المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشتــــــــاء والناس 1434هـ



الشيخ/عبدالله السالم
07-12-2012, 17:54
الحمدُ للهِ المبدئِ المعيدِ ، الفعالِ لما يريدُ ، ذي العرشِ المجيدِ ، والبطشِ الشديدِ ، وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ، وأشهدُ أن سيدَنا محمداً عبدُهُ ورسولُهُ ، صلى اللهُ وسلم عليه ،وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الوعيدِ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَائلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ).أما بعدُ: أيهُا الأخوةُ في الله : ها نحنُ الآنَ في بدايةِ فصلِ الشتاءِ، نُحسُّ بنفثاتِ برْدِه، ونَستنشقُ نسماتِ هوائِهِ اللاذعِ ، ولا بُدَّ من أخذِ الأُهبةِ لهذا الفصلِ من العامِ ، والاستعدادِ له ، بأنواعِ الملابسِ والمدافئ،وهذا من بابِ الأخذِ بالأسبابِ ، التي هيأَها المولى سبحانَهُ لنا ، وأنعمَ بها علينا ، ولقد امتنَّ سبحانه على عبادِهِ ، بأنْ خلقَ لهم ، من أصوافِ بهيمةِ الأنعامِ ، وأوبارِها وأشعارِها ، ما فيهِ دفءٌ لهم ،يَقولُ سبحانه (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ *وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) اللهُمَّ بِكَ آمنا ،ولك أسلمنا ، عليكَ توكَّلنا ، روى ابنُ المباركِ عن صفوانَ بنِ عمروٍ عن سليمِ بنِ عامرٍ قالَ : كان عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنه إذا حضرَ الشتاءُ ، تعاهدَهم وكتبَ لهم الوصيةَ: [إن الشتاءَ قد حضرَ وهو عدوٌّ، فتأهبوا له أُهبتَهُ من الصوفِ ، والخفافِ ، والجواربِ، واتخذوا الصوفَ شعارًا ودثارًا، فإن البردَ عدوٌ، سَريعٌ دُخولُهُ، بَعيدٌ خُروجُهُ] وإنما كانَ يكتبُ بذلكَ عُمرُ إلى أهلِ الشامِ ، لما فُتحتْ في زمنِهِ، فكان يَخشَى على مَنْ بِهَا مِن الصّحابةِ وغيرِهم ممن لم يكنْ له عهدٌ بالبردِ ، أن يتأذى ببردِ الشامِ ،وذلك من تمامِ نصيحتِهِ وحسنِ نظرِهِ وشفقتِهِِ ، وحياطتِهِ لرعيتِهِ رضي اللهُ عنه.أيها المسلمونَ، إن مما لا يحتاجُ إلى برهانٍ ، كثرةَ النَّعمِ التي تحيطُ بنا ، ورغدَ العيشِ الذي يُغطِّينا، توفرَ لدينا بحمدِ اللهِ ، ما ندفعُ به أذى البردِ وشَدتِهِ ، مما يجعلُ أحدُنا يمرُ به موسمُ الشتاءِ ، بلا كدرٍ ولا مرضٍ ، يَبيتُ دَافئًا ، مطمئنًا على أهلِهِ وبيتِهِ. وهذه النَّعمُ تَذكُّرُها واستشعَارُها ، يُوجبُ شكرَ المنعمِ وحمدِهِ عليها ، فبالشكرِ تُقَيَّدُ النِّعمُ وتَزدادُ، وبتركِهِ تَزولُ النعمُ وتفقدُ،قال تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: 7]. إنَّ شُكرَ النِّعمِ يجعلُها تدومُ على أصحابِها في الدنيا، ويبقى شكرُها ذخرًا لهم في الآخرةِ، فعن أنسٍ رضي اللهُ عنه قالَ رسولَ الله r{ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهَا ، إِلا كَانَ ذَلِكَ الْحَمْدُ أَفْضَلُ مِنْ تِلْكَ النِّعْمَةِ، وَإِنْ عَظُمَتْ } أخرجه الطبراني وغيره. وشُكرُ النعمِ يكونُ باللسانِ ، وذلك بأن نحمدَ اللهَ ونثني عليهِ مقابلَ إنعامِهِ علينا ، ويكونُ الشكرُ بالفعلِ ، ولِذلك صُورٌ مُتعددةٌ: منها تركُ الإسرافِ والتبذيرِ، وتركُ المباهاةِ والتفاخرِ، ومنها أيضًا مواساةُ المحتاجينَ والفقراءِ ، فلنمدَّ إلى إخوانِنا يدَ المعونةِ والمساعدةِ ، شُكراً للهِ على النِّعمةِ التي أنعمّ بها علينا ، ورجاء ثوابِها من عندِهِ سُبحانه ، فحينما نأخذُ بالاستعدادِ لتهيئةِ بيوتِنا بالمدافئِ والملابسِ الشتويةِ ، وأجودِ أنواعِ الفُرُشِ ، فلا يغيبُ عن أذهانِنا أنَّ من جيرانِنا ، وأقاربِنا وإخوانِنا المسلمينَ ، مَن يجلسونَ جلستَهم العائليةَ بلا مدافئٍ ، وترتعدُ أجسادُهم في جُنحِ الليالي من شدةِ البردِ ، ويَذهبُ أطفالُهم إلى مدارسِهم ، من غيرِ الكساءِ ، الذي يلبسُهُ أبناؤنا وإخوانُنا، فيخترقُ البردُ عظامَهم، وليس ذلك إلاَّ من قلةِ ذاتِ اليدِ ، وقلةِ المحسنينَ ، الذين كانوا يُتابعونَهم ويتعاهدُ ونَهم في رمضانَ ، ولمَّا انتهى رمضانُ ، غفلوا عنهم .وكأن الإحسانَ محصورٌ في رمضانَ فقط ، وكأن الصدقةَ لا تُقبلُ إلاَّ في رمضانَ ، بالرغمِ من كثرةِ المحتاجِ ، وكثرةِ الموسرينَ ، الذين بإمكانِهم أن يتصدقوا بالليلِ والنهارِ ، من كثرةِ ما يجدونَ ، ونحنُ المسلمونَ كالجسدِ الواحدِ ؛ إذا اشتكى منه عضوٌ ، تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمى. هكذا قالَ المصطفى r في الحديثِ الذي رواه البخاريُ ومسلمٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه أنَّه قال r {تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى } فأين نحنُ من هذا الحديثِ ، نحن نعيشُ الآنَ في نعمةٍ لا تُقدرُ بثمنٍ ، نلبسُ ونغيّرُ في كلِّ عامٍ ، ونقتني كلَّ واقٍ ، يَقينا من شِدةِ البردِ ، فننامُ مُلتَحفِينَ ، ونَخرجُ إلى مساجدِنا مثلَ ذلك ، ويعيشُ بعضُنا وكأنه في وسطِ الصيفِ، وليسَ ذلك إلاَّ من نعمةِ الخالقِ سبحانه وبحمدهِ ، فلنحبَّ لإخوانِنا ما نُحِبُّهُ لأنفسِنا ،فإنَّ النبيَّ r قالَ كما في البخاري من حديثِ أنسٍ رضي الله عنه {لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ } بارك الله لي ولكم في القرءان العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، قلت ما سمعتم، وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر:18) وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم . ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب فاستغفروه فقد فاز المستغفرون











الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على الْمُصطفى ، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى ، وسلم تسليمًا كثيرا.أما بعد:أيُّها المُبارك باركَ اللهُ فيك ، إذا مرتْ عليكَ ليلةٌ شاتيةٌ ، وذقتَ فيها البردَ القارصَ ، وفررتَ إلى مكانٍ دافئٍ ، وغصتَ بين أحضانِ فراشٍ وفيرٍ ، فاعلمْ حينَها ، أن هُناكَ من يشاركُكَ الشعورَ بالبردِ ، ولكن لا يجدُ وسائلَ الدفءِ التي تجدُها ، فهناكَ من يفترشُ الأرضَ ويلتحفُ السماءَ ، لا يجدُ له من دونِ الأرضِ مفرشاً، ولا يجدُ له من البردِ غطاءً . فيا إخوةَ الإسلامِ والعقيدةِ ، الأموالُ متيسرةٌ عندَ الكثيرِ منا ، والثيابُ والألبسةُ الزائدةُ عندَ الكثيرِ منَّا لم تُلبسْ، ولم تنفقْ للمحتاجينَ، بل هي أسيرةٌ في الخزاناتِ وَفي الْمُستودعاتِ أو في سلاتِ المهملاتِ، وإخوانٌ لنا هُنا ، وفي كُلِّ مكان ، في أمسِّ الحاجةِ لها ،لكنها قد تعثّرَ وصولُها إلى أهلِها ، لقلةِ الإكتراثِ ، وضَعفِ الإيمانِ ، ألا فقدموا لأنفسِكم ما تجدوهُ عندَ اللهِ ذخرا (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) عباد الله صلّوا رحمني اللهُ وإياكم على الهادي البشيرِ ، والسراجِ المنيرِ ، كما أمرَكم بذلك اللطيفُ الخبيرُ ، بقولِهِ سبحانه ( إِنَّ اللهَ وَملاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيْ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُواْ صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) وقد قال عليه الصلاةُ والسلامُ { حيثما كنتم فصلوا عليَّ فإنَّ صلاتَكم تبلغني }وقال{ من صلى علي صلاةً صلى اللهُ عليه بها عشراً } اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وأكرمْ وزدْ وباركْ ، على عبدِك ورسولِكَ محمدٍ ، وارضَ اللهم عن أصحابِهِ الأطهارِ ، ما تعاقبَ الليلُ والنهارُ ، أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ ، وعن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين ، وعن التابعينَ وتابعِيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ ، وعنَّا معَهم بمنِّكَ وفضلِكَ ورحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ .اللهم أعزَّ الإسلامَ المسلمينَ ، ودمرْ أعداءَ الدينِ من اليهودِ والنصارى ، وجميعِ الكفرةِ الملحدينَ ، اللّهُم يا عظيمَ العفوِ ، ويا وسعَ المغفرةِ ، ويا قريبَ الرّحمةِ ، ويا ذا الجلالِ والإكرامِ ، هبْ لنا العافيةَ ، في الدُنيا والآخرةِ ، اللّهُم اجعلْ رزقَنَا رغداً ، ولا تُشمتْ بنا أحداً ، اللهم إنا نسألُكَ ، بعزِّكَ الذي لا يرامُ ، وملكِكَ الذي لا يُضامُ ، وبنورِكَ الذي ملأ أركانَ عرشِكَ ، أن تكفيَنا شرَّ ما أهمَنا وما لا نهتمُ به ، وأن تعيذَنا من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا ، اللهم رَغّبْنا فيما يبقى ، وَزَهّدْنا فيما يفنى ، وهبْ لنا اليقينَ ، الذي لا تسكنْ النفوسُ إلا إليهِ ، ولا يُعوَّلُ في الدينِ إلا عليهِ ، اللهم اجعلْ بَلدَنا هذا آمناً مطمئناً ، وسائرَ بلادِ المسلمينَ ، اللهم أرحمْ موتانا ، وعافي مُبتلانا ، واقضِ الدينَ عن مدينِنا ، وردَّ ضالَنا إليكَ رداً جميلاً ، ( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ، عبادَ اللهِ ، ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ )




الخطبة بصوت الشيخ...



http://abosami.com/pro/nas.mp3