المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة جمعة بعنوان (الرحلات البرية 37)



الشيخ/عبدالله الواكد
29-10-2015, 22:51
خطبة جمعة

عن الرحلات البرية وآدابها

أصل الخطبة للشيخ الدكتور
عبدالله بن عمر السحيباني
أستاذ الفقه بجامعة القصيم

مع بعض التعديلات والإضافات مني
مع ضبطها بالشكل

الحمد لله....
أيها الإخوةُ المسلمون: نعمُ اللهِ علينا لا تُحصى وفضلُهُ وكرمهُ لا يُستقصى ، فها نحنُ في موسمِ الوسمِ ، وغيثُ اللهِ يهطلُ ويَسِمْ ، هذه الأجواءُ الجميلةُ اللطيفةُ ، قد أخذتِ الأرضُ زخرفَهاَ وازَّينَت ، نسألُ اللهَ أن يجعلَها أمطاراً مباركةً نافعةً وأنْ يزيدَنا من واسعِ فضلِه ، في هذهِ الأجواءِ ومع الإجازاتِ الإسبوعيةِ يكثرُ الخروجُ إلى البراري إبهاجاً للنفسِ ، وإجماماً للفؤادِ ، وراحةً من نصبِ الإسبوعِ ، وعناءِ الدوامِ اليوميِّ ، والجهدِ البدنيِّ والنفسيِّ ، وهذا الخروجُ للبرِّ والبوادي ، عملٌ مباحٌ ، بل قد يكونُ مشروعاً ، بحسبِ ما يُصاحِبُه من النيةِ الصالحةِ ، من صلةِ قريبٍ ، أو صُحبةِ حبيبٍ ، أو إسعادِ صغيرٍ ، أو برٍّ بوالدٍ كبيرٍ ، وقد روى أبو داودَ وغيرُه عن شُريحِ الحارثيِّ قالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْبَدْوِ قُلْتُ : َهَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَبْدُو ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، كَانَ يَبْدُو إِلَى هَؤُلاَءِ التِّلاعِ". والتلاعُ هي : مسايلُ الماءِ والوديانُ ، وقد كانَ بعضُ الصحابةِ ، يحبُّ أن يخرجَ إلى الباديةِ ، وقد كانَ بعضُ العلماءِ يخرجُ إلى الضياعِ والبساتينِ للترويحِ ، الخروجُ إلى البرِّ ، تحبُّهُ كثيرٌ من النفوسِ اللطيفةِ ، تتخلصُ فيه من ضجيجِ المدنِ ، وصخبِ الحياةِ ، ومنْ إلتزاماتِ العملِ ، وما فيهِ من المللِ ، تستروحُ النفسَ في البرِّ الجوَّ اللطيفَ ، والهواءَ العليلَ النظيفَ ، كلُّ ذلكَ يحصلُ باعتدالٍ وتوازنٍ ، منْ غيرِ تفريطٍ في حقِّ نفسٍ أو أهلٍ أو عملٍ ، ومن غيرِ ارتكابِ مفسدةٍ أو محرمٍ .
أيها المسلمون : إنَّ الخروجَ للبراري والترفيهِ ، وسيلةٌ لا غاية , وسيلةُ معينةُ على الجدِّ والعملِ والطاعةِ ، وتجديدِ النشاطِ ، وتقويةِ الإرادةِ , يقولُ بعضُ السلفِ : " إني لأستجمُّ لقلبي بالشيءِ من اللهوِ ، ليكونَ أقوى لي على الحقِّ " ، ففي الترفيهِ والفسحةِ ، تظهرُ سماحةَ الإسلامِ , وأنَّهُ ليسَ دينَ رهبانيةٍ وجمودٍ ، وقد رأى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، منْ يلهونَ ويلعبونَ ، وأقرَّهُم وقالَ : « لتعلمَ يهودُ أنَّ في ديننِا فسحةً ، إني بُعثتُ بحنيفيةٍ سمحةٍ ".
أيها المسلمون : الموفقونَ هم من يُكثرونَ التفكرَ في ملكوتِ السمواتِ والأرضِ ، يقلبونَ النظرَ في سماءٍ ذاتِ أبراجٍ ، وأرضٍ ذات فجاجٍ ، وأشجارٍ ونباتاتٍ ذاتِ ابتهاجٍ ، وسهولٍ وشعابٍ وجبالٍ ، ومخلوقاتٍ بديعةِ الحسنِ والجمالِ ، صنعِ اللهِ الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ ، جبالٌ نُصبتْ ، وأرضٌ سطحتْ ، وكتابٌ كونيٌ فسيحٌ ، النظرُ فيه يزيدُ الإيمانَ واليقينَ ، هذا خلقُ اللهِ فأروني ماذا خلقَ الذين من دوِنِهِ ، وفي كلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ تدلُّ على أنهُ واحدٌ ، (ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار).
أيها المسلمون : الموفقونَ لا يتساهلونَ بأولِ أمرٍ يحاسبونَ عنهُ يومَ القيامةِ ، صلاتُهُم هي قرةُ عيونِهم ، لا يؤخرونَها عن وقتِها ، يقيمونَ الصلاةَ ، وإنْ طابت الجلساتُ ، وعذبت الحكاياتُ ، يقيمون صلاتَهم في ظلمةِ الليلِ ، ومع شدةِ البردِ ووقتِ لذةِ النومِ ، كمالُ أنسِهم وراحتِهم في طاعتِهم ، صلاتُهُم في البرِّ مضاعفةٌ ، حيثُ لا يراهُم إلا اللهُ ، جاءَ في الحديثِ الصحيحِ " الصلاةُ في جماعةٍ تعدلُ خمساً وعشرينَ صلاةً ، فإذا صلاها في فلاةٍ ، فأتمَّ ركوعَها وسجودَها ، بلغتْ خمسينَ صلاةً ".
الموفقُ من المسلمينَ ، إذا خرجَ في الخلاءِ رفعَ صوتَهُ بالنداءِ ، فأذَّنَ ونادى لهذه الفريضةِ ، جاءَ في صحيحِ البخاريِّ أن النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال لأبي صعصعةَ المازنيِّ " إني أراكَ تحبُّ الغنمَ والباديةَ ، فإذا كنتَ في غنمِكَ أو باديتِكَ ، فأذنْتَ بالصلاةِ فارفعْ صوتَكَ بالنداءِ ، فإنهُ لا يَسمعُ مدى صوتِ المؤذنِ جنٌّ ولا إنسٌ ولا حجرٌ ولا شيءٌ إلا شهدَ لهُ يومَ القيامةِ "
السعداءُ والموفقونَ ، لا يغفلونَ عن ذكرِ اللهِ تعالى ، يذكرونَهُ سبحانهُ عندَ أولِ نزولِهم ، ففي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ خولةَ بنتِ حكيمٍ رضيَ اللهُ عنها أنها قالت : قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم " من نزلَ منزلاً فقالَ : أعوذُ بكلماتِ اللهِ التاماتِ من شرِّ ما خلقَ لم يضرُّهُ شيءٌ حتى يرتحلَ من مكانِهِ " . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم


الخطبة الثانية
أيها المسلمون : السعداءُ حقا ، هم الذين يقيمونَ مجالسَهم على المزاحِ المباحِ والفرحِ والمتعةِ ، والأنسِ واللطافةِ ، ويمزجونَ ذلكَ بالفائدةِ والحكمةِ والقصصِ والعبرةِ ، فما أجملَ السمرَ في جوٍّ ظريفٍ ، ومجلسٍ لطيفٍ ، تتروحُ به النفوسُ ، وتصفوا به القلوبُ ، وأولئكَ قد تعجلوا بعضَ نعيمِ أهلِ الجنةِ ( وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ)
أيها المسلمون : الموفقونَ وفقهم اللهُ ، يحافظونَ على البيئةِ البريةِ ، على الشعابِ والأوديةِ ، فلا يُتلفونَ الأشجارَ والنباتاتِ ، بل يحافظونَ على جمالِ الطبيعةِ ، ويحرصونَ على نظافةِ مكانِهم الذي ينزلونَ فيهِ ، فلا يُفسدونَ الأرضَ التي جمَّلها اللهُ برسومِ السيلِ على صفحاتِها ، يحفظونَ هذا الجمالَ الخلابَ ، فلا يفسدونَهُ بتفحيطِهم بسياراتِهم ، ولا يتركونَ القمامةَ والأوساخَ ، تفسدُ الأجواءَ ، وتؤذي من جاءَ ، فبعدُك أناسٌ من المسلمينَ سيتنزهونَ في مكانِكَ ، فاحرصْ على أنْ تأخُذَ أكياساً للمخلفاتِ ، وقد جاءَ الإسلامُ بالمحافظةِ على مرافقِ المسلمينَ ، ورعاية ِ النظافةِ في الأماكنِ العامةِ ، قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم " اتقوا اللاعِنيْنِ قالوا وما اللاعنانُ يارسولَ اللهِ قال الذي يتخلى في طريقِ الناسِ أو في ظِلِّهم " رواهُ مسلم. صلوا وسلموا على محمد