِ التي أُنيطتْ بهم قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ( الإمامُ ضامنٌ والمؤذنُ مؤتمنٌ ) نعم أيها الناسُ المؤذنُ مؤتمنٌ على هذهِ المواقيتِ فيجبُ عليهِ أنْ لا يتقدَّمَ ولا يتأخَّرَ وتَعظُمُ الأمانةُ وتجسُمُ المسؤوليةُ في شهرِ رمضانَ إذْ الناسُ كلُّهُم آذانٌ صاغيةٌ لهذا المؤذنِ فإذا أذنَ أَمسَكُوا وإذا أذنَ أفطَرُوا ومنَ المؤذنينَ هداهُمُ اللهُ لا يهتمُّ بهذا الأمرِ العظيمِ فيؤذِّنُ للفجرِ بعدَ بضعِ دقائقَ منْ فراغِ المؤذنينَ ، فهؤلاءِ الذين قدْ أكلوا وشَربُوا بعدَ طلوعِ الفجرِ على أذانِكَ أيها المؤذنُ هل تتحملُ ما يترتبُ على تأخيرِكَ من فسادِ صيامِهِم أو التغريرِ بهِم فاتَّقِ اللهَ يامنْ تتأخرُ وتتساهلُ في هذا الأمرِ العظيمِ ويجبُ على المؤذنِ الأمينِ أنْ يكونَ في موقعِ الأذانِ قبلَ الوقتِ وينظرَ للوقتِ ويهتمَّ بمتابعةِ ساعتِهِ ويعتمدَ في الأذانِ على تقويمِ أمِّ القرى وليسَ على ساعاتِ المواقيتِ الإلكترونيةِ لأنَّ الناسَ مِنْ حولِهِ كلُّهم ينتظرونَه فإذا تأخرتَ أيها المؤذنُ عن الأذانِ خصوصاً الفجرَ في رمضانَ وغيرِ رمضانَ فلا تؤذنْ بمكبِّرِ الصوتِ أذنْ داخلَ المسجدِ بدونِ مكبِّرٍ ولا تغررْ بالناسِ حتى في غيرِ رمضانَ لأنَّ هنالكَ من يصومُ حتى في غيرِ رمضانَ إماَّ تطوُّعاً أو قضاءً أو كفارةً أو غيرَ ذلكَ ، كما أنَّ من لديهِ علمٌ بالوقتِ أنْ ينبِّهَ المؤذنَ إنْ أخلَّ بالوقتِ ولكنْ بالتي هي أحسنُ لأنَّ ذلكَ منَ التعاونِ على البِرِّ والتقوى أسألُ اللهَ أنْ يحفظَ لناَ دينَناَ الذي هو عصمةُ أمرِنا وأنْ يتقبلَ منا ومنكم الصيامَ والقيامَ
عبادَ اللهِ: قَالَ تَعَالَى) إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) وقالَ رسولُ اللهِ :« مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً»