المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خلــــق الـعفــــــــــــــو ( خطبة الجمعة القادمة 17/5/1437هـ )



محمدالمهوس
24-02-2016, 22:38
الخطبة الأولى

الحمدُ لِلّهِ الكريمِ الوَدُود، وَالْمَلِكِ الْمَعْبُود، المعروفِ بالعفوِ والْكَرمِ والجُود، أحمدُهُ سُبحانَهُ على مَا اتّصفَ بهِ من صِفاتِ الْجَلالِ والإِكْرام، وأشْكُرُهُ على ما أسْداهُ مِنْ جَزِيلِ الْفَضْلِ والإِنْعَام، وأَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنّ مُحَمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ صلّى اللهُ عليْهِ وعَلى آلهِ وصَحْبِهِ وَسَلّمَ تسْليماً كثيراً .
أيُّها الناس / أوصِيكُمْ ونفْسي بِتقوى اللهِ تعالى ؛ فإنَّ تقوى اللهِ سعادةٌ في الدنيا والآخرة وفلاحٌ في الدّارين ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ))
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ * * أَرَحْتُ نَفْسِي مِنْ هَمِّ الْعَدَاوَاتِ
إنِّي أُحَيِّي عَدُوِّي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ * * لِأَدْفَعَ الشَّرَّ عَنِّي بِالتَّحِيَّاتِ
وَأُظْهِرُ الْبِشْرَ لِلْإِنْسَانِ أُبْغِضُهُ * * كَأَنَّمَا قَدْ حَشَى قَلْبِي مَحَبَّاتِ
النَّاسُ دَاءٌ وَدَوَاءُ النَّاسِ قُرْبُهُمْ * * وَفِي اعْتِزَالِهِمْ قَطْعُ الْمَوَدَّاتِ

عِبَادَ اللهِ / خَصْلةٌ عظيمةٌ مِنْ خِصالِ الدينِ ، وخَلَّةٌ مُباركةٌ جاء التنويهُ بِها والحثُّ عليها والتّرغيبُ في فِعلها وذِكْرِ عَظيمِ ثَوابِ أهْلِها وجزيلِ أجُورِهِم عند الله تبارك وتعالى في مَواضِعَ عديدةٍ من كتابِ اللهِ تَعالى ،ومِنْ سُنّةِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم ؛ إنها شِعارُ الصّالحينَ الأتْقِياء الأنْقِياء .
فالْعَفْوُ والصَّفْحُ – عِبَادَ اللهِ - بابٌ عظيمٌ مِنْ أبْوابِ الإحْسانِ ؛ قالَ اللهُ تَعالى : ((فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )) وهو بابٌ عظيمٌ من أبوابِ نَيْلِ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ ؛ قالَ اللهُ تَعالى : (( وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )) وهو بابٌ لِنَيْلِ عَظيمِ الأُجُورِ وجَزِيلِ الثَّواب ؛ قالَ اللهُ تَعالى : (( فَمَن عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ))
وهو بابٌ رفيعٌ لِلْفَوْزِ بِالِجنانِ ،ونَيْلِ رِضَا الرّبِّ الرّحمن ؛ قالَ اللهُ تَعالى : (( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ))
وأهْلُ الْعَفْوِ هُمُ الأقربُ لِتَحقيقِ تقوى اللهِ جلّ وَعَلا ؛ قالَ اللهُ تَعالى : (( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ))
عِبَادَ اللهِ / الْعَفْوُ والصّفْحُ مقامٌ عظيمٌ ،ومَنْزِلةٌ رفيعةٌ، وهو صفةُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ،وصِفةُ أتباعِهِ بِإِحْسان ؛ جاء في الترمذي وغيرِهِ عن أمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضِي اللهُ عنها وأرْضَاها ،وَقد سُئلت عن خُلُقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت:لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا ، وَلَا مُتَفَحِّشًا ، وَلَا صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ ، وعنْدما نادَى جِبْرِيلُ علَيْهِ السّلام رسُولَنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدما آذَوْهُ قومُهُ فَخَرجَ مِنْ مكةَ مهْمُوماً فَقَالَ لَهُ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ قَالَ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا
عِبَادَ اللهِ / مِنْ طَبيعةِ بَعْضِ البشرِ الميلُ لِلانْتِقامِ والأخذِ بِالثّأْر ، فلا يَسْمعُ بِعَفْوٍ ولا تَسامُحٍ ولا يَرْضَى بِهِ ؛بَلْ يَرَى أنَّ الْعَفْوَ ذلٌّ ومهانةٌ ،وإهانةٌ أمامَ النّاس ، وأنَّ العزّةَ في الانْتِقام ، وهذا بِلا شكٍّ مُجَانبةُ الْحقيقة ،فَالعّزُّ إنّما هُوَ في الْعَفْوِ قَالَ صلى الله عليه وسلم فيما رواهُ الإمامُ مُسْلمٌ (( وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا )) وَثَبَتَ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ يَتَعَجَّبُ وَيَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ! قَالَ: «كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ». ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ؛ ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً؛ إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً؛ إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا قِلَّةً )) رواهُ أحمدُ وصحّحَهُ الألْبانِيُّ .
فَإذا تذكّرَ المؤمنُ في هذا المقامِ ثَوابَ اللهِ وأجْرَهُ وغُفْرانَهُ ورَحْمَتَهُ وما سَينَالُهُ على صَفْحِهِ وَعَفْوِهِ مِنْ أجورٍ عظيمةٍ وثوابٍ جَزيلٍ هَانَ عليهِ ما سِوَى ذلك ؛ جاءَ في سُنَنِ أبي داودَ عن نبيّنا صلى الله عليه وسلم أنه قال ((مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ)) فاللّهم إنّكَ تَعْلَمُ ضَعْفَ قُلوبِنَا ، وَضَعْفَ أحْوالِنا فَنَسْأَلُكَ أنْ تُعينَنَا أجْمَعِينَ على كَظْمِ الْغَيْظِ والْعَفْوِ عنِ النَّاسِ والصَّفْحِ عنِ الْمُسِيئِينَ ياربَّ الْعَالَمِين .


باركَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الكتابِ والسُّنة، وَنَفَعنا بِما فِيهِما مِنَ الآياتِ وَالْحِكْمَةِ ،أقولُ قَوْلِي هَذا، واسْتغفرِ اللهُ لِي وَلَكُم مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَإنّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيم .





الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ على إحْسانهِ، والشكرُ لهُ على تَوْفِيقهِ وامْتنانِهِ، وأشْهَدُ أنْ لا إلهَ الله وحدَه لا شريكَ لهُ تَعظيمًا لِشَأْنِهِ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمّدًا عَبْدُه ورسولُه الدّاعِي إلى رِضْوانِهِ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ، وَسَلّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
عبادَ الله / روَى البُخَاريُّ وَمسْلمٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَهُ أَعْرَابِيُّ فَأَخَذَ بِرِدَائِهِ فَجَبَذَهُ جَبْذَةً شَدِيدَةً ، نَظَرْتُ إِلَى عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ أَثَّرَتْ فِيهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ , مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَضَحِكَ وَأَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ .
فما أعْظَمَهُ مِنْ حِلْمٍ وَعَفْوٍ وَإحْسانٍ لِمَنْ كانَ خلقُهُ القرآن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولذلكَ جاء مَنْ بَعدهُ منَ الصّحابةِ والتابِعينَ ، ومَنْ بَعْدَهُمْ عَمَلاً بِخُلقِ الْعَفْوِ والتّسامُحِ ، فهذا رجلٌ يَشْتَمُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَصَبرَ حتّى قَضَى مَقَالَتَهُ، ثُمَّ قالَ : يَا عِكْرِمَةَ، أُنْظُرْ هَلْ لِلرّجُلِ حاجةً فَنَقْضِيهَا ؟ فَنَكّسَ الرّجُلُ رَأْسَهُ وَاسْتَحَى ، وقالَ الْحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: لَوْ أنَّ رَجُلاً شَتَمَنِي فِي أُذُنِي هَذِهِ واعْتَذَرَ فِي أُذُنِي الأُخْرَى لَقَبِلْتُ عُذْرَه .
وقالَ الأحْنَفُ: إيَّاكَ وَحَمِيّةَ الأوْغَاد ، قِيلَ: وَمَا هِيَ؟ قالَ: يَرَوْنَ الْعَفْوَ مَغْرَمًا، وَالتَّحَمّلَ مَغْنَمًا .
فاتّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وأفْرِغُوا قُـلُوبَكُمْ مِنَ الضَّغَائِنِ وَالأحْقَادِ ،وامْلَؤُوها بِالحُبِّ والْمَوَدّةِ ، وَقابِلُوا الإسَاءَةَ بِالْعَفْوِ والصَّفْحِ والْمَغْفِرَةِ تَنالُوا السّعادَةَ فِي الدُّنيا والآخِرَة .
هَذا وَصَلُّوا وَسَلّمُوا على نَبِيِّكِم مُحَمّدٍ،فَقَدْ أمَرَكُم اللهُ بالصّلاة والسّلامِ عَلَيْهِ ، فَقالَ تَعالى ((إنّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصلُّونَ عَلى النّبي يَا أيّها الّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ))