المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السّــــرفُ والتّــــرفُ ( خطبة الجمعة القادمة 1437/4/12 هـ )



محمدالمهوس
20-01-2016, 15:27
الخطبة الأولى
إنّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنْفُسِنا وسيئاتِ أعْمالِنا، منَ يهدهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ،ومنْ يُضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشْهَدُ أنّ محمداً عبْدُهُ ورسولُهُ.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ )) ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )) ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا))
أما بعد: فإنّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هَدْيُ مُحَمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم، وشرَّ الأمُورِ مُحْدَثاتُها،وَكُلَّ مُحْدثةٍ بِدْعَةٍ، وكُلَّ بدعةٍ ضَلالة، وكُلَّ ضَلالةٍ في النّار.
عباد الله/ قَبْلَ مئةِ سنةٍ مَضت أو أقلّ ،سَمعنا معانةَ آبائنا وأجدادنا من ضيق المعيشة ،وقلة الحيلة ،حيث حياتُهم ما بين بحث عن سكن ،وبين توفير المأكل والمشرب والملبس والدواء ؛ حتى ذكر أحد الأجداد أنهم في هذه البلاد كانوا يأكلون نوى التمر، وبعض أوراق الشجر ،بل ربما أكلوا الميتة من شدة الجوع ، وكان يموت ميتُهم ولا يجدون من يعالجه ، فحياتهم صعبة للغاية !ناهيك عن الخوف والهلع من قُطاع الطرق وغيرهم ،وكذلك تقلبات الطقس الموجعة ، مع أسفارهم إلى البلاد البعيدة كالعراق والشام واليمن بحثا عن لقمة العيش ، فحياتهم في شقاء لا سبيلَ للراحة فيها، ومع هذا كُلِّه فهم متمسكون بعقيدتهم ، وحُبِّهم لبلادهم ،وتعاونِهم فيما بينهم ، ثم شاء اللهُ لهذه البلاد ،بعد مُرورِ السنين ،وذهابِ الأجداد، أنْ تتغيرَ أمورُها ،وَتَتَبَدّلَ أحوالُها ،من خوف إلى أمن ،ومن فقر إلى حياة الغِنَى والسعة والراحة ،بل أصبحت جنةُ اللهِ في أرضه لِلمواطنِ والمُقيم والزائر ، وغدت تلك البلادِ التي كان أجدادُنا يقصدونها لطلب الرزق ،مسرحا للفتن والحُروب والدمار ، وكما قال الله تعالى ((وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ))
أحْي الله هذه البلاد ، وعمّ الخيرُ عند الحاضرِ والباد ، ووعد الله بالمزيد للعباد ، كما قال تعالى ((وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ )) لقد كثر الخيرُ واستقر ؛ أمن وأمان ، ورغدُ عيشٍ واطمئنان ، ومع كثرة النعم ووفرتها ظهرت ظاهرةُ الترف والبذخ والتباهي ،التي سيطرت على سلوك بعض أفراد هذا المجتمع، في الوقت التي يبكي فيها رجالُ وأطفالُ ونساءُ بعض البلادِ من شدة الجوع ووحشيّة المعتدي ، فالإسراف والترف والبذخ مِن الأمراض الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة، التي تُهدِّد العباد والبلاد، ولذلك قيل: أنّ الترفَ هو بدايةُ النِّهاية، والله جل وعلا يقول: ((وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا )) نعم عباد الله من الناس من إذا رزقه الله ووسّع عليه، شَعر بالثّراء والْيَسار، وتوسّع في النفقاتِ وبالغ في الاستهلاك، وأهَدر الأموال، بل وجاهر في إهداره وإضاعته بشكل من الترف والبذخ ، وكما قال الله تعالى ((كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى )) يخبر تعالى :أن من الناس مَنْ إذا كثُر مالُه واستغنى ، فَرِحَ وأشِرَ وَبَطَرَ وطغَى ، ثم تهدّده اللهُ وتوعده ،فقال : (( إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى )) أي : إلى اللهِ المصيرُ والْمَرْجِع ، وسيحاسبُه على ماله : من أيْن جَمعه ؟ وفيما أنفقه ؟ قال صلى الله عليه وسلّم (( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ ، وعدّ منْها : عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ )) رواه الترمذي وصححه الألباني .
نعم - عباد الله - سوف يُحاسِبُ اللهُ كُلَّ من استفز الفقراء بالتباهي بمظاهر الترف والبذخ ،امتهاناً لِلنعم، وتبْديداً للمال ،ومن هذا الاستفزاز ربما ووجود مظاهرِ الشّقاء عند الفقراء ،يتفجّرُ الحِقدُ، وتَرُوجُ الرّذِيلة، وينْبُتُ الإجرام ،ويَخْتَلُّ المجتمعُ ويَضْعُف .
فالتّبذيرُ والاسراف والترف والبذخ ،مَجْلبةٌ لِغَضبِ الرّب ،مُنافي لِكمالِ الإيمانِ ، تَشَبّهٌ بالشيطان ،كما قال تعالى ((وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ))
قال عمرُ بنُ الخطّاب لجابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما لَمّا مَرَّ عَلَيْهِ وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ أوْ حَامِلُ لَحْمٍ ،فَقَالَ : أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ لِجَارِهِ وَابْنِ عَمِّهِ ، أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ ((أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ))
فاتّقوا اللهَ عباد الله ،واحذَرُوا التّبذيرَ والتّرفَ والْبَذْخَ ، وكُونوا من عِبادِ اللهِ الشّاكرين ،فالشَّكُورُ قريرُ العيْنِ ، يُحبُّ الخيرَ للآخَرينَ ولا يَحْسِدُ منْ كان في نعمةٍ ،اسألُ اللهَ تعالى أنْ يُعِينَنا جميعاً على ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ وحُسْنِ عِبَادَتِهِ ، أقولُ قوْلي هذا، واسْتغفرُ اللهَ لِي ولَكُم منْ كُلِّ ذنْبٍ ،إنّهُ هُوَ الْغَفُورِ الرّحِيم .


الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا :
عباد الله/ يَتناقلُ كثيرٌ من النّاس عَبْرَ مَواقعِ التّواصُلِ ،مَظاهِرَ التّرَفِ والْبَذْخِ الْمُبَالَغِ فيهِ مِنَ القلّة الْقليلةِ من النّاس، ولاشكّ أنّ ما نُقِلَ في تلكَ الْمقاطعِ ،أمْرٌ يُدْمِي القلبَ ويُحْزِنَهُ ؛ومعَ إنْكارِنا الشّديد له ،وكما ذكرنا في الخُطبة الأولى ،فإنّه يَنْبغي عَدَمُ نشرِ مِثْلِ هذه المقاطعِ وغيرِها ،لأنّها من الفاحشةِ الّتي لا تُنْشَرُ بين أوْساط النّاس ، وكما قال الله تعالى ((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ))
فاشْكروا اللهَ عِبادَ اللهِ على النّعَمِ ، فاللهُ تعالى يُحِبُّ الشُّكرَ وأهْلَهُ ، ويُبْغِضُ الْكُفْرَ وَأهْلَهُ ، ويَجْزي على قَدْرِ شُكْرِ الْعَبْدِ لَهْ ،كما قالَ تعالى (( وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ))
هذا وصَلُّوا وسَلّموا على نَبِيّكِمْ مُحَمّد ،فقد أمركم اللهُ بالصّلاة والسّلامِ عليه ، فقال تعالى ((إنّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصلُّونَ عَلى النّبي يَا أيّها الّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ))