المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الهمة العالية



عدنان ابو ماهر
02-01-2014, 07:20
الهمة العالية
ولا يزال المرء ينظر إلى أحوال إخوانه هناك ويتذكر قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، يعني حتى تقوم الساعة، وهؤلاء على ثباتهم وعلى جهادهم وعلى دينهم لا يضرهم من خالَفهم، ولا من خذلهم من علماء كانوا يقفون معهم من بني جلدتهم ومن سكان ديارهم، فإذا بهم ينقلبون مع الظالم على المظلوم ..

الشيخ محمد بن عبدالرحمن العريفي


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جَلَّ عن الشبيه والمثيل والنظير.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، فهدى الله تعالى به من الضلالة، وبصَّر به من الجهالة، وكَثَّر به بعد القلة، وأغنى به بعد العَيلة، ولمّ به بعد الشتات، وأمن به بعد الخوف، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، ما اتصلت عين بنظر، ووعت أذن بخبر، وسلَّم تسليما كثيرا.

أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون: روى الطبراني في معجمه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رجع مرة من بعض أسفاره فنزل على أعربي في الصحراء فأكرم النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقال له النبي -صلوات ربي وسلامي عليه-: "إذا جئت المدينة فأْتِنا".

فلم تمض أيام حتى أقبل ذلك الأعرابي إلى المدينة فنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما أراد أن ينصرف قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سَلْني"، يعني اطلب مني حاجة، فقال الرجل في هذا المقام الذي يسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يسأله حاجة، وكان حرياً به أن يسأله الجنة أو الشهادة في سبيل الله أو أن يكون مستجاب الدعوة، فإذا بذلك الرجل يقول: "أسألك دابة أركبها"، فوهب النبي -صلى الله عليه وسلم- دابة.

ثم قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سلني"، فقال الرجل: وأسألك كلباً يحرس غنمي، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يوهب إليه كلب يحرس غنمه؛ ثم قال له -صلى الله عليه وسلم-: "سلني"، فقال: وأسألك جارية تخدم أهلي، فوهب له جارية.

ثم سكت الرجل، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام- للرجل لائما معنفا على قصور همته وعلى عدم علوها، قال له: "أعَجزتَ أن تكون كعجوز بني إسرائيل؟!"، فقال الصحابة -رضي الله عنهم- يارسول الله! وما عجوز بني إسرائيل؟.

فقال -عليه الصلاة والسلام-: إن موسى لما أراد أن يرتحل بقومه قال له قومه: إن يوسف -عليه السلام- (يعنون النبي الذي قبله) أمرنا ألا نجاوز المكان، وألا نرحل منه حتى نحمله معنا، قال لهم: فأين قبر يوسف -عليه السلام-؟ قالوا لا يعرفه منها أحد إلا عجوز منا. فجيء إليه بهذه العجوز، فإذا عجوز قد كبر سنها، ورق عظمها، وتقدم بها السن، حتى هي تترقب الموت وتودع الحياة، فقال لها موسى -عليه السلام-: أين قبر يوسف -عليه السلام-؟ قالت المرأة: والله لا أدلك عليه حتى تعطيني سؤلي! قال لها: وما سُؤلك؟ قالت: أن أرافقك في الجنة.

فكأن الأمر كبر في قلب موسى -عليه السلام- أن تكون هذه العجوز على قلة العمل الذي ستعمله وهو أن تخبرهم فقط أين قبر يوسف ثم تريد أن ترافق الأنبياء في علو الجنات كأن موسى تردد في أن يدعو لها بذلك، فأوحى الله تعالى إليه أن قل لها: أنتِ رفيقتنا في الجنة. فقال لها موسى -عليه السلام- ذلك، فأمرتهم فأقبلوا على مستنقع ماء، فقالت لهم: انزحوه. فنزحوا الماء، ثم حفروا وأخرجوا ما تبقى من يوسف -عليه السلام-.

فكان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر أصحابه دائما أن يكون أحدهم عالي الهمة فيما يطلبه من أمور الحياة، كما عند الطبراني من حديث الحسن -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها"، يحب من كل شيء أعلاه وأشرفه، وأحسن شيء فيه، إن الله يحب معالي الأمور، إن أردت التجارة فإن الله يحب أشرف أنواع التجارة، وإن أردت المال، وإن أردت الصدقة، وإن أردت الزواج، أو أردت العبادة، أو أردت أي أمر من الأمور تقدم عليه، فإن الله يأمرك أن تأتي إلى أشرف وأحسن ما في هذا الأمر، ثم وتنازع الناس حتى تصل إليه.

وكما قال:



دببتَ لِلْمَجْدِ والسَّاعُون قد بلَغُوا *** جَهْدَ النفوسِ وألقَوْا دونه الأُزُراَ





فكابَروا المجدَ حتَّى ملَّ أكثرُهم *** وعانق المجدَ مَن أوفَى ومَنْ صَبَرا



لا تحسَبِ المجدَ تمراً أنتَ آكلُهُ *** لن تبلغ المجدَ حتى تلْعَقَ الصَّـبِرا

يقول -عليه الصلاة والسلام- هنا: "إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها"، يعني يكره أقلها وأحقرها، وقول ربي من ذلك أعلى وأجَلّ، فإن الله تعالى يقول: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة:148؛ المائدة:48]، آمراً المؤمنين بأن تتسابق إلى أشراف الأمور.

ويقول الله -جل وعلا-: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) [النساء:95]، فضل الله المجاهدين في سبيل الله عن القاعدين درجة، فجعل الله الذين جاهدوا وأقدموا وبذلوا وصارت همتهم عالية، ولم تقعد بهم أنفسهم، فضَّلهم الله تعالى على غيرهم.

وقال الله -جل وعلا- مبينا فضل المؤمنين الذين يتسابقون لما ذرأ الله تعالى ما في الجنة من نعيم، وما فيه أهلها من حال رغد حسن، قال الله -تعالى- لما وصف حالهم: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات:61]. أين أصحاب الهمم العالية؟.

إن درست اليوم في أحوال الناس وجدت أنهم ينقسمون إلى أقسام، منهم من قعدت به همته، فلا يكاد ينظر إلى شرف أو ينظر إلى قمة تُقبِل نفسه عليها إلا قعدت به همته الدنية:


وَمَنْ يَتَهَيَّبْ صُعُودَ الْجِبَا *** لِ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الْحُفَرْ

فإن حرَّضته على طلب علم لم تجد أمامك همة عالية، إن حرضته على جهاد في سبيل الله، على دعوة إلى الله، على بذل لهذا الدين، على نصح للآخرين، أو على تجارة، أو على صناعة، أو على اختراع، أو غير ذلك، وجدته قاعد الهمة منخفضا، فلا يتبع أشراف الأمور وأعلاها بل تكون نفسه دائما مقيدة إلى الكسل.

يقول ابن القيم -رحمه الله- تعالى: مما أجمع عليه عقلاء كل أمة أن من أراد الراحة ترك الراحة، ومن أراد النعيم ترك النعيم، وأن بمكابدة الأهوال وتحمُّل المشاق بها تأتي معالي الأمور التي يعانقها الأبدان من الناس.

وهذا كلام حسن، فإنك إذا نظرت إلى كل من علا على قمة من القمم وصارت همته عالية، سواءً على قمة في العلم أو في الجهاد أو في غيرها، وجدت أنه قد كابد وتعب أكثر مما تعب غيره، ونصب وصرف من الوقت والهمة والجهد أكثر مما كان يعمل غيره.

ولقد كان نبينا -صلوات ربي وسلامي عليه- يحرض أصحابه على أن تكون هممهم عالية، يقول -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه البخاري في صحيحه: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى"، لا يقول يارب أعطني الجنة فقط! لا! وإنما يا رب أريد أعلى ما في الجنة، وأفضل ما فيها وأحسن، الفردوس الأعلى، قال: "فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة"، يعني هو أعلاها، ويكون موقعه في الوسط، قال: "وسقفها عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".

وقول ربي من ذلك أعلى وأجل، فإن الله تعالى لما وصف المؤمنين بآخر سورة الفرقان قال -سبحانه وتعالى-: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان:63]، ثم ساق الله في كتابه أوصف عباد الرحمن، ثم قال الله -جل وعلا- بعد ذلك ويقولون في دعائهم: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان:74]، لم يقولوا ربنا اجعلنا من المتقين، لا! وإنما أن يكون إماماً، يقول ابن كثير في تفسير: يعني اجعلنا أئمة يقتدي بنا الناس، بصدقاتهم وفي عبادتهم وفي علمهم وفي دينهم وفي إصلاحهم وجهادهم وحَجهم وعمرتهم، فيصبح قدوة لغيره يسن للناس سنن الهدى حتى يقتضي الناس به إذا رأوه على عمل صالح. عالي الهمة يكون طموحه عاليا دائما!.

يقول عمر بن عبد العزيز، كما ذكر ذلك ابن كثير، قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: إن لي نفساً تواقة، تاقت إلى الإمارة فنالتها، أردت أن أصبح أميراً فعملت لأجل ذلك وأعددت نفسي حتى نلتها، ثم تاقت إلى الخلافة فنلتها، ثم تاقت بعد ذلك إلى الجنة، وأرجو بإذن الله تعالى أن أنالها. اهـ. وهو حري بذلك -رحمه الله تعالى-، فالإنسان إذا كان عالي الطموح تجد أنه يعمل لمثل ذلك.

وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- لما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم قال لغلام نحوه من الأنصار: هلم نطلب العلم من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لقد صعدت به همته. قال الغلام: يا ابن عباس! وماذا تريد إذا طلبت العلم؟ قال: أن نصبح علماء! هو صغير لكن همته عالية، وطموحه عالٍ، فقال: يا ابن عباس، أتؤمن أن تصبح عالماً وفي القوم أبوبكر وعمر وعثمان وعلي، وتريد أن تزاحم هؤلاء؟.

ثم تولى ذلك الغلام عنهم ليتعلم صنعة، ليكون حداداً أو نجاراً، ومضى ابن عباس في طلب العلم حتى كابد في سبيل طلب العلم وترك الراحة ليدرك الراحة، وترك التنعم ليدرك النعيم، حتى بلغ بعد ذلك مبلغاً أن يقعد في بيته فيأتي إليه طلاب العلم من كل مكان وهو لم يتعدَّ علمه أربعة وثلاثين سنة، هذا يسأله في الفقه، وهذا يسأله في الحديث، وهذا في القرآن، وهذا في التاريخ، وهذا في اللغة، وهذا في الشعر، وكل واحد يطرح عليه مسألة وهو يجيب عن ذلك كله؛ هذا الذي له الطموح التام هو عالي الهمة.

وإذا أردت أن تكون همتك عالية فصاحب أصحاب الهمم العالية، المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل، المرء على دين خليله، على طريقته، وعلى أسلوبه، وعلى همته؛ أنت في الناس تقاس بمن اخترت خليلاً، كلما اخترت أحدا عالي الهمة عالي الطموح صرت مثله، لكن الذي يختار مَن هم مِن سقط المتاع كما قال:

وَما لِلمَرءِ خَيرٌ في حَياةٍ *** إِذا ما عُدَّ مِن سَقَطِ المَتاعِ

الذي يختار سقط المتاع الذين يعيش الواحد منهم هكذا فارغا سبهللا كما قال عمر -رضي الله عنه-: إني لأكره أن أرى الرجل سبهللا ليس في شيء من أمر دينه ولا في أمر دنياه. الذي يصاحب البطالين يكون بطالا، لكن الذي يصاحب أصحاب الهمم العالية يرتفع مثلهم، "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل".

ويقول الله -جل وعلا- آمراً نبيه -عليه الصلاة والسلام-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28].

فيأمر الله تعالى نبيه -عليه الصلاة والسلام-، وهو خاتم الأنبياء ورأس الأتقياء، مع ذلك يأمره أن يصاحب الصالحين فيقول له اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم، يعني مع أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، من عالي الهمة من الصحابة الكرام، رضي الله تعالى عنهم جميعاً.

أيها الأخوة الفضلاء: إن الناس يتفاوتون في مقدار هممهم، ولكل واحد همة هو الذي يضع نفسه فيها، والإنسان بقدر همته، وتوكلها على الله تعالى، ودعائه لربه -جل وعلا- بأن يعينه، وأيضاً بثباته وإصراره إذا أراد أن يحقق شيء فيُصر عليه ويثبت عليه، ويسلك الطرق الموصلة إليه، ويدعو الله -تعالى- أن يعينه على تلقيه، وعلى الوصول إليه، فإنه حري بذلك أن يبلغ ما لا يبلغه غيره إذا صدقت منه النية والقصد.

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا جميعا ممن هممهم عالية، وأن ينفعنا وإياكم بما قلنا، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.





الخطبة الثانية:




الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخلانه، ومن صار على نهجه واقتفى أثره واستثنى بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها الأخوة الكرام: لا يزال الواحد منا والأيام الماضيات تمر عليه يتأمل في أحوال إخواننا في الشام، ويرى ما يقع عليهم من ذلك الطاغوت الذي يحكمهم بشار، يرى ما يقع عليهم من التقتيل والترويع وهدم البيوت على رؤوس أصحابها واغتصاب النساء العفيفات، يرى ذلك ثم يرى ما يفعلونه بالأطفال من تقتيل لهم وتعذيب، وتقطيع للأيدي والأرجل، بل يأتون إلى أعضائهم التناسلية فيقطعونها، ثم يرمونهم قرابة بيوتهم.

إذا رأي الإنسان مثل هذا الظلم الذي يفعله بشار وتفعله طغاته معه وزبانيته الذين يدعونه إلى الضلال والفجور، كما قال الله تعالى: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ) [فصلت:25]، قال الله -جل وعلا- ذلك في حال أقوام يتعاونون على الإثم والعدوان، وما أشبه أحوال بشار وزمرته بما وصفه الله تعالى في كتابه.

بل إنك إذا تأملت فيما يفعله من تقتيل وقطع للأعضاء، حتى إن شاباً رأوه وهو يطأ صورة الفاجر بشار فقُبض على ذلك الشاب، فقبل أن يقتل قطعوا رجليه، فتذكرت قول الله تعالى عن فرعون: (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى) [طه:71].

ولا يزال المرء ينظر إلى أحوال إخوانه هناك ويتذكر قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، يعني حتى تقوم الساعة، وهؤلاء على ثباتهم وعلى جهادهم وعلى دينهم لا يضرهم من خالَفهم، ولا من خذلهم من علماء كانوا يقفون معهم من بني جلدتهم ومن سكان ديارهم، فإذا بهم ينقلبون مع الظالم على المظلوم، ويسهلون لذلك الظالم عمله وفجوره وتقتيله للناس، وتضييقه عليهم، وهدمه للبيوت على رؤوس أصحابها، يرون كل ذلك، ومع ذلك يزينون له هذا العمل؛ فبئس والله العلم الذي جمعوه إن كان يدلهم على مثل هذا الفجور والطغيان!.

بيَّن الله -سبحانه وتعالى- عاقبة الظلم في كتابه، وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاقبة ما يلقاه الذين يعذبون الناس، أو يقعون في أعراضهم، أو يحولون بينهم وبين الحرية، أو بينهم وبين أموالهم.

أقبل رجل إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال له يا رسول الله: الرجل يأتيني يريد أن يأخذ مالي. قال: "لا تعطيه مالك". أي:كن رجلا! دافع عن نفسك. قال: يا رسول الله! أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتِلْه"، قال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلني؟ قال: "أنت في الجنة"، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: "هو في النار".

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحذر ممن يؤذون الناس، فكان -عليه الصلاة والسلام- يقول لمن يرسلهم لأجل أن يأخذوا من الناس الزكاة أو يحكموهم قال: "إني لم أرسلكم لتأخذوا أموال الناس، ولا لتضربوا أبشارهم"، ما أرسلناكم لتطغوا على الناس، ولا جعلناكم أمراء عليهم لأجل أن تأخذوا خيرات الأرض ويعيش الناس بعد ذلك في ضنك وشدة وحاجة دائمة.

انظر إلي سوريا اليوم، وأنظر إلى الأربعين سنة التي حكمها الطاغوت الأول حافظ الأسد، ثم حكمها بعد ذلك النطفة القذرة التي خرجت من ذلك القذر، بشار وماهر ومن عاونه من زبانيتهم، أنظر إلى حال سوريا! سوريا مليئة بالبترول، وفيها غاز، وفيها خيرات، ومع ذلك تذهب إلى زمر من هؤلاء الطغاة يكثرون بها أرصدتهم، ولا يكاد الناس يجدون هناك ما يسد رمقهم، أو يقوم بعوضهم، إلا ما ندر، حتى يشتغل الرجل من صباحه إلى مسائه في سبيل أن يجد خبيزات يسد بها رمق أولاده وزوجته.

هكذا يريدون للناس أن يعيشوا في أرض طيبة باركها الله تعالى! وبيَّن الله تعالى بركتها في كتابه (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الإسراء:1] وقال الله تعالى عن موسى: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة:21]، فوصفها الله تعالى بالمقدسة، وصفها الله تعالى بالمباركة؛ لكن هذه البركة تنزع إذا حكمها أمثال هؤلاء الطغاة.

إن إخواننا الذين يجاهدون هناك هم ظاهرون على الحق كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، يعني وهم على الحق وعلى الثبات على الدين. وأمْر الله إما أن يكون المقصود به النصر أن ينتصروا على من خالفهم، أو أن يكون به أمر الله تعالى يعني قيام الساعة، وما ذلك على الله تعالى ببعيد.

وليثبت إخواننا هناك، وهي رسالة إلى إخواننا الذين يجاهدون في سوريا، رسالة إلى مَن يصابون اليوم، وتسفك دماؤهم، وتسحق جماجمهم، وتقطع أجسادهم؛ رسالة إلى مَن تُغتصب نساؤهم، وتؤخذ أموالهم؛ رسالة إلى من يرون في الطرقات أقواماً ليسو من سوريا بل قد أقبلوا إليهم من حزب الله، وأقبلوا إليهم من إيران؛ لأجل أن يشاركوا في التقتيل، وفي نزع الأرواح، وفي تقطيع الأيدي والأرجل، وفي هبش الأعراض.

هي رسالة إلى الأبطال الذين يثبتون على دينهم برغم ما أصابهم، وإن الله تعالى يقول: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ) [يوسف:110]، (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) [الحج:38-40].

هؤلاء ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، لما خرجوا متظاهرين ما خرج أحد منهم بسيف ولا بسلاح ولا بمسدس ولا برشاش، إنما خرجوا بلافتات يوصلون بها صوتهم إلى مَن قيد ليحكمهم، فإذا به يأتيهم بالدبابات وبأنواع المدافع ويضربهم بالطائرات، واللهُ تعالى يسمع ويرى، وليأتين نصر الله تعالى إليهم سواء طال عليهم الأمد أو قصر، فاللهَ اللهَ بالثبات، الله الله بالثبات على ما أنتم عليه، يا أهل سوريا! يا أهل الشام! فإنكم أرض المنشر والمحشر، وعندكم يحشر الناس عند قيام الساعة، وأنتم مهبط الأنبياء، وعندكم بيَّن الله تعالى البركة.

فينبغي عليكم الثبات على ما أنتم عليه، ونسأل الله تعالى أن يهلك طاغوت سوريا عاجلا غير آجل، أسأل الله أن يرينا فيه عجائب قدرته، أسأل الله أن يرينا فيه عجائب قدرته، أسأل الله أن يرينا فيه عجائب قدرته، اللهم أرنا فيه يوماً كيوم هامان وفرعون، وكيوم بن علي وحسني مبارك ومن شابههم يا قوي يا عزيز.


اللهم إنا نسألك أن تحقن دماء إخواننا هناك.