المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة جمعة بعنوان ( نحن والسيارات )



الشيخ/عبدالله الواكد
10-03-2016, 21:17
خطبة جمعة

بعنوان

نحن والسيارات

كتبها

عبدالله بن فهد الواكد

إمام وخطيب جامع الواكد بحائل

2/6/1437


الْخُطْبَةُ الأُولَى
أما بعدُ أيها الأحبة المسلمون :
ما أكملَ الدينَ الذي شرعهُ اللهُ ، وما أتمَّ التعاليمَ التي سنَّها من لا ينطقُ عن الهوى ، إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى ، رسولُنا ونبيُّنا محمدٌ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، شريعتُنا شاملةٌ ، ودينُنا كاملٌ ، شملَ جوانبَ الحياةِ كلِّها ، وأحاطَ بمستلزماتِ العيشِ ، دينٌ تكالبَ على إيجابياتِ الحياةِ وسوالبِها ، فبعثرَ عنها عتمةَ اللبسِ والغموضِ ، وأزالَ عن أنحائِها وجوانبِها ، آثارَ الشكِّ والحيرةِ ، كمَّلَهُ اللهُ عز وجل ، يومَ أنْ أتمَّ علينا النعمةَ ، وأفاضَ علينا الرحمةَ ، قالَ سبحانه وتعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) (المائدة: من الآية3)
حفِظَ لنا هذا الدينَ العظيمَ ، أموراً خمسةً ، لا تكتملُ حياةُ عبدٍ إلا بها ، ولا تزدانُ علاقاتُ الناسِ إلا بها ، ولا تستقيمُ سفينةُ العمرِ ، في لُجَّةِ الحياةِ إلا بها ، أمرَنا بحفظِ النفسِ والعقلِ والنسلِ والعرضِ والمالِ ، أمرَنا بحفظِها في الكتابِ والسنةِ .
أيُّها الناسُ : النفسُ أمانةٌ عظيمةٌ ، فما بالُنا فرَّطْنا بها ، فلم نرْعَها حقَّ رعايَتِها ،
إنَّ قضيةَ السياراتِ ، وظاهرةَ التهورِ في القيادةِ ، والإستهتارَ بأرواحِ البشرِ ، لظاهرةٌ مرضيةٌ ينبغي علاجُها ، بل يجبُ علاجُها ، يلزمُنا الوقوفَ وراءَ كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ ، لها أدنى أثرٌ في هذهِ الظاهرةِ ، فمتى يدركُ المسؤولُ ، أهميةَ المسؤوليةِ التي أنيطتْ بهِ ، وليست المسؤوليةُ قصراً على الوزراءِ والمدراءِ ، والموظفينَ والجنودِ ، لسنا نحنُ صفاًّ آخرَ نصادمُهم ، ونمزِّقُ في أنظمتِهم وقوانينِهم ، ونرضى أنْ نرى منْ يجتثُّ ثوابتَ السلامةِ المروريةِ ، ونقفُ منْ ذلكَ موقفاً محايداً ، المسؤوليةُ شاملةٌ ، على جميعِ أفرادِ المجتمعِ ، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ( كلكُم راعٍ وكلٌّ مسؤولٌ عن رعيتِهِ ) كلٌّ مسؤولٌ بحسبِ مكانِهِ .
إخوةَ الإسلامِ : نعودُ بكم إلى الوراءِ حقبةً من الزمنِ ، تقطَّعَ الناسُ ألماً في غابرِ أزمانِهم ، كمْ من أُناسٍ وُلِدُوا وماتوا ولم يبرحوا ديارَهُم ، كانتْ الخُطى قصيرةً ، والأسفارُ مريرةً ، فما كانتْ وسائلُ للترحالِ ، غيرَ الحميرِ والبغالِ والجمالِ ، كانتْ الديارُ متباعدةً ، فكم من أقدامٍ وأقدامٍ ، دكَّتْ سفوحَ الآكامِ ، في سفرٍ بعيدٍ ، تاقتْ لرؤيةِ أحبابِها ، أو رحلَتْ لجلبِ أرزاقِها ، فهلكتْ دونَ ما تريد ، أليسَ في ذلكَ مُدَّكَرٌ ، وعبرةٌ لمن اعتبرَ ،
أمَّا نحنُ فإنَّنَا بنعمةٍ ، لو تأمَّلْناهاَ لماَ أسْرَفْنَا على أنفسِنَا بعدمِ شكرِهاَ ، أَجِلْ بصرَك في الشارعِ والبيتِ والمدرسةِ والمستشفى والمزارعِ والأسواقِ والمراكبِ والطرقِ ، لترى كمْ نحنُ بنعمٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى ، قال تعالى ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)(ابراهيم: من الآية34)
نحنُ بنعمةٍ غامرةٍ ، لا تُكالُ بالموازينِ ، ولا تُكتبُ بالدواوينِ ، من ضفائِها وسبوغِها ، المتأملُ البصيرُ ، الذي يعرفُ بُعدَ النجعةِ بينَ الماضي والحاضرِ ، يُدركُ قيمةَ التأمُّلِ والتقديرِ .
في ثُلَّةٍ من السنينِ مضتْ ، تهاطلتْ النعمُ علينا تَهاطُلَ المطرِ الغزيرِ ، فما عرفَ الناسُ في ديمةِ هطولِها ، وخِضَمِّ حُلُولِها ، شكرَ تلكَ النعمِ قال تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، فبسببِ تقصيرِ الناسِ في شُكرِ هذهِ النعمِ شكراً عملياً عادتْ النتائجُ معكوسةً ، والمردوداتُ منكوسةً ، أنعمَ اللهُ علينا بنعمةِ الوسائلِ ، فاختُرعتْ السيارةُ ، وصُنعتْ الطيارةُ ، وراحَ الناسُ يجوبونَ مشارقَ الأرضِ ومغاربِها ، يذرعونَ فجاجَهاَ ، عُبدتْ الشوارعُ ، وزُفِّتتْ الطرقاتُ ، فتقاربتْ البلدانُ ، وأصبحَ أهلُهاَ كالجيرانِ ، نعمةُ السياراتِ نعمةٌ عظيمةٌ ، ولا يُنكرُ ذلكَ فاهِمٌ مدركٌ ، لكنَّ الناسَ فرَّطُوا في هذهِ النعمةِ ، وأساؤُوا استخدامَهَا ، فصارتْ مصدرَ شرٍّ وقلقٍ وإزعاجٍ ، كثُرتْ الحوادثُ ، وصارتْ القيادةُ مغامرةً ، وأصبحَ كثيرٌ منَ الشبابِ هداهُمُ اللهُ ، كأنَّهُم في مضاميرِ سباقاتٍ ، فلا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ ، فكم من الباكينَ على أبنائِهم ، وكم من المحزوناتِ على أبنائِهِنَّ ، وكم من مدامعَ سُكبتْ ، وقلوبٍ تقطعتْ ، وأفئدةٍ تمزقتْ ، بسبب نزوةٍ أو سرعةٍ ، تزاهقَتْ من جرائِهَا أرواحُ الأبرياءِ ، وتناثروا أشلاءَ ، وتقطعوا بينَ الدماءِ ، بسببِ سرعةٍ وغفلةٍ أو بسبب تعبٍ ونعاسٍ ، أو بسبب اتصالٍ أو رسالةِ جوالٍ ، أو مداعبةِ أطفالٍ ، أو بسببِ الواتساب والتويتر ، والآنَ خرجَ عليناَ مُهلكٌ جديدٌ إسمُهُ السناب شات ، للأسف أنَّ السيارةَ ، لم تَعُدْ سيارةً ، تلكَ التي يقودُها ذو الجدارةِ ، إذا سارَ سارَ بشطارةٍ ، واذا انعطفَ أعطى الإشارةَ ، إنما أصبحتْ عندَ كثيرٍ من الشبابِ لُعبةً يستعرضُ بها في أوساطِ الناسِ وفي طُرقاتِهم ، يؤذي العابرينَ بالأنوارِ المزعجةِ ، والأبواقِ الصاخبةِ ، وأصواتٍ تخرجُ من جوفِ السيارةِ يتعرَّضونَ بها لتَحَسُّبِ النائمينَ والمرضى وأهلِ البيوتِ عليهِم ، ياولدي ، هل تريدُ الوزرَ والسيئاتِ وأسبابِ الحوادثِ بدعاءِ الناسِ عليكَ ، أهلُكَ أحبَّوْكَ فاشتَرَوْا لكَ سيارةً ، والدولةُ وثقتْ فيكَ ومنحتْكَ رخصةَ قيادةٍ ، فهل هذا جزاءُ منْ أحسنَ إليكَ ، أنْ تكونَ سبباً في همِّ وحَزَنِ أسرتِك ومجتمعِك ، فلا تستفيقُ إلا على اصطدامٍ مؤلمٍ ، او انقلابٍ محطِّمٍ ، فتكونُ الكارثةُ وقد قالَ اللهُ عز وجل ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)(النساء: من الآية29) وقال تعالى ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)(البقرة: من الآية195)
التقيدُ بالأنظمةِ والقوانينَ ، والإلتزامِ بقوانينِ الإشاراتِ المروريةِ مظهرٌ حضاريٌ وهوَ من أسبابِ الحفاظِ على الأنفسِ والممتلكاتِ ، وإشاراتُ المرورِ هي في الحقيقةِ توزيعٌ لحقوقِ العبورِ ، وتجاوزُ الإشارةِ الحمراءِ إنَّما هوَ تعَدٍّ على حقوقِ الآخرينَ ، ويتجاوزُ الأمرُ مفهومَ التعدي ، إلى تعريضِ الآخرينَ للخطرِ أثناءَ تمتُّعِهِم بحقوقِهِم ، فينبغي لنا أنْ نتكاتفَ معَ رجالِ المرورِ ، ونحترمَ الأنظمةَ ، ونُطيعَ منْ ولاَّهُمُ اللهُ أمرَ المسلمينَ ، فإنَّ في ذلكَ طاعةٌ للهِ عز وجل أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء:59)
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم

الثانية
إخوةَ الإسلامِ :
أيُعقلُ أنْ تتصدرَ بلادُنا ، أممَ العالَمِ بنسبةِ الحوادثِ ونسبةِ من يموتونَ ويُعاقونَ بسببِها ، وأنتم تُلاحظونَ ذلكَ ، لا نحتاجُ إلى إحصائياتٍ ، فقلَّما تجدُ أسرةً لم تُوعَكْ بحادثٍ ، تفقدُ فيهِ قرةَ عينِها ، أيُّها الأبناءُ : رفقاً بأنفسِكم فأبواكُم وأمتُكُم بحاجةٍ إليكم ، ياولدي : أتدري أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أقبلَ عليهِ رجلٌ فقالَ: أُبَايعك على الهِجْرَةِ والجهادِ أبتغي الأجرَ من اللَّهِ تعالى: فهلْ شيءٌ أعظمُ ياولدي من الهجرةِ والجهادِ ، وشدةِ حاجةِ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ لذلكَ ، ومعَ ذلكَ ، إستمعْ باركَ اللهُ فيكَ ماذا قالَ له النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ : ((فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قال: نَعَم؛ بَلْ كلاهما. قال: ((فتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؟)) قال: نَعَم. قال: ((فَارْجِعْ إِلى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا)) متفق عَلَيْهِ. وفي رواية أخرى أنه قال: ((فَفِيهما فَجَاهِدْ))
يا أخي الكريم ، وياولدي العزيز : يموتُ أناسٌ ، ويُجرحُ آخرونَ في كلِّ ساعةٍ ، فمَنِ المسؤولُ عن ذلكَ ، كلُّنا مسؤولونَ عن ذلكَ ، أنتَ وأناَ ورجلُ المرورِ ، كلُّنا رجلُ مرورٍ وأمنٍ ، إنَّ الشعوبَ وحضارتَها تقاسُ بحفاظِها على مواردِها البشريةِ والماديةِ ، واحترامِها للأنظمةِ والقوانينَ ، نحنُ أَوْلى مِنْ غيرِنا بالإنضباطِ والمثاليةِ ، نحنُ أهلُ دينٍ وأربابُ رسالةٍ ، كانَ أجدرُ بناَ ونحنُ أولائكَ أنْ نكونَ قدوةً يَحتذي بناَ الآخرونَ مِنْ شعوبِ العالَمِ ، فنسألُ اللهَ أن ييسرَ لنا ما تعسَّرَ من مصالحِ المعاشِ والمعادِ ، وأنْ يحفظَ عليناَ دينَناَ وأمنَناَ وأن يقينَا شرَّ أنفسِنا والشيطانِ ، صلوا وسلموا على من أمركم ربكم بالصلاة والسلام عليه فقال سبحانه (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب:56) اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك محمد وآله وصحابته أجمعين