عاصم السياط
18-04-2007, 01:28
ليوناردو دافنتشي"، شارع إنساني في مدينتي
هل تأملت الملامح المبهرة الأكثر شهرة وغموضا في العالم، الموناليزا؟
بالرغم من المتابعات المركزة للسير الحياتية لكثير من الأسماء التي خلدها لنا التاريخ البشري، الا انني وبكامل قواي الانسانية اقف طويلا بكل الاحترام والحب للعبقرية التي سطرتها لنا قصة حياة الفنان العظيم ليوناردو دافنتشي.
وفي سياق لا يضطرني الى الارتياب، فإنني اعتقد بكل حسم ان هذا الفنان هو من البشر الاستثنائيين القليلين في التاريخ الإنساني. لقد جسد هذا العبقري المولود عام 1452في قرية فنشي التابعة لمدينة فلورنسا بإيطاليا بكل جدارة الصورة الكاملة لإنسان عصر النهضة الأوروبية المثالي الذي يمتلك معظم المفاتيح. فمع تفوقه الفذ في مجال الرسم، حتى اصبح واحد من اشهر الرسامين على مدى خمسة قرون، الا انه برع ايضا في العديد من العلوم. وكإنسان متعدد المواهب، فقد تنوعت اهتماماته حتى اكتسحت معظم المجالات. لقد كان ليوناردو شاعرا مميزا، ومهتما بالموسيٍقى، ومهندسا، ومعماريا، وفلكيا، ورياضيا، وجيولوجيا، ومشرحا، وزراعيا، ومهتما بالطيران، وعالما، ومخترعا صمم بعض الآلات، ووضع المخططات النظرية للمئات من الابتكارات التي لم تفسح له حياته المزدحمة بالإنجازات بإتمامها كلها، فمات ولم يكملها. ومن تصاميمه المدهشة ماكينات الطيران، والمدافع سريعة الطلقات، والدبابة، وبوصلة القطع الزائدية. وكان يظهر التفهم العميق للأهمية العالية التي توفرها الحفريات في البحوث العلمية. كما انه اول من فسر ظاهرة ضوء الأرض على القمر.
اما ميدانيه الأفسح، الرسم، فقد ولجه من باب المدرسة الواقعية التي اضاف اليها اشياء كثيرة. وقد كانت له طريقته المتفردة في التلوين، وتوزيع الظل والنور في اللوحة، وإضفاء الخلفيات المتنوعة، كالمناظر الطبيعية، وغيرها.
وتعتبر لوحته الأشهر، الموناليزا، بابتسامتها المحيرة، ويديها المطويتين امامها، هي الأوسع انتشارا، حتى انه من المرجح انها قد اقتحمت كثيرا من البيوت في شتى انحاء العالم. ولم تتعرض لوحة في التاريخ للجدل والتحليل وقراءة الرسائل المشفرة التي اودعتها البصمات الخفية لصاحبها كما حدث مع الموناليزا. وما فتئت الأيام تبوح لنا بالمزيد من الأسرار حول هذه اللوحة العجيبة. ولعل دان براون في روايته الأكثر ضجيجا على مستوى العالم مؤخرا "شفرة دافنتشي" يزودنا بوميض من هذه الإثارات. وعلى مر الأيام، فقد اقحم الرسامون انفسهم، وعلماء الاجتماع، وأطباء الأسنان والقلب، وخبراء التجميل، وغيرهم، في المحاولات المستفيضة لقراءة هذه اللوحة الفريدة.
لوحة "الموناليزا"، والمسماة أيضا "الجيوكوندا"، هي صورة لامرأة تدعى ليزاديل جيوكوندا. ففي عام 1500طلب صديق ليوناردو، التاجر الإيطالي فرانشيسكو جيوكوندا، من ليوناردو ان يرسم لوحة لزوجته ليزا التي تزوجها بعد زوجتين، والتي لم تكن تحبه كثيرا، حيث تزوجته بعد وفاة حبيبها. ودلف ليوناردو يرسم اللوحة لعدة سنوات حتى فرغ منها عام 1503.وقد كان ليوناردو يجلس ليزا امامه على كرسي مستعينا في احايين كثيرة ببعض المهرجين الذي يساعدون ليزا في المحافظة على تلك الابتسامة طيلة فترة الرسم. وكنتيجة مخيبة لأمل ليوناردو فإن فرانشيسكو الزوج لم يقبل في النهاية اللوحة التي لم تحز على اعجابه، وأبى ان يستلمها.
مكثت الموناليزا لمدة طويلة في متحف بوفير جاليري في ايطاليا حتى ابتاعها الملك الفرنسي فرانسوا الأول وأودعها متحف اللوفر في باريس، حيث تجثم فيه وسط قاعة مخصصة بالكامل الى الآن. وفي عام 1911هزت العالم عن بكرة أبيه جريمة سرقة الموناليزا، حيث تسنى لشاب فرنسي يعمل بالمتحف سرقتها وإخفاءها لديه. وفي 1913باعها لفنان ايطالي، والذي ما ان تأكد من انها موناليزا دافنتشي حتى هرع لإبلاغ السلطات التي بدورها سارعت وألقت القبض على اللص، وأودعت اللوحة في المتحف الإيطالي السابق. وبالرغم من الفرح العارم للإيطاليين، الا ان الحكومة الفرنسية بدأت فورا بمفاوضات دبلوماسية شاقة معهم، كادت ان تقطع العلاقات بين البلدين، حتى تم الاتفاق على اعادة اللوحة واللص معا. ونظرا للحجة التي ساقها اللص في تسويغه للسرقة من انه عثر في الموناليزا على فتاته التي كان شغوفا بها كثيرا وماتت بعد فترة قصيرة من الحب، فقد ارتأت المحكمة الفرنسية التي تقافز اليها كبار المحامين الفرنسيين للدفاع عن اللص ان سجنا لمدة عام واحد عقوبة ملائمة.
وأنا امعن النظر في لوحة الموناليزا، استشعر بكل حواسي اللحظات الرائعة التي استهلكها ليوناردو وهو يمارس بكل انسانية هذا الإبداع المذهل.
ويسعني ان اتفهم القدر السخي من المشاعر الإنسانية التي كانت تراوده وهو ينجز هذا العمل، حتى انني اوشك ان اتماهى معه بكل جوارحي.
وليست "الموناليزا" هي اللوحة الوحيدة التي ابدعتها عبقرية ليوناردو، ولكنه ابتكر العديد من اللوحات الخلاقة، مثل "العشاء الأخير"، و"سيدة الصخور"، وغيرها. وكأول رسومات دقيقة من نوعها في التاريخ، فقد رسم ليوناردو لوحات تشريحية للجسم البشري توضح العظام، وأوتار العضلات، وأجزاء الجسم الأخرى، ووظيفة كل عضو. وكمبدع مهتم بالتفاصيل، فقد كان يرسم الملامح المختلفة لوجوه الشخصيات في لوحاته، مع الحرص المتقن على ان تعبر هذه الملامح عن الحالات النفسية المتشابكة التي تعتمل في دواخل تلك الشخصيات.
اسدل الستار على الحياة الرائعة المثخنة بالعطاء للفنان والعالم ليوناردو دافنتشي عام 1519م عندما توفي بعد صراع مع المرض.
وباهتمامات محببة فإن للارتباط العاطفي الذي يوائم بيني وبين الفنان ليوناردو دافينتشي، وغيره من العالميين، التأثير المحموم في اكتساب المزيد من المشاعر الإنسانية المتصلة بجميع الحضارات في مختلف الأزمان. فالمنظومة النفسية والفكرية التي تكن في عوالمي الداخلية ماهي الا فضاءات فسيحة تشرق فيها اقمار الإمام الشافعي، وسالمة بنت سعيد، وعلي الطنطاوي، وأحلام مستغانمي، وبلقيس ملكة سبأ، وعبدالحليم حافظ، وليوناردو دافنتشي، ومايكل انجلو، وفيكتور هيغو وغيرهم من العالميين الذين تجمعهم كلمة الإنسانية.
وبكل أسى، فإن انساقنا الثقافية والاجتماعية لا تدعم كثيرا هذه التوجهات، ولكنها تؤكد الروح الشريرة للإحساس الجائر بالتفوق، والتقوقع المغرور على الذات، والإلغاء المجحف للآخر. وكتوضيحات مستقاة من واقع حياتنا، فإن التساؤلات المثيرة للاشمئزاز مابرحت تراودني عن المبررات الواهية للغياب غير اللائق لأسماء العظماء العالميين عن تسميات شوارعنا في مدننا العروبية النمطية. فكم تمنيت ان اقطن في "شارع فان بتهوفن"، او اتناول عشائي في "طريق وليام شكسبير"، او اسير في "ممر سلفادور دالي"، فهل العظمة بث حصري على شاشات الثقافة العربية ام ان انوار الإنسانية تأفل ببشاعة عن سماءنا الملبدة؟ أليست هذه الأسماء الكونية، وغيرها، هي الأجدر من بعض أسماء بعض الشوارع.
طارق السياط
جريدة الريـاض
الجمعه 25 ربيع الأول 1428هـ - 13أبريل 2007م - العدد 14172
منقول
هل تأملت الملامح المبهرة الأكثر شهرة وغموضا في العالم، الموناليزا؟
بالرغم من المتابعات المركزة للسير الحياتية لكثير من الأسماء التي خلدها لنا التاريخ البشري، الا انني وبكامل قواي الانسانية اقف طويلا بكل الاحترام والحب للعبقرية التي سطرتها لنا قصة حياة الفنان العظيم ليوناردو دافنتشي.
وفي سياق لا يضطرني الى الارتياب، فإنني اعتقد بكل حسم ان هذا الفنان هو من البشر الاستثنائيين القليلين في التاريخ الإنساني. لقد جسد هذا العبقري المولود عام 1452في قرية فنشي التابعة لمدينة فلورنسا بإيطاليا بكل جدارة الصورة الكاملة لإنسان عصر النهضة الأوروبية المثالي الذي يمتلك معظم المفاتيح. فمع تفوقه الفذ في مجال الرسم، حتى اصبح واحد من اشهر الرسامين على مدى خمسة قرون، الا انه برع ايضا في العديد من العلوم. وكإنسان متعدد المواهب، فقد تنوعت اهتماماته حتى اكتسحت معظم المجالات. لقد كان ليوناردو شاعرا مميزا، ومهتما بالموسيٍقى، ومهندسا، ومعماريا، وفلكيا، ورياضيا، وجيولوجيا، ومشرحا، وزراعيا، ومهتما بالطيران، وعالما، ومخترعا صمم بعض الآلات، ووضع المخططات النظرية للمئات من الابتكارات التي لم تفسح له حياته المزدحمة بالإنجازات بإتمامها كلها، فمات ولم يكملها. ومن تصاميمه المدهشة ماكينات الطيران، والمدافع سريعة الطلقات، والدبابة، وبوصلة القطع الزائدية. وكان يظهر التفهم العميق للأهمية العالية التي توفرها الحفريات في البحوث العلمية. كما انه اول من فسر ظاهرة ضوء الأرض على القمر.
اما ميدانيه الأفسح، الرسم، فقد ولجه من باب المدرسة الواقعية التي اضاف اليها اشياء كثيرة. وقد كانت له طريقته المتفردة في التلوين، وتوزيع الظل والنور في اللوحة، وإضفاء الخلفيات المتنوعة، كالمناظر الطبيعية، وغيرها.
وتعتبر لوحته الأشهر، الموناليزا، بابتسامتها المحيرة، ويديها المطويتين امامها، هي الأوسع انتشارا، حتى انه من المرجح انها قد اقتحمت كثيرا من البيوت في شتى انحاء العالم. ولم تتعرض لوحة في التاريخ للجدل والتحليل وقراءة الرسائل المشفرة التي اودعتها البصمات الخفية لصاحبها كما حدث مع الموناليزا. وما فتئت الأيام تبوح لنا بالمزيد من الأسرار حول هذه اللوحة العجيبة. ولعل دان براون في روايته الأكثر ضجيجا على مستوى العالم مؤخرا "شفرة دافنتشي" يزودنا بوميض من هذه الإثارات. وعلى مر الأيام، فقد اقحم الرسامون انفسهم، وعلماء الاجتماع، وأطباء الأسنان والقلب، وخبراء التجميل، وغيرهم، في المحاولات المستفيضة لقراءة هذه اللوحة الفريدة.
لوحة "الموناليزا"، والمسماة أيضا "الجيوكوندا"، هي صورة لامرأة تدعى ليزاديل جيوكوندا. ففي عام 1500طلب صديق ليوناردو، التاجر الإيطالي فرانشيسكو جيوكوندا، من ليوناردو ان يرسم لوحة لزوجته ليزا التي تزوجها بعد زوجتين، والتي لم تكن تحبه كثيرا، حيث تزوجته بعد وفاة حبيبها. ودلف ليوناردو يرسم اللوحة لعدة سنوات حتى فرغ منها عام 1503.وقد كان ليوناردو يجلس ليزا امامه على كرسي مستعينا في احايين كثيرة ببعض المهرجين الذي يساعدون ليزا في المحافظة على تلك الابتسامة طيلة فترة الرسم. وكنتيجة مخيبة لأمل ليوناردو فإن فرانشيسكو الزوج لم يقبل في النهاية اللوحة التي لم تحز على اعجابه، وأبى ان يستلمها.
مكثت الموناليزا لمدة طويلة في متحف بوفير جاليري في ايطاليا حتى ابتاعها الملك الفرنسي فرانسوا الأول وأودعها متحف اللوفر في باريس، حيث تجثم فيه وسط قاعة مخصصة بالكامل الى الآن. وفي عام 1911هزت العالم عن بكرة أبيه جريمة سرقة الموناليزا، حيث تسنى لشاب فرنسي يعمل بالمتحف سرقتها وإخفاءها لديه. وفي 1913باعها لفنان ايطالي، والذي ما ان تأكد من انها موناليزا دافنتشي حتى هرع لإبلاغ السلطات التي بدورها سارعت وألقت القبض على اللص، وأودعت اللوحة في المتحف الإيطالي السابق. وبالرغم من الفرح العارم للإيطاليين، الا ان الحكومة الفرنسية بدأت فورا بمفاوضات دبلوماسية شاقة معهم، كادت ان تقطع العلاقات بين البلدين، حتى تم الاتفاق على اعادة اللوحة واللص معا. ونظرا للحجة التي ساقها اللص في تسويغه للسرقة من انه عثر في الموناليزا على فتاته التي كان شغوفا بها كثيرا وماتت بعد فترة قصيرة من الحب، فقد ارتأت المحكمة الفرنسية التي تقافز اليها كبار المحامين الفرنسيين للدفاع عن اللص ان سجنا لمدة عام واحد عقوبة ملائمة.
وأنا امعن النظر في لوحة الموناليزا، استشعر بكل حواسي اللحظات الرائعة التي استهلكها ليوناردو وهو يمارس بكل انسانية هذا الإبداع المذهل.
ويسعني ان اتفهم القدر السخي من المشاعر الإنسانية التي كانت تراوده وهو ينجز هذا العمل، حتى انني اوشك ان اتماهى معه بكل جوارحي.
وليست "الموناليزا" هي اللوحة الوحيدة التي ابدعتها عبقرية ليوناردو، ولكنه ابتكر العديد من اللوحات الخلاقة، مثل "العشاء الأخير"، و"سيدة الصخور"، وغيرها. وكأول رسومات دقيقة من نوعها في التاريخ، فقد رسم ليوناردو لوحات تشريحية للجسم البشري توضح العظام، وأوتار العضلات، وأجزاء الجسم الأخرى، ووظيفة كل عضو. وكمبدع مهتم بالتفاصيل، فقد كان يرسم الملامح المختلفة لوجوه الشخصيات في لوحاته، مع الحرص المتقن على ان تعبر هذه الملامح عن الحالات النفسية المتشابكة التي تعتمل في دواخل تلك الشخصيات.
اسدل الستار على الحياة الرائعة المثخنة بالعطاء للفنان والعالم ليوناردو دافنتشي عام 1519م عندما توفي بعد صراع مع المرض.
وباهتمامات محببة فإن للارتباط العاطفي الذي يوائم بيني وبين الفنان ليوناردو دافينتشي، وغيره من العالميين، التأثير المحموم في اكتساب المزيد من المشاعر الإنسانية المتصلة بجميع الحضارات في مختلف الأزمان. فالمنظومة النفسية والفكرية التي تكن في عوالمي الداخلية ماهي الا فضاءات فسيحة تشرق فيها اقمار الإمام الشافعي، وسالمة بنت سعيد، وعلي الطنطاوي، وأحلام مستغانمي، وبلقيس ملكة سبأ، وعبدالحليم حافظ، وليوناردو دافنتشي، ومايكل انجلو، وفيكتور هيغو وغيرهم من العالميين الذين تجمعهم كلمة الإنسانية.
وبكل أسى، فإن انساقنا الثقافية والاجتماعية لا تدعم كثيرا هذه التوجهات، ولكنها تؤكد الروح الشريرة للإحساس الجائر بالتفوق، والتقوقع المغرور على الذات، والإلغاء المجحف للآخر. وكتوضيحات مستقاة من واقع حياتنا، فإن التساؤلات المثيرة للاشمئزاز مابرحت تراودني عن المبررات الواهية للغياب غير اللائق لأسماء العظماء العالميين عن تسميات شوارعنا في مدننا العروبية النمطية. فكم تمنيت ان اقطن في "شارع فان بتهوفن"، او اتناول عشائي في "طريق وليام شكسبير"، او اسير في "ممر سلفادور دالي"، فهل العظمة بث حصري على شاشات الثقافة العربية ام ان انوار الإنسانية تأفل ببشاعة عن سماءنا الملبدة؟ أليست هذه الأسماء الكونية، وغيرها، هي الأجدر من بعض أسماء بعض الشوارع.
طارق السياط
جريدة الريـاض
الجمعه 25 ربيع الأول 1428هـ - 13أبريل 2007م - العدد 14172
منقول